0

على مدار سنوات مضت، حظيت ظاهرة الشبكات الإجتماعية على الإنترنت بالاهتمام وكذلك بالنقد حول أثرها على المجتمع ككل وعلى الأفراد. غير أن أغلب النقد ظهر في التركيز على الجانب السلبي لاستخدام الشبكات الاجتماعية كفيسبوك، من ادعاءات حول هدر للوقت وانعزال عن الواقع، وترويج الشائعات. وهي كلها سلبيات أتفق في أغلبها، وتناولها الكثيرون فيما مضى.

ولكن مقالي اليوم يختلف، فهو يتحدث عن ذلك الوجه الحسن الذي لا أنكره للشبكات الاجتماعية، وفيسبوك هنا نموذجاً منها. وكيف ساهم ذلك الوجه في تشكيل لا فقط الإنترنت، بل قل شخصياتنا. فعلى مدار فترة طويلة من تجربة العزلة المجتمعية لأسباب كثيرة، وصلت في استخدام فيسبوك إلى معدلات عالية، فنالني ما نالني من سلبياته، ولكني لا أنكر ما ساهم في منحه لي.

الأفضل يصل دائماً، كما الأسوأ

thanks facebook 02

لا شك أنه من قبل، قد ساهمت محركات البحث في تشكيل أسلوب استخدام الإنترنت بشكل عام. فالأمر من قبل ذلك أيضاً، أنه يجب عليك أن تعرف إلى أين تذهب قبل الانطلاق. ثم ظهرت محركات البحث. فوفرت عليك الكثير وطلبت منك فقط أن تعرف عن ماذا تبحث، لتكمل هي الطريق وتمنحك أفضل الترشيحات. ولكن ما إن ظهرت الشبكات الاجتماعية وتوسعت بهذا الشكل الضخم، حتى انتقلنا الى طور ثالث متقدم، هو أن تنتظر أن يأتيك الأفضل.

فأنت في البداية تبدأ بتلقين الشبكة الإجتماعية – مع الوقت – بما تحتاجه منك. من بيانات شخصية، وموضوعات تهتم بها، وأشخاص تحب متابعتهم. و من ثم ما عليك إلا أن تتصفح آخر المنشورات. وهنا يحدث السحر، ستكتشف كل لحظة فيديو جديد يتحدث عنه الجميع، ومنشور آخر كوميدي، وصورة يهتم بها أمثالك من متابعين موضوع ما. لن تكتب كلمات و تنتظر النتيجة. فقط عليك أن تنتظر ليصلك الجديد و الشائع حول العالم. فـالأفكار هنا تنتشر كما النار بالهشيم، فقط على أحد أن يعبر عن إعجابه بها، ومن ثم تنتقل في حلقة لا تنتهي من الوصول لللآخرين.

المميز هنا، أنه يصلك دوماً صاحب الأعلى ترشيحاً من الموضوعات، سواء أكان حسن أم سئ. و لكننا هنا لنتكلم عن الجانب الإيجابي للشبكات الإجتماعية. فمن بين كل محاضرات TED، كيف كان سيصلك الأجمل منها دوماً ؟! ومن بين كل تلك تجارب برامج الفيديو الشبابية “من المنزل”، كيف كان سيصلك الأكثر حرفية وإبداع ؟!. ومن بين كل الحوادث الاجتماعية حولك، كيف كان سيصلك الأكثر نقاشاً ؟!. ومن بين كل الأخبار العالمية في أقاصي البلاد، كيف كان سيصلك الأكثر جدلاً ؟!. أنه سحر “المشاركة/الإعجاب/التعليق” الذي لا يسمح فقط للخبر أن ينتشر أكثر، بل ويحصل على تقييمه من الجمهور.

أصدقاء أكثر

thanks facebook 03

على عكس ما يردده الكثيرون عن كون الشبكات الإجتماعية تفصل الشخص عن الواقع، فتجعله صاحب الألف صديق افتراضي، ولا يملك واحد حقيقي. فأنا لدي وجهة نظر أخرى لتلك الظاهرة التي أعترف بوجودها. فبالنسبة لأولئك المنعزلين، حتى ولو لم يتوافر فيسبوك، فهم في الأساس لا يجيدون صنع صداقات حقيقية كفاية.

فالأمر الذي خلصت إليه بعد استخدامي فيسبوك، أن صداقاتي تضاعفت بشكل كبير. وعن كونها صداقات افتراضية، فالأمر يتطلب منك خطوة إضافية بسيطة، عبر مكالمة هاتفية أو لقاء قصير مع ذلك الصديق الافتراضي، حتى يتحول إلى حقيقي بالكامل كذلك الذي كنا نحصل عليه قبل فيسبوك. صداقات كثر كونتها خلال أعوام مضت، وأكثرها ناجح. سواء أكان صداقة افتراضية من فيسبوك فتحولت لحقيقية بالكامل، أو أشخاص التقيت بهم في لقاء Event عرفت به من خلال فيسبوك.

أمر آخر أحببته في فيسبوك، أنه منحني التعرف إلى كل الثقافات. فأصبح لي صداقات من كل أنحاء وطني، ومن دول مختلفة عربية وأجنبيه. أصدقاء يتذكرونني في المناسبات، وأعرف عنهم كل جديدهم وأراسلهم في كل أمر يخصهم. أصبحت حين أتحدث -مثلاً -عن أهل بلد ما، فأنا أعرف عنها من صداقاتي هناك، بل وأناقش البعض بالأمر الشاغل المجتمع هناك وردود الأفعال المختلفة في بلد يبعد عني آلاف الكيلومترات. و كل ذلك من منشورات أصدقائي هناك. وليس كأجيال سبقتني، كانت لا تعرف عن الثقافات إلا ما يصلها سماعياً وأغلبه من غير لسان أهل البلد أنفسهم ومحرف. وكانت لا تتاح لهم فرصة التعرف إلى كل أهل بلد إلا بزيارتها، وهو الأمر الصعب والذي صار يحققه لي فيسبوك بكل سهولة.

أمر آخر احببت بحق أن أشكر فيسبوك بشأنه في أمر الصداقات أو العلاقات، هو أنه لا يترك لك فرصة “للعلاقات المبتورة”. فكم من مرة قابلت شخصاً في مناسبة ما عابرة. تعارف بسيط، ثم يفترق كل منكم ولا يتذكر أحد الآخر. بل كم من أصحاب في الدراسة وأنت صغيراً، أو أصحاب عمل رحلت عنهم. كل أولئك كان يربطك بهم المكان، وما أن رحلتم، حتى انقطعت الأخبار.

لذلك كان فيسبوك حلاً جعلني لا أنسى كل هؤلاء. فأصبح لا داعي لأن أحاول السؤال عنهم كل وقت، فأخبارهم تصلني دائماً عبر صفحتي. عن هذا الذي رُزق بمولود، والذي خسر أحد أقربائه، والذي ترقى في وظيفة جديدة. كل الأخبار عنهم ستأتيك، وستعلق عليها وتشاطرهم أحزانهم وأفراحهم. وتصبح دائماً هناك خيوط -ولو رفيعة-موجودة في صلتك بهم، تستطع أن تقويها متى أردت، بدل أن تنقطع بالكامل كما كان يحدث من قبل. فتصير دائماً في تواصل مع أصدقاء الجامعة الذين لم ترهم منذ عشرة سنوات، ولكن لا تزال تعلم كل جديد عنهم.

الفرصة قد تأتي كثيراً

thanks facebook 04

مما أدين به للشبكات الاجتماعية، هو أنها أعطتني مساحات لحصد الفرص بشكل لم أكن لأصل إليه من قبل، ولم تعد الفرصة تأتي مرة واحدة بالعمر، بل أصبحت تأتي مراراً. فأنت هنا في أرض العلاقات السهلة، حيث يمكنك أن تتابع الجديد والمميز في مجالك الوظيفي أو إهتماماتك بكل سهولة. و من قبل كان لا بد لك من شبكة علاقات صعبة لتنال كل ذلك.و يمكنني أن أحصد فرص اللقاءات Events التي قديماً كنت أجد صعوبة في الوصول إليها. ليصبح فيسبوك بالفعل، جسر لأنتقل بقوة إلى العالم الحقيقي، وألتق بأناس مميزين لم أكن أعلم عنهم.

بل ماذا عن منصة الأفكار، هل تستهن بها ؟!، آخر ما كان لك قديماً أن تشارك أفكارك بين عدد محدود من الأفراد. ثم توسع الأمر إلى أصدقائك في ذلك المنتدى و المهتمين بمتابعتك. أما الآن، فالعالم كله ينتظر المميز منك. وبين الحين والآخر نجد من نال فرصة برنامج إعلامي، أو أستطاع ان يتواصل مع دار نشر، او ينشئ شركته الأولى، وأن يتواصل مع صناع القرار. والسبب أن أفكاره الآن أصبحت ببساطة، تصل إلى الجميع بقدر ما هي مميزة ومتجددة. حتى أنا، اهتديت إلى الكتابة هنا، فقط عبر فيسبوك. و أغلب عملي أحصل عليه من تلك الشبكات الإجتماعية.

بل وحتى فرص كالتطوع وعمل الخير، وجدت سبيلها بامتياز في الشبكات الإجتماعية. فكم من فكرة خيرية نجحت في الوصول لأعداد ضخمة، وكم من حالات إنسانية وجدت السبيل بعد أن وصلت إلى الساحات الاجتماعية، بل ومنها من قفز إلى ساحات الفضائيات، وبل إلى مراكز صنع القرار في الدولة. كلها فرص كانت من قبل لتموت لو لم تجد كارت التوصية المناسب أو ينالها الحظ لتقع بين يدي المسئول مباشرة. و لكنها الآن تستطيع أن تحظى بجمهورها بكل سهولة.

كلمة أخيرة

أولئك الذين يضيعون أوقاتهم هدراً على فيسبوك، أو يمارسون الحقارة وما إلى ذلك من العادات. لم يكن فيسبوك هو سببهم لفعل ذلك، بل فقط وسيلتهم. فهـم من لو حرمتهم من الشبكات الاجتماعية، سيستمرون في إضاعة أوقاتهم أو الإساءة لمن حولهم بطريقة أخرى.

تبقى الشبكات الاجتماعية أداة عامة، وواحدة من أخطر أدوات التحول المجتمعي. وتلك لا أرى أن اللوم يقع عليها، على قدر مستخدميها. فلا تخسر الفرصة في استخدامها بشكل جيد، ولا تحرم نفسك منها، وتلق كل اللوم عليها. و أنت الذي لم تستطع مجاراتها ونيل الأفضل منها. وتبق في النهاية الشبكات الاجتماعية، كما وسائل أخرى كثيرة، لها ما لها، وعليها ما يعرفه الجميع. فلا تتوقف، وأذهب وانتق من تتابع، واحصد المميز من الأفكار، واضحك بصوت عالي على ذلك الكم من النكات والصور المضحكة، وشارك كل ما تظن وما ببالك. وحتى حين ينالك بعض من اليأس أو الألم، ستجد من يواسيك مباشرة أو حتى عبر منشورات عامة كتبها أشخاص لهم تجربة سابقة. أو حتى من يقدم لك فرصة جديدة.

ولو كنت اهتديت إلى هذا المقال من خلال شبكة اجتماعية، فهذا سبب أدعى يجعلك تثق بكلماتي، وتعيد نشر المقال.

0

شاركنا رأيك حول "شكراً أيها الفيسبوك… انت لست شرير لهذه الدرجة"