هل هي نهاية هواتف سوني؟
0

شركة سوني ليست حديثة العهد في مجال الهواتف بشكل عام، فمن لا يعرف سوني حقاً؟ سوني بدأت في سوق الهواتف المحمولة العادية منذ 2001 شراكةً مع إريكسون السويدية، واستمرت معها جنباً إلى جنب إلى أن قررت البدء بخطوة كبيرة في الربع الأخير من عام 2011 عبر شرائها لشركة إريكسون السويدية، (أنهت عملية الاستحواذ هذه بالكامل سنة 2012) وهذه الخطوة كانت البداية لها في سوق الهواتف النقالة، حيث دمجت العلامتين التجاريتين معاً (للاستفادة من الاسم الكبير الذي قامت بشرائه) بمسمى سوني-إريكسون، ثم اختزلت الاسم نهاية ليصبح سوني. هذه الأخيرة تصنع الهواتف الذكية تحت العلامة التجارية الفرعية Xperia، وتصنّع الأجهزة اللوحية أيضاً والساعات الذكية، بالإضافة لبعض الإكسسوارات الأخرى، وتعمل على تطوير برمجيات كل ما أسلف ذكره.

كل هذه الخبرة، يجب أن يكون لها مفعول إيجابي على حصتها السوقية، صحيح؟ لكن بالنظر إلى مبيعات الهواتف الذكية الخاصة بهذه الشركة، تجد أنها في انحدار مستمر منذ خمس سنوات تقريباً ولغاية السنة الحالية، ولا تجد لها أي مكان ملحوظ بين كبار مصنعي الهواتف النقالة على حد سواء. فما الذي يحدث يا ترى؟

الذهب لا يصدأ، لكن قد يكون دفينَ الأتربة:

كمثال عملي على ما أريد قوله، لنتفحص مواصفات أحد أحدث هواتف سوني النقالة في الوقت الحالي، والمسمى بـ “Sony Xperia 1 II“، ولنستعرض مواصفاته:

  • يحتوي معالج سناب دراجون 865 الأسرع حالياً.
  • الرام: 8 جيجا.
  • الذاكرة الداخلية: 256 جيجا، من فئة UFS (السريعة للغاية)، قابلة للتوسعة عبر بطاقة SD.
  • شكل فخم من المعدن والألمونيوم.
  • كاميرات ثلاثية رائعة (يمكنك تفحص مواصفاتها بالكامل في الرابط أعلاه)
  • بطارية 4,000 ميلي أمبير.
  • شاشة أوليد بألوان مبهرة بقياس 6.5 إنش وبنسبة عرض 21:9 (الهاتف نحيل يمكن استعماله بشكل ممتاز بيد واحدة) وبدقة عرض 4K.
  • الجهاز ضد الماء.
  • يدعم الشحن اللاسلكي.
  • يعمل على نظام أندرويد 10.
  • محرك الاهتزازات عالي الجودة.
  • يحتوي على قارئ للبصمات.
  • حواف الإطارات صغيرة.
  • لا يحتوي على شق للكاميرا الأمامية أو ما يصطلح بالنوتش.
  • تصميم عصري ومريح للعين.

أي شخص يتمنى هذه المواصفات كلها في الجهاز الذي يستعمله، هذه مواصفات أفخم الأجهزة حالياً بلا شك (الهواتف الرائدة فلاجشيب)، ولكن قد يقول أحدهم: هذه المواصفات يمكن لها أن توجد في أي هاتف آخر، فهي ليست حكراً على سوني. بصراحة، في هذا الهاتف تحديداً أمور أخرى (برمجية) تجعله مميزاً حقاً، لكن السؤال الأهم، لماذا لا يقبل الناس على شراء مثل هذا الجهاز؟ بل وتجد أن سوني لا تجني أي أرباح في سوق الهواتف النقالة آخر سنتين تقريباً. لكن أظن أن لدي إجابة مبنية على عدة عوامل أود تحليلها.

في البداية أريد أن أستعرض لكم ما هو الشيء المميز في جهاز سوني المطروح هنا كمثال، وأهم الأشياء بالنسبة لي هي نحافة الجهاز وإمكانية استخدامه بيد واحدة أسهل بكثير، بل وبدقة عرض 4K، وضمن نظام تشغيله، يمكنك تفعيل Creator Mode من ضمن خيارات العرض، لتستمتع بأكثر الألوان دقة وأكثر الشاشات وضوحاً في السوق حالياً.

تحفة لعشاق التصوير بفضل الكاميرا الاحترافية:

سوني

يمكنك نزع مدخل السيم وبطاقة الذاكرة الإضافية يدوياً وبدون أي أدوات، وهذا عامل إضافي مهم لمن يقومون بالتقاط الكثير من الفيديوهات والصور ويحتاجون باستمرار لتغيير بطاقة الذاكرة الداخلية فور امتلائها. تصميم مدخل يمكنك انتزاعه باليد مع الإبقاء على كون الجهاز مضاداً للماء أمر مثير للإعجاب حقاً.

هذا الهاتف يحتوي على مدخل للسماعات (أصبح أمراً بالغ الندرة في أجهزة الفلاجشيب)، ونعلم تماماً أن الشركات تفعل ذلك كي تجبرك على شراء السماعات اللاسلكية، لكن سوني لم تفعل ذلك، برغم أنها تبيع أفضل وأفخم أنواع السماعات اللاسلكية التي يمكنك الحصول عليها في السوق حالياً.

واجهة استخدام الهاتف مريحة، أقرب ما تكون للأندرويد الخام المقدم من غوغل، ولم تضف سوني الكثير من التطبيقات المزعجة، بل ضمّنت بعض التطبيقات المفيدة أيضاً للاستعمال اليومي، مثل شريط المهام المتعددة الذي أضافته على واجهة المستخدم، وأظنها واحدة من أفضل واجهات استخدام المهام المتعددة المتوفرة حالياً.

هنالك تفصيل قد لا يهم الكثيرين، وهو وجود إمكانية جعل الهاتف يهتز عند تشغيل الموسيقا، وهذه الاهتزازات ستعمل مثل الأنظمة الصوتية عند تشغيل أغنية صاخبة مثلاً تحتوي إيقاعات منخفضة، وستجد أن الهاتف الذي يحتوي على نظام ستيريو يهتز في يدك عند كل ضربة طبل.

يوجد في هذا الهاتف LED مخصص للإشعارات، وهذا أمر نادر الوجود هذه الأيام في الهواتف النقالة، بالإضافة لوجود زر إضافي يمكن تخصيصه لتشغيل تطبيقات معينة، أو استخدامه كزر لالتقاط الصور.

بالحديث عن الصور، لن يخيب هذا الهاتف أملك، فكل مصنعي الهواتف يستخدمون مستشعرات الصور التي تصنعها سوني في هواتفها كما أسلفنا الذكر. زد على ذلك أن سوني تقوم بتصنيع كاميرات تصوير احترافية (ألفا) والتي عادةً ما تكون من أفضل الكاميرات في العالم.

كل ذلك يفضي إلى أن سوني لديها كل الإمكانيات لتبهرك في هذا المجال، فتجد أنهم يستجلبون تلك الخبرات والتقنيات ويضعونها في هذا الهاتف، وأهمها بالنسبة لي التركيز التلقائي المبهر من سوني، ووجود الوضع التلقائي لالتقاط الصور، بالإضافة للتحكم اليدوي (وضع الخبراء).

اقرأ أيضاً: كيف نختار كاميرا DSLR احترافية؟ وما هي أفضل الخيارات المتاحة في السوق اليوم؟

مزايا تنقلب عيوباً:

مثال على صور Xperia 1 II
تصوير كاميرا Xperia 1 II

الصور رائعة حقاً، لا توجد أي ملاحظات حتى في الوضع التلقائي، لديك ثلاث كاميرات بإعدادات مختلفة لالتقاط الصور. الصور فيها تباين لوني ممتاز، عملية التركيز التلقائي سريعة، بالإضافة لوجود وضعي تصوير احترافيين، أحدهما للصور والآخر للتصوير السينمائي، وستجد الكثير من الأمور التي يمكن لك أن تجدها في كاميرات ألفا من سوني تم جلبها لتكون هنا في هذا الهاتف.

يمكنك حقاً تصوير فلم سينمائي بوساطة كاميرات هذا الهاتف. كل هذه المزايا تجعل عشاقها والمتحمسين لاقتناء هاتف كهذا يهرعون لفعل ذلك، ولكن الأمر الأخير تحديداً -بظنّي- ينطوي على إجابة جزئية على السؤال الذي تم طرحه بدايةً: لماذا لا يقبل الناس على شراء مثل هذه الأجهزة من سوني؟ والإجابة الجزئية هي أن العشاق والمتحمسين لا يشكلون النسبة الأكبر من أي سوق لأي منتج كان، بل وهم يشكلون النسبة الأقل والأصغر في سوق الهواتف المحمولة.

لا أريد أن يتم فهمي بشكل خاطئ، فالمزايا التي تشد المتحمسين وعشاق علامة تجارية ما قد ترفع مبيعات المنتج الذي يحتويها بشكل كبير إلى حد ما، ولكن إذا أردت حصة الأسد من السوق، يجب عليك أن تكون جذاباً للجميع، وجُلّ الهواتف التي تطلقها سوني ليست كذلك، بما فيها الهاتف الذي ذكرناه أعلاه، فبرغم كل هذه المزايا التي ذكرناها في هذا الهاتف، وبرغم كل ما يحتويه من قدرات على التحكم بالكاميرا والإضاءة ونقاط التركيز، فلا يوجد نمط ليلي مثلاً لالتقاط الصور (مثل الموجودة في هواتف بيكسل من غوغل مثلاً)، أي أنه لا يمكنك التقاط صور ليلية بوساطة هذا الهاتف بسهولة دونما معرفة مسبقة بكيفية فعل ذلك.

كل مرغوب، غير موجود!

الكاميرا الأمامية للهاتف غير قادرة على التقاط الفيديوهات بدقة أكبر من 1080p وبمعدل إطارات 30 ثانية، ونحن في زمن فيه الكاميرا الأمامية أهم من الكاميرا الخلفية (زمن السيلفي والتفرد لا الصور الجماعية). فوق كل ذلك، كون الشاشة بدقة عرض 4K، هذا الأمر لا يعني للكثيرين، ويمكنني المراهنة (في حال لم يكن الشخص يعلم ما الذي ينظر إليه أو على علم مسبق بمواصفات الجهاز) أنه في حال عرضنا فيديو على هذه الشاشة، أكاد أجزم أنه لن يلحظ أحد أي فرق عن شاشات الأوليد الأخرى من حيث الدقة، فهي ليست بهذه الأهمية إذا أخذنا أحجام الهواتف الصغيرة بعين الاعتبار.

حتى بالحديث عن كل هذه المزايا والتقنيات التي ضمنها سوني في هذا الهاتف (أتحدث عن التحكم اليدوي للخبراء)، كل تلك، والتي تبدو جذابة للعشاق والمتحمسين، لن تكون ذات أي أهمية، كون هؤلاء معظمهم، أو ربما جميعهم، يمتلكون كاميرات على مستوى احترافي ويستخدمونها أينما حلوا، وربما لن يفكروا في تجربة كاميرات هذا الهاتف إلا للمرح والتقاط بعض الصور للتسلية، وهنا بيت القصيد. لا أريد أن يتم فهمي بشكل خاطئ، خاصيات التحكم اليدوي هذه قيمة مضافة على الهاتف، لكنها لن تكون الشيء الذي سيدفع أناساً جدد لاقتناء هذا الهاتف.

مبيعات هواتف سوني في السنوات الأخيرة الماضية

ستجد أن مبيعات سوني في سنة 2018 حوالي 6.5 مليون هاتف ذكي برمتها، (هذا رقم مثير للاهتمام حيث أنها كانت تبيع حوالي 40 مليون جهاز سنوياً خلال سنتي 2013 و2014) ولربما يكون الرقم الخاص 2018 لسوني السنوي هو نفس عدد الأجهزة التي تبيعه آبل في أسبوع فقط في أحد أرباع السنة ذات المبيعات القوية، بجهاز مثل الذي استعرضناه، وبمزايا مثل التي يحتويها، يجب أن يكون الجهاز قادراً على تحسين المبيعات، لكن نرى سوني تغرق وتغرق أكثر، فالمبيعات في ربع السنة الثاني من 2019 وصلت إلى الحضيض، بـ 1.5 مليون جهاز مباع فقط حسب وقت الإحصائية.

تسويق هَرِم، وعقلية متحجرة:

سوني

أحد أهم أسباب المبيعات السيئة لأجهزة سوني هو أن معظم الناس لا تدري بوجود أجهزة مميزة من نفس الشركة، وقد تقول إن هذا الأمر جنوني، فهذه الشركة تقوم بتصنيع كل هذه المواصفات المميزة ولديها كل مقومات النجاح، بل وتقوم بتصنيع كل هذه الشاشات ومنصات اللعب الأشهر عالمياً (البلاي ستيشن) وتقوم بتسويقها بشكل ممتاز، لكن هذه الشركة غير قادرة على رفع مبيعاتها في سوق الهواتف النقالة؟ أظن أن الشركة أيضاً تعاني كما تعاني شركة LG، وهو عدم إمكانها القيام بإعلان مناسب لإطلاق أجهزتها.

لنأخذ ما تفعله آبل كمثال على طريقة إطلاق أجهزتها (والتي تكون عادة ناجحة للغاية): مؤتمر ما، وبعد أسبوع يصلك الطلب المسبق على المنتج الذي يعرضونه، وبعد أسبوع تقريباً، تجد المنتج في أيدي الناس من المتاجر. الأمر بسيط جداً وغير معقد ولا يستهلك الكثير من الوقت، ولا تموت الحماسة في قلوب الناس. سامسونج ووان بلاس تقوم بذلك على حد سواء؛ أي عمليات إطلاق مميزة لهواتفها.

هاتفنا الذي استعرضناه في هذا التحليل تم الإعلان عنه في شهر فبراير سنة 2020، ولكن تم إطلاقه في شهر مايو من نفس السنة، لكنه لم يتوفر في الأسواق على حد علمي إلا في أكتوبر المنصرم، أي بعد ستة أشهر تقريباً! لا أدري ما الذي يحصل مع سوني، أهو سوء في إدارة سلاسل التوريد، أم حصريات متعلقة بالوكلاء، لا أدري حقاً، لكن كل ما أدريه أن هذا الأمر يبدو سيئاً للغاية بالنسبة لأي مستخدم متحمس وينتظر الحصول عليه، بالإضافة إلى أن توفر الهاتف في نفس الوقت الذي يتم الإعلان فيه عن خليفته (المسمى Xperia 5 II) هو أمر يسيء للعلامة التجارية برمتها، فتشعر كما لو أن علامة إكسبيريا ليست ذات أهمية بالنسبة لسوني، فهي أشبه بالابن العاق الذي تسبب باليأس لزوجة أب راحل، ولا تبالي به في أي وادٍ من أودية الدنيا يهلك، والأمر ذاته بالنسبة للمستهلكين، فلا أحد يود أن يحصل على جهاز تجعله الشركة يبدو كما لو أنه قديم حتى حينما تكون أول الحاصلين عليه حرفياً.

من المؤسف حقاً أن سوني تقوم بكل هذه الجهود في تطوير أجهزتها وجعلها مميزة عن باقي المطروح في الأسواق، ولكن تفشل كل هذا الفشل في جعل الناس يستمتعون حتى بالحصول على أجهزتهم. أجهزة سوني مميزة حقاً وجديرة بالتجربة، ولا أريد لإكسبيريا أن تموت، فكلما زادت المنافسة في أي مجال، كان ذلك أفضل بالنسبة للمستهلك من ناحية جودة المنتجات وأسعارها، رغم أن قسم الهواتف الذكية في سوني يبدو يلفظ أنفاسه الأخيرة. شاركونا بآرائكم وتعليقاتكم.

0

شاركنا رأيك حول "لم يشفع لها تاريخها العريق.. أسباب فشل سوني في حرب صناعة الهواتف الذكية"