ما هو علم الوراثة

الموسوعة » علوم » ما هو علم الوراثة

الصفات الوراثية هي الصفات التي تنتقل من الأبوين إلى أبنائهما لتحدد طبيعتهم الجسدية، وتخضع تلك الصفات في انتقالها لقوانينَ تعرف بقوانين الوراثة، يُعرف إجمالي العمليات التي تنتقل بها الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء باسم علم الوراثة أو الوراثة اختصارًا (Heredity)، ويشمل هذا المصطلح نوعين من العمليات؛ هما:

  1. العمليات المسؤولة عن ثبات الصفات الوراثية في أفراد النوع الواحد.
  2. العمليات المسؤولة عن التنوع الوراثي بين أفراد نفس النوع.§.

تعريف علم الوراثة

علم الوراثة هو المجال العلمي المختص بدراسة عمليات انتقال الصفات الوراثية، ويعرف كذلك بعلم الجينات (Genetics)، ويدرس انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى أبنائهم، كما يدرس الجينات الحاملة لتلك الصفات.

الجينات (Genes) هي الوحدات الأساسية للوراثة؛ حيث تحدد صفات الكائن الحي الموروثة عن أبويه، وتحمل الصبغياتُ (Chromosomes) الموجودة في نواة كل خليةٍ الجينات المختلفة، وهذه الصبغيات هي الحمض النووي في صورةٍ مكثفةٍ. يدرس علم الوراثة الجينات من جوانبَ مختلفةٍ؛ حيث يدرس الكيفية التي تعمل بها الجينات داخل الخلية، وكيفية انتقالها من الآباء إلى الأبناء.

تاريخ علم الوراثة

بدأ الاهتمام بفكرة انتقال الصفات من جيلٍ إلى جيلٍ تالٍ له في مرحلةٍ مبكرةٍ من عمر الحضارة أو حتى في مرحلةٍ سابقةٍ على نشأة الحضارة، بل وطُبقت مبادئ الوراثة في الزراعة وفي تزاوج الحيوانات، حيث زاوج البشر منذ القدم بين أفضل الأحصنة مثلًا لإنتاج أفرادٍ محسنةٍ تحمل مزيجًا بين صفات الأبوين، كما تظهر جذور هذا العلم في وثائقَ بابليةٍ عمرها حوالي ستة آلاف عامٍ، حيث تخبر إحداها عن أنساب مجموعة أحصنة، وعن الصفات التي يمكن أن تنتقل منها إلى الأجيال التالية.

كانت بداية علم الوراثة الحقيقية على يد العالم النمساوي جريجور مندل (Gregor Mendel)، لكن قبل الوصول إلى عمل مندل الذي وضع الأساس لعلمٍ كاملٍ، نشير إلى ملاحظات العلماء الأوائل على انتقال الصفات الوراثية.

  • أبوقراط (Hippocrates): عاش اليوناني المعروف بأبي الطب بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلادي، وكانت له أطروحاته الخاصة في مسألة انتقال الصفات من الأبوين إلى أبنائهما، فقال أن كل عضوٍ من أعضاء الجسد يطرح بذورًا غير مرئيةٍ، وتنتقل بذور الأب إلى الأم عبر الجماع حيث يتكون الجنين داخل الأم.
  • أرسطو (Aristotle): افترض الفيلسوف اليوناني الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد أن الدم هو المسؤول عن انتقال الصفات الموروثة، إذ اعتقد أن الدم يقوم ببناء جسم الجنين، وأن السائل المنوي دمٌ منقى، وأن دم الحيض هو مكافئه عند الإناث.

كما أسلفنا، كانت بداية علم الوراثة عبر أبحاث جريجور مندل التي أجراها على بعض الأصناف النباتية، لكن قبل أن يجري مندل أبحاثه تلك، كانت بعض النظريات الهامة في مجال البيولوجيا والوراثة قد ظهرت، وذلك بالتحديد في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين.

آنذاك، طرح البيولوجي الفرنسي جان باتيست لامارك (Jean-Baptiste Lamarck) مفهومًا جديدًا عن الوراثة، وذلك على أسسٍ تطوريةٍ، حيث تعدل الأعضاء المختلفة من خواصها لتلائم البيئة التي تحيا فيها. بعد ذلك، ظهرت فكرة الانتقاء أو الانتخاب الطبيعي في أعمال البريطانيين ألفريد والاس (Alfred Russel Wallace)، وتشارلز داروين (Charles Darwin) الذي قام بعمل دراساتٍ وتسجيل ملاحظاتٍ في مناطقَ مختلفةٍ خلال رحلته على متن سفينة بيجل (HMS Beagle)، وهي الرحلة التي يُشار إليها باعتبارها بداية البيولوجيا الحديثة، حيث خرج داروين بالنظرية الأشهر في مجال دراسة الأحياء، نظرية التطور.§.

جريجور مندل هو راهبٌ نمساويٌّ ولد سنة 1822، ويُعزى إليه الفضل كما أشرنا مسبقًا في وضع الأسس الأولى حول علم الوراثة الحديث. بدأت دراسات مندل حوالي سنة 1854 ميلادية مستعملًا نبات البازلاء نظرًا للتنوع الكبير في الصفات الذي تظهره البازلاء، بالإضافة إلى سهولة وسرعة إنتاج أفراد بازلاء جديدة.

عمد مندل إلى مزاوجة نباتات البازلاء المختلفة في الصفات مع بعضها؛ فمثلًا يزاوج بازلاء صفراء البذور بأخرى خضراء البذور، أو يزاوج بين نبتتين إحداهما له صفة الطول والأخرى له صفة القصر، أو إحداهما مجعدة البذور والأخرى ملساء، ثم بدأ في تسجيل ملاحظاته بخصوص الأجيال التالية ليتوصل إلى نتيجتين صاغهما في قانونين:

  • قانون الفصل (Law of Segregation): والذي ينص على أن الصفات تنقسم إلى نوعين؛ صفاتٌ سائدةٌ (Dominant Trait)، وأخرى متنحية (Recessive Trait) تورث بشكلٍ عشوائيٍّ من الآباء إلى الأبناء. الصفة السائدة تطغى على الصفة المتنحية بحيث أن وجود الصفة السائدة في أحد الأبوين يعني أن احتمالية ظهورها في أفراد الجيل التالي أكبر، وذلك بنسبةٍ معينةٍ كما لاحظ مندل في البازلاء، حيث كانت نسبة البازلاء صفراء البذور إلى البازلاء خضراء البذور الناتجة عن تهجين نبتتي بازلاء لهما بذورٌ صفراء وخضراء على الترتيب هي ثلاث صفراء البذور لواحدةٍ خضراء، فاستنتج مندل أن صفة البذور الصفراء صفةٌ سائدةٌ، أما صفة البذور الخضراء فمتنحيةٌ.
  • القانون الثاني لمندل أو كما يعرف بقانون التشكيل المستقل (Law of Independent Assortment): ينص على أن انتقال الصفات يكون بصورةٍ مستقلةٍ، فامتلاك أحد الأبوين مجموعة من الصفات لا يعني أن هذه الصفات تنتقل للجيل التالي كحزمةٍ واحدةٍ، بل تورث كل واحدةٍ منها مستقلة.§.

في السنوات التالية لأبحاث مندل، تطورت الأبحاث في مجال علم الوراثة ووضِّح دور الجنس في توريث الصفات حيث تنتقل المادة الوراثية عبر الأمشاج (الحيوانات المنوية والبويضات في الحيوان، وحبوب اللقاح والبويضات في النبات)، إذ يرث الجنين نصف مادته الوراثية من الأب، والنصف الآخر من الأم.

أيضًا اكتُشف جزيء DNA الحامل للصفات الوراثية، وذلك عبر جهود جماعةٍ من العلماء خلال فتراتٍ زمنيةٍ متعاقبة، حيث بدأ إدراك العلماء لدور الكروموسومات في توريث الصفات في العقود الأولى من القرن العشرين، ثم جاء العام 1953 الذي قدم فيه الأمريكي جيمس واطسون (James Watson) والإنجليزي فرانسيس كريك (Francis Crick) نموذجهما الشهير لوصف تركيب جزيء DNA، ويعرف ذلك النموذج باللولب المزدوج؛ حيث وصف الجزيء على أنه لولبٌ أو سلمٌ مزدوجٌ كما يظهر في الصورة أدناه، وقد فتح ذلك الوصف الباب لفهمٍ أفضل للجزيء الحامل لصفاتنا الوراثية.§.

نموذج اللولب للحمض النووي

الحمض النووي DNA

يحتوي جسم الإنسان على تريليونات الخلايا، وفي نواة كل خليةٍ توجد المادة الوراثية أو الحمض النووي. قليلٌ من هذا الحمض النووي نجده في المتقدرة أو الميتوكوندريا (Mitochondrion)، التي هي بمثابة مصنعٍ للطاقة في الخلية الحية. الأحرف الثلاثة DNA هي اختصارٌ لعبارة Deoxyribonucleic Acid ومعناها الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين، ولنفهم الاسم علينا أن ننظر لتركيب جزيء الحمض النووي.

يتكون جزئ الحمض النووي من لولبين متقابلين، الواحد منهما يحوي جزيئاتٍ من سكرٍ خماسيٍّ اسمه سكر الريبوز، غير أن هذا السكر يكون منزوعًا منه ذرة أكسجين، وتتصل جزيئات الريبوز بمجموعات فوسفات. ترتبط الجزيئات كذلك بقواعدَ نيتروجينيةٍ، وهي جزيئاتٌ كيميائيةٌ تتوسط الجزيء.

في الصورة التالية ستجد جزيئات السكر الخماسية مرموزًا لها بالحرف S، وجزيئات الفوسفور بالحرف P، أما الجزيئات المرموز لها بالأحرف A وG وC وT فهي القواعد النيتروجينية. يتواجد الحمض النووي في الخلايا في هيئة كروموسومات أو صبغياتٍ، بالتحديد أثناء مراحل انقسام الخلية. على طول جزيء الحمض النووي نجد تتابعات معينة هي ما نسميه الجينات، وتترجم هذه الجينات إلى صفاتٍ جسديةٍ معينةٍ.§.

ما هو الحمض النووي الريبوزي منقوص الاوكسجين DNA

تطبيقات علم الوراثة

آخر ما نتطرّق إليه بخصوص الوراثة هو تطبيقاتها، وللوراثة تطبيقاتٌ كثيرةٌ نذكر منها بعض التطبيقات في مجالات الطب والزراعة والصناعة.

  • الطب: تساعد دراسة الجينات في تشخيص الأمراض الوراثية أو تلك التي تزداد احتمالية الإصابة بها في حال وجودها في التاريخ المرضي للعائلة كما في حالة الأورام السرطانية. الخلايا الجنينية أحيانًا تظهر خللًا جينيًّا يمكن علاجه في مرحلةٍ مبكرةٍ. نشير مرةً أخرى إلى أن أمراضًا كثيرةً تظهر لأسبابٍ جينيةٍ، ومن هنا يمكن التنبؤ بالأمراض المحتمل ظهورها في الأفراد الناتجة عن الآباء.
  • الزراعة: تُعدَّل جينات النباتات والحيوانات لإنتاج أفراد تتمتع بصفاتٍ مرغوبةٍ كزيادة الحجم أو تغيير الطعم.
  • الصناعة: في مجالات التكنولوجيا الحيوية وصناعة الأدوية.§.
424 مشاهدة