0

منذ فترةٍ وأنا أتصفح موقع الفيسبوك استوقفني خبرٌ على إحدى الصفحات التي تهتم بالقضايا العلمية؛ مفاده الحديث عن ظاهرة الهبوط الأرضي أو ما تعرف بالانخساف وتناول الخبر هذه الظاهرة من حيث أسبابها ومراحل حدوثها وتبعاتها اللاحقة على الأرض التي تحدث فيها.

ظاهرة الانخساف الأرضي أصابت عدة أماكنَ حول العالم بدءاً من مناطق متعددةٍ في ولايات أمريكا (وذلك غرب تكساس ولويزيانا الساحلية) وفي ولاية كاليفورنيا (وادي سان خواكين ومطار سان فرانسيسكو الدولي)، أيضاً مدينة البندقية في إيطاليا والحصة الأكبر كانت من نصيب إيران التي تتعرض لظاهرة الانخساف بشكلٍ واضحٍ، وتعتبر تهديداً حقيقياً لوجودها الطبيعي. سنتحدث أكثر عن هذا الموضوع في مقال اليوم.

اقرأ أيضًا: المدن المستدامة: أفضل الحلول للعيش في مدنٍ خضراء وكوكب متعافي 🌏

انخساف في طهران
انخساف في طهران

بدايةً: ماهي ظاهرة الانخساف (الهبوط الأرضي)؟

تتعرض مناطق عديدة من الأرض لانتشار ظاهرة الانخساف الأرضي؛ والتي تعرف بأنها هبوطٌ تدريجي لسطح الأرض أو انهيارٌ مفاجئٌ لها، وتتميز بحدوث انشقاقاتٍ أرضيةٍ على مساحاتٍ تتفاوت في عمقها وامتدادها مؤديةً لابتلاع الأشياء الموجودة على سطح المنطقة المتعرضة لهذا الحدث وبشكلٍ فجائي.

لقد شهدت العشر سنواتٍ الأخيرة عدة حالاتٍ من الانخساف الأرضي وفي مناطق مختلفة، فيا ترى ما هي الأسباب العلمية وراء هذه الظاهرة؟

الأسباب العلمية لهذه الظاهرة

إنّ طبيعة المياه الجوفية الحمضية هي التي تساهم في تآكل الأحجار الجيرية والصخور الكربونية مما يسبب تباعداتٍ وفراغاتٍ في الطبقة التحتية تجعل السطح ينهار بشكلٍ متسارعٍ فجائي أو متباطئ تدريجي، تاركةً وراء هذه الفراغات والتباعدات فجوات وحفر تتراوح في العمق والامتداد وقد تؤثر بمساحاتٍ كبيرةٍ جداً تقدر بعشرات أو آلاف الكيلومترات المربعة.

إضافةً للمياه الجوفية أيضاً وجود شبكات الصرف الصحي أو المياه الجارية أو الراكدة له دور في حدوث هذه الظاهرة.

ظاهرة الانخساف الأرضي ليست حكراً على المناطق المنخفضة، وإنما يحدث الانخساف في المناطق المرتفعة والجافة وقليلة المياه، وقد أرجع علماء الجيولوجيا السبب في هذه المناطق إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض جراءَ ظاهرة الاحتباس الحراري، ولذلك ما يزال الانخساف الأرضي رهناً بدراسة المنطقة دراسةً علميةً حتى الآن.

أيضا قد يحدث الهبوط الأرضي جراء إزالة أو إزاحة سوائل الأرض الجوفية نتيجة سحب المياه الجوفية أو التنقيب عن النفط أو الغاز الطبيعي أو الثروات المعدنية بطريقة الضخ أو التكسير.

ظاهرة الانخساف الأرضي تهدد وجود إيران وتعصف بعاصمتها طهران

الانخساف الأرضي
صورة الأقمار الصناعية للعاصمة طهران

إيران الدولة الشرق أوسطية الواقعة في جنوب غربي آسيا بمساحة تبلغ 1633188 كم٢، تشهد عاصمتها طهران كثافةً سكانيةً كبيرةً تبلغ 15 مليون نسمة فهي أكبر مدينة من حيث عدد السكان في غرب آسيا، ولكن تواجه إيران عددًا من المشاكل البيئية الخطيرة مثل نقص موارد المياه العذبة الطبيعية، وانجراف التربة، والزلازل والهزات الأرضية المتلاحقة، وأيضاً ظاهرة الانخساف الأرضي الذي تتعرض له العاصمة الإيرانية طهران بالدرجة الأولى,

اكتُشف مؤخراً وبواسطة صور الأقمار الصناعية ذات الدقة العالية؛ أماكن ومناطق مختلفة في العاصمة طهران تنخفض بنحو 25 سم سنوياً وبشكلٍ مستمر، ووفقاً لدراسة نُشرت في مجلة Nature في 30 نوفمبر 2017 فإن العلماء قاموا بالمتابعة والتحقق من صور الأقمار الصناعية الملتَقطة بين عامي 2003 – 2017 فتبينوا أن 10% من مساحة طهران متأثر، بالإضافة إلى العديد من القرى في المنطقة الشمالية الغربية لطهران، وهو ما سماه العلماء هبوطاً كبيراً أو غرقاً للعاصمة.

ترافق حالة الهبوط هذه التي تتعرض لها مدينة طهران؛ ظهور الشقوق العملاقة التي تحدث فجأةً بالإضافة للحفر الكبيرة في بعض الأماكن. تؤدي هذه الشقوق إن حدثت بالقرب من الأراضي الزراعية إلى استنزاف المياه التي تروي الأراضي وبالتالي حرمان المزروعات من المياه المعدة للري.

وذكرت مجلة Nature على لسان علي بيت الله رئيس قسم هندسة الزلازل في مركز أبحاث البناء والإسكان في طهران روايته لحادثةٍ حصلت مع أحد المزارعين الذي بقي عالقاً لعدة ساعاتٍ في حفرةٍ يبلغ عمقها 20 قدماً (6 أمتار) وكل ما يتذكره المزارع أن الأرض انشقت تحت قدميه فجأةً ووجد نفسه في حفرةٍ كبيرة.

تأثير الانخساف الأرضي
شق ناجم عن انخساف أرضي

الآثار السلبية لظاهرة الانخساف الأرضي في مدينة طهران

يعتبر معدل الانخساف الحالي في مدينة طهران من أعلى المعدلات عالمياً وفقاً لدراسةٍ جديدةٍ لبيانات الأقمار الصناعية. وتؤثر هذه الظاهرة بشكلٍ سلبي على الحياة في إيران ومن أبرز آثارها نذكر:

  • تناقص وندرة المياه الجوفية بسبب الجفاف.
  • الكثافة السكانية في أماكن معينةٍ بعيدةٍ عن مناطق الانخساف و الذي يؤدي بدوره إلى حمولاتٍ كبيرةٍ على سطح الأرض الموجودين عليها.
  • أيضاً مما زاد الأمر سوءاً أنّ مياه الأمطار لم تعد كافيةً لتعويض مخزون المياه الجوفية تحت الأرض، مما يدل وللأسف أنّ الوقت قد نفذ لاسترجاع وتعافي الأرض، ومن الجدير بالذكر أنه تم توثيق هذه الآثار وقبول ما توصل إليه العلماء والباحثون ليتم نشرها في مجلة Remote Sensing of Environment.

اقرأ أيضًا: جولة افتراضية في العاصمة الساحرة “فيينا”… أفضل المدن للعيش في العالم!

ما هو السبب وراء ظاهرة الانخساف الأرضي في إيران؟

الانخساف الأرضي
انهيار الأرض في أحد الشوارع في إيران

قد يدفعنا الفضول لمعرفة السبب الرئيسي لحدوث الانخساف والهبوط الأرضي في مناطق عدة في إيران وأبرزها العاصمة طهران، حيث يعتبر تسرب المياه الجوفية هو السبب الحقيقي وراء هذه الظاهرة كما ذكرت عدة أبحاث ودراسات سابقة. بدأ الأمر حقيقةً في بداية العشر سنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، وكانت أول بوادر الهبوط الأرضي تحت أراضي المناطق الزراعية، ومنذ عام 2003 توسعت رقعة المشكلة لتطال المناطق الحضرية الشرقية وذلك وفقاً لمجلة Nature.

أيضاً يعتبر العلماء أن الحفر غير القانوني للآبار شكل ضغطاً كبيراً على المياه الجوفية المتناقصة، وشجع على زيادة معدل الهبوط. وعلى الرغم من المحاولات المتلاحقة من المسؤولين الحكوميين في إيران بهدف وضع تدابير صارمةٍ مشددة ضد حفر الآبار غير القانونية، وبالرغم من قيامهم بإغلاق 100 ألف بئرٍ، ولكن قدر أنه مايزال هناك 30 ألف بئر حتى الآن.

وحسب تقرير مجلة Nature أنه في حال استمرار ظاهرة الانخساف الأرضي في طهران على هذا المنوال، فإن الأمر بات يهدد كلاً من السكك الحديدية، والجسور، وأنابيب النفط والغاز الطبيعي، والبنى التحتية الكهربائية ويضعها في خطرٍ محدقٍ وكبيرٍ، وبالتالي ستكون إيران من بين دول العالم المهددة بالزوال، بسبب هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر الطبيعية الخطيرة كالزلازل والفيضانات والمشكلات والكوارث الطبيعية الأخرى التي تتعرض لها بين الحين والآخر.

0

شاركنا رأيك حول "الوقت لم يعد في صالحها للنجاة: ما الذي يهدد طهران بالغرق؟"

أضف تعليقًا