حين يفيض الفن عزلةً: نماذج لموسيقيين وفنانين تشكليين تحولت وحدتهم إلى إبداع مؤلم

الوحدة في الفن
نور الهدى بن الحاج ابراهيم
نور الهدى بن الحاج ابراهيم

5 د

يقول الروائي والمترجم الياباني المعاصر الذي عرفناه في عدة أعمال أشهرها “كافكا على الشاطئهاروكي موراكامي:


“أنا واحدٌ من هؤلاء البشر الذين يفضلون البقاء بلا رفقة ولكي أكون أكثر دقة، أنا شخص لا أجد فى الوحدة أى أَلم أو عناء. ولا أجد فى قضاء ساعة أو ساعتين يوميًّا فى الركض وحيداً بدون التحدُّث مع أحد وقضاء أربع أو خمس ساعات أُخرى فى مكتبي وحيداً شيئًا صعبًا أو مُملًا. حيثُ أنني لدي هذه النزعة مُنذ طفولتي، فمثلاً عندما يكون لدي خيار كُنت دائمًا ما أُفضل قراءة الكُتب فى عُزلةٍ تامة أو الاستغراق فى الاستماع إلى الموسيقى عن تواجدي مع أي شخص آخر. فأنا دائمًا لدي أشياء لفعلها وحيداً”.

لكن الوحدة متى طرقت أبوابنا دون علم أو دون سابق إنذار فإنها تتحول إلى أسوأ التجارب الحياتية وأقساها. عن هذه الوحدة وتلك، عن العزلة التي نختارها طواعية وعن الأخرى التي تُفرض علينا عادة نحدثكم في هذا المقال، الذي ارتأينا من خلاله أن نصور لكم هذه التجربة كما خلدها رسامون عالميون وعزفها موسيقيون كبار.

اقرأ أيضًا: في تشريح الوحدة: لأن الشعراء يملكون مشارطًا أيضًا


إدوارد هوبر: رسّام “الوحدة”

الوحدة عند إدوارد هوبر

لوجة مطعم آلي
ذو صلة

قد يغيب عن ذاكرتنا الجماعية هذا الاسم، ولكننا بمجرد رؤية إحدى لوحاته نتذكره ونسترجع بقية أعماله التي عممت تجربة العزلة وزادت من وطأتها على قلوبنا. انتشرت أعماله أكثر فأكثر في زمن الكورونا لتجعلنا نرى أنفسنا فيها، إذ يصور الرسام الأمريكي الواقعي إدوارد هوبر مشاهد يومية وعادية من حياة سكان المدن فيجسد وحدتهم وينقل للمشاهد عزلتهم ويفضح حزنهم ويعرّي واقعهم.

من بين هذه اللوحات نجد لوحة “صقور الليل” التي تكاد تكون أشهر أعماله وهي تجسيد لاغتراب الانسان ووحدته، حتى وإن لم يكن منغلقًا على نفسه في غرفة النوم يفكر في ما يمكن أن يحدث له.


لوحة صقور الليل

نرى في “صقور الليل” أربعة أشخاص مختلفين جالسين في مطعم لا يخاطب أحدهم الآخر، مبينًا أن الحضور والكثرة ليسا شرطًا تزول عنده العزلة، وأنها على عكس ذلك تتغذى بهما خاصة في المجتمعات المعاصرة. قال كثيرون أن هذه اللوحة كانت وليدة مطالعة هوبر لقصتين قصيرتين لنفس الكاتب “إرنست همنغواي” تأثر بهما كثيرًا، هما: “القتلة” و”مكان نظيف جيد الإضاءة”.

الوحدة

لوحة شمس الصباح

العزلة في أعمال هذا الرسام الواقعي حقيقية وفاضحة وموجعة، وبين سيدة أنيقة تجلس وحدها في “مطعم آلي” تنتظر من لم ولن يأتي، وأخرى تنظر إلى الأفق الممتد عبر نافذة غرفة النوم بينما يصافح جسدها نور الشمس في “شمس الصباح” كأنها ترقب المجهول وتخاطب اللاشيء وتنتظر الأفضل. يرجعنا هوبر إلى الأصل ويعود بنا إلى عتبة البداية لعلنا نتصالح مع أرواحنا الزجاجية والوحيدة والمنكسرة.

اقرأ أيضًا: الصور المؤثرة والمعبرة من 2020: عامٌ لا يُنسى بصور تُخلد الفقد والوحدة والكوارث…. والأمل💖💔


إيغون شيلى: وحدة الجسد وتعبيرية العزلة

الوحدة

اللوحة تسمى (I Will Gladly Endure for Art and My Loved Ones) سأتحمل الفن واحبائي

التعبيرية تيار فني شمل الفن التشكيلي كما شمل الهندسة المعمارية والأدب وبعض الفنون الأخرى، واستند على رؤية الفنان للعالم القائمة في حد ذاتها على حالته النفسية ومشاعره وأحاسيسه وتجاربه لا على محاكاة هذا العالم وإظهاره كما اتفقنا أن نراه معًا.

ظهر هذا التيار في النمسا وألمانيا بين العامين 1905 و1920 وظهر من خلال لوحات وأعمالٍ ذات ألوان حارّة ووجوه مرعوبة، مشوهًا بذلك الحقيقة استنادًا إلى مشاعر الاغتراب والعزلة التي يعيشها رواده.

كان “إيغون شيلى” الذي يحكى أنه بدأ الرسم منذ السادسة من عمره، حين كان والده في كل مرة يهديه فيها دفترًا ويطلب منه أن يريه إياه بعد شهر يرجعه له بعد ساعات، واحدًا من أهم مؤسسي هذه المدرسة. عمل “شيلى” على علاقتنا بالجسد وقد تزامنت رسومه التي تعري أجساد النساء والرحال مع فترة اكتشافه لجسده أي فترة المراهقة، وبرزت مع هذه الأجساد المنهكة والمملوءة خطوطًا متقاطعة ملامحُ حزينة وخائفة.

إيغون آشلي

بورتريه ذاتي

نبدأ ببورتريه ذاتي رسمه “شيلي” سنة 1910 واختار له أن يكون مكبلًّا بنظرات تائهة تأخذه إلى عالم يسيطر عليه الضجيج ويعلوه صراخ العزلة.

وتبقى لوحة “الأم الميتة” كما سماها رسامنا الذي كان كلما رسم لوحة غدره عداد الحياة، أكثر أعماله تعبيرًا عن التراجيديا السرمدية التي تعيشها أيها الإنسان وعن الوحدة التي تبقى حتى عندما تحمل بين ضلوعك حياة أخرى وبين أفكارك امتدادًا لذات أخرى. ظهر في اللوحة أمٌّ بألوان داكنة وشاحبة الوجه تخبئ بداخلها طفلها الذي اختار له شيلى ألوانًا أكثر دفئًا، وكأننا بموت يحمل في طياته حياة وبكثرة تحمل في داخلها وحدة.

الوحدة

لوحة الأم الميتة

سيمفونيات العزلة: كيف ستكون الوحدة إذا امتطت ظهر السلم الموسيقي؟


نهرب من الألوان والزوايا والخطوط لنجد أنفسنا بين المفاتيح الموسيقية، نعيش الوحدة بمشاركة ألحان أُلِّفت لتخلد هذا الشعور. نستهل فقرتنا بسمفونية لا يمكن أن نسمعها دون أن نحس بقسوة هذا العالم وبالتوتر والاضطراب لتواجدنا فيه، وهي السمفونية رقم 6 لتشايكوفسكي.

سُمّيت “المؤثرة Pathétique” وقد لحنها هذا الملحن العظيم مباشرة قبل رحيله عن هذه الدنيا انتحارًا دون أن يهبها اسمًا. لا يمكن لنا أن نضبط إيقاعها أو نتبعه فهي كالحياة أو كالزمن صاخبة ثم هادئة، جميلة ثم قاسية، لطيفة ثم مؤلمة.

فيديو يوتيوب

لم تكن هذه المعزوفة العمل الوحيد الذي أضفى لحنًا ونغمًا على تجربة العزلة، إذ نجد أيضًا معزوفة “فرانز شوبرت” المعروفة بـ”Death and the maiden” والتي كتبها سنة 1824 حين علم أن أيامه معدودة وأنه يحتضر.

فيديو يوتيوب

الوحدة تجربة إنسانية مشتركة نعيشها مرغمين غالبًا ونخوضها كل على طريقته، فمنا من يتحول حين يعيشها إلى حشرة يدهسها العالم كلما لم تقدر على الوقوف، ومنا من يغنيها بصوت ملائكي يداعب الإله وعرشه فيهديه هذا الأخير فرحًا وطمأنينة.

اقرأ أيضًا: الكاتبات والوحدة.. نساء جمعت صرخاتهن الروائية نورا ناجي عبر التاريخ الأدبي

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.