تفاجئنا علوم الحاسوب والتكنولوجيا يومًا بعد يومٍ بإنجازاتٍ وإبداعاتٍ ما عرفناها سابقًا، وآخرها ما كان من القفزة النوعية في علم الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence AI وتعلم الآلة Machine Learning ML، ومؤخرًا؛ الحوسبة الادراكية Cognitive Computing.

تشكل الحوسبة الادراكية مزيجًا من العلوم التكنولوجية بل وغير التكنولوجية، فهي تمزج بين علوم الحاسب المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة من جهة وبين علم الأحياء فيما يتعلق بكيفية عمل العقل البشري بل تضيف إلى المزيج أصنافًا أخرى من العلوم كالعلوم الإدارية والتجارية وغيرها!1

تعريف الحوسبة الادراكية Cognitive Computing

يطلق مصطلح الحوسبة الإدراكية Cognitive Computing على نماذجٍ حاسوبيةٍ مبرمجةٍ لمحاكاة عملية الإدراك البشري تمكن الآلة من إيجاد حلولٍ في مواقفٍ معقدةٍ عندما تكون الحالات المعالجة غامضةً وغير مؤكدةٍ.

تتداخل الحوسبة الإدراكية Cognitive Computing بشكلٍ كبيرٍ مع الذكاء الاصطناعي AI حيث تشترك معها في العديد من التقنيات الأساسية مثل النظم الخبيرة Expert Systems والشبكات العصبونية Neural Networks والروبوتات Robotics والواقع الافتراضي (Virtual Reality (VR.

وعلى الرغم من أن مصطلح الحوسبة الادراكية يستخدم غالبًا بالتبادل مع الذكاء الاصطناعي (AI)، إلا أن الحوسبة الإدراكية ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بنظام الحاسوب الإدراكي الذي أنتجته شركة IBM المعروف باسم حاسوب واتسون Watson.2

يصنف بعضُ المهتمين بعلوم الحاسب والذكاء الاصطناعي الحوسبةَ الإدراكية على أنها العصر الثالث للحوسبة؛ حيث يعتبرون أن العصر الأول للحوسبة كان مع ظهور أولى الآلات الحاسبة في بدايات القرن العشرين، ثم تطورت تلك الأجهزة البسيطة إلى أنظمةٍ قابلةٍ للبرمجة لتشكل العصر الثاني للحوسبة حسب آرائهم، وأخيرًا أتت الحوسبة الادراكية تتويجًا للعصرين الأول والثاني وإعلانًا لبداية عصرٍ ثالثٍ في تاريخ الحوسبة.3

كيف تعمل الحوسبة الإدراكية

حتى تتمكن أنظمة الحوسبة الإدراكية من اتخاذ قراراتٍ للحالات المعقدة وغير المتوقعة كما هو مناطٌ بها، فإنها تجمع البيانات من مصادر المعلومات المختلفة ضمن نظام العمل الموجودة فيه، ثم تقوم بتقييم السياق والأدلة المتضاربة لاقتراح أفضل الإجابات الممكنة.

تعتبر مرحلة تجميع البيانات أولى مراحل الحوسبة الإدراكية حيث تغذى الحواسيب بكمٍ هائلٍ من البيانات المنظمة وغير المهيكلة، والتي تكون بدورها متحولات الدخل لخوارزميات التعلم الآلي.

ومع مرور الوقت تصبح الأنظمة الإدراكية قادرةً على معالجة تلك البيانات واستقرائها، وللوصول إلى مرحلة اتخاذ القرار فإن أنظمة الحوسبة الإدراكية تعالج البيانات باستخدام خوارزميات التعلم الذاتي Self-Learning وكذلك التنقيب في المعطيات Data Mining، بالإضافة للتعرف على الأنماط Pattern Recognition، ومعالجة اللغة الطبيعية Natural Language Processing. كل ذلك بهدف محاكاة الطريقة التي يعمل بها العقل البشري في معالجته للبيانات واتخاذ القرار المناسب.4

محددات أنظمة الحوسبة الإدراكية

لا يمكن أن نعتبر كل نظامٍ حاسوبيٍّ يعالج البيانات ويصل منها إلى قرارات ونتائج نظام حوسبةٍ إدراكيةٍ، لذلك حدد اتحاد الحوسبة الادراكية Cognitive Computing Consortium خمس محدداتٍ لأنظمة الحوسبة الإدراكية.

  • التكيف Adaptive

يقصد بالتكيف أن تكون الأنظمة الإدراكية قادرة على التكيف مع تغيرات المعطيات في بيئة العمل؛ بحيث لا يُصاب النظام بالركاكة أو البطء في حال حدث أي تغييرٍ في طبيعة البيانات الواردة إليه.

  • التفاعل Interactive

التفاعل بين الإنسان والحاسوب (HCI) هو محددٌ حاسمٌ وحساسٌ في تصميم النظم الإدراكية، حيث يتيح للمستخدمين التفاعل مع الأجهزة الإدراكية وتحديد متطلباتهم ورغباتهم كلما تغيرت تلك الرغبات.

كما يجب على مصممي النظم الإدراكية مراعاة أن تكون تلك النظم قادرة على التفاعل مع المعالجات والأجهزة الأخرى، بالإضافة لأنظمة التخزين السحابي.

  • مراعاة الحالات المتكررة Iterative and Stateful

في كثيرٍ من الحالات تحتاج تقنيات الحوسبة الادراكية لطرح بعض الأسئلة أو طلب بياناتٍ إضافيةٍ في حال كانت القضية التي تعالجها غامضةً أو غير مكتملةٍ، من المهم في مثل هذه الحالات أن تحتفظ الأنظمة بتلك المعلومات لتكون جاهزةً عند حصول مواقفٍ مشابهةٍ مستقبلًا.

  • القدرة على فهم السياق Contextual

فهم الأمور والمفردات في سياقها إحدى أهم مهارات التفكير البشري، ولمّا كانت أنظمة الحوسبة الإدراكية تحاول تقليد هذا التفكير، فإنّ قدرتها على فهم السياق أمرٌ بالغ الأهمية.

بالتالي يجب على أنظمة الحوسبة الادراكية أن تحلل البيانات السياقية وتفهمها كما يشير السياق لا كما ترِد مجرّدة من السياق؛ مثل بناء الجملة أو الوقت أو الموقع أو ملف تعريف مستخدمٍ معينٍ أو المهام أو الأهداف.5

المراجع