من الممكن أن يكون المقال التالي نوعًا من الضربات الموجعة للمصورين وهاوي التصوير مثلي ومثلك في حال كنت من محبي هذه الهواية، وأشرت إلى هذه الشريحة من المستخدمين لكوني أعلم بالضبط ما نبحث عنه، ففي حال لم يكن لديك الإمكانية لشراء إحدى كاميرات كانون أو سوني الفاخرة مع مجموعة العدسات فسترضي نفسك بهاتف ذكي بكاميرا عالية الأداء لتلتقط ما تحب، فماذا لو كنت ترغب بالتقاط صورة مميزة للقمر؟ 

طرحت العديد من الشركات هواتف بكاميرات تُرفع لها القبعات من ناحية الأداء وجودة الصور الملتقطة، وسامسونج ليست استثناءً، فلا تتوقف عن إبهارنا في كل مرة تطور بها عتاد الكاميرات الخاص بهواتفها. إلى هنا ستبدأ تفكر، أين الضربة الموجعة بالضبط؟ حسنًا الضربة الموجعة هي أنه من الممكن أن تكون صور القمر الملتقطة بواسطة الهواتف وتحديدًا S21 ألترا مزيفة! 

كيف ذلك؟ وهل يعقل أن تكون كل الإعلانات والفيديوهات التي تشوقنا سامسونج بها خدعة؟ هل فعلًا الصور التي نتفاخر بها مزيفة؟ بل وأكثر من ذلك، هل جميع الشركات تقوم بالأمر نفسه؟ وبالتالي هل نعيش في عالم من الخداع؟

كل هذه الأسئلة ستتبادر لذهنك، والفكرة هي أنه هناك نوع من التزييف الحاصل في صور الهواتف الذكية وخصوصًا صور القمر سواء كانت كاميرا سامسونج S21 أو هواوي P30. 

بداية الحكاية، كيف لُوحظ تزييف سامسونج لصور القمر الملتقطة بهواتف S21 ألترا؟

شك أحد المستخدمين (ريموند وونغ من موقع InputMag) في حقيقة تلك الصور المٌلتقطة للقمر بواسطة هاتفه S21 ألترا، فقرر أن يقوم بنفسه بالتحقيق حول ذلك، فبدأ بمناقشة خبراء التصوير؛ لمقارنة صور القمر الملتقطة بواسطة هاتف سامسونج مع صور القمر الملتقطة بكاميرات تصوير احترافية، وأذكر من هؤلاء الخبراء مايكل فيشر، وداني وينجت، وديف لي، بالإضافة إلى كل من ماكس وينباخ وبريان تونج. اقترح لي أن الصور قد تكون مزيفةً أو على الأقل محسنّة ولكن بشكل غير واقعي، بمعنى أنها محسّنة بشكل مبالغ به واعتبر أنها لو كانت مزيفة بشكل كامل فإن ما قامت به سامسونج يفوق ما قامت به هواوي بمراحل!

أما ما قام به فيشر هو محاولة لخداع الهاتف من خلال وضع كرة غولف مع خلفية سوداء لتحديد فيما سيعتبرها الهاتف صورة للقمر وبالتالي سيضيف تفاصيل مشابهة (Textures) لتفاصيل القمر للصورة، وبالآلية نفسها وضع وونغ فصًا من الثوم حرفيًا وقام بالتقاط صورة بتقريب 100×، ولكن لم يتعرّف الهاتف في كلتا الحالتين على الصور بأنها صورة للقمر، وبالتالي لم يضف التفاصيل التي تحدثت عنها (ولو قام بذلك لكنت أصبت بالذهول فلن أستوعب أنه بفص من الثوم وخلفية سوداء تستطيع أن تفتخر بصورة رائعة للقمر!).

بحث وينباخ بشكل مفصل في تطبيق الكاميرا الخاص بالهاتف ليرى فيما إذا كان هناك إضافة للتفاصيل التي تحدثت عنها أم لا، ولكن لم يصل لذلك وبالتالي يمكن القول إنه لا يوجد إضافة تفاصيل وإنما يقوم بها الذكاء الاصطناعي لتحسين الصور بدرجة ما. 

لا يمكن تصديق أن تلك الصور الملتقطة بالهاتف حقيقية، فقد تفوقت على كاميرا بثلاثة أضعاف سعره!

فإذًا وبعد الآراء المتضاربة، لجأ وونغ إلى المقارنة لمعرفة ما يحدث فعلًا، من خلال مقارنة صور S21 ألترا مع صور كاميرا بعدسات ذات معدل تقريب عال، والتقط صورة للقمر بواسطة كاميرا Sony A7R III مع عدسة بأبعاد 200/600mm -مع العلم أنه لا تضم طبقة عاكسة للضوء الداخل للعدسة بشكل مباشر إلى الحساس- والتقط صورة أخرى بواسطة هاتف S21 ألترا، وكما نرى في الصورتين أدناه أن صور الهاتف أفضل بكثير من الكاميرا، وهذا ما لاحظه وونغ أيضًا وحتى بعد تحسين الصورة من الكاميرا وتعديلها بواسطة Adobe Lightroom بقيت صورة الهاتف أفضل!

وضعنا في الصورة التالية مقارنة بين شكل القمر في كاميرا سوني الاحترافية (على اليمين) وشكله في هاتف جالكسي S21 ألترا (على اليسار).

مقارنة صورة القمر بين كاميرا سوني - على اليمين - وهاتف سامسونج - على اليسار

وبالتالي وصل وونغ لجواب سؤاله، وتبين أن هاتف سامسونج لا يقوم بتزييف الصور بشكل كامل بالمعنى الحرفي للكلمة -ولو كان يقوم بذلك لانطلت عليه خدعة فص الثوم- وإنما كل ما يقوم به هو تحسينات وتعديلات ومعالجة للصور المٌلتقطة بواسطة الذكاء الاصطناعي، ناهيك عن كون صور القمر الملتقطة بواسطة الهاتف أفضل بكثير من صور القمر الملتقطة بواسطة كاميرا سوني والتي تكلف ثلاثة أضعاف ثمن الجهاز، وبينت المراجعات أيضًا قدرة الهاتف على التقاط صور مذهلة للقمر سواء في النهار أو في الليل. 

كيف يتم استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين صور القمر في هواتف سامسونج

بعد أن وصلنا للجواب النهائي وتأكدنا أن سامسونج لا تزيف الصور وإنما كل ما في الأمر هو استخدامها للذكاء الاصطناعي، دعني أوضح لك بالتفصيل ما تقوم به سامسونج. 

أخفت الشركة الكورية ذلك ولم تفصح عنه بشكل مباشر وبتدقيق بسيط في التقنيات التي تستخدمها ستجد أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مسؤولة عن توليد صور فائقة الدقة "Super Resolution Image" بحيث تكون هذه الصور حادة أكثر مما تراه العين المجردة عند معدل تقريب 10x إلى 100x، فعندما تقوم بالتقاط صورة ستبدأ الكاميرا بالتقاط 20 إطار أو بمعنى آخر 20 لقطة دفعة واحدة وتعالجها بسرعة هائلة.

ومن هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي وهو معالجة البيانات من هذه الأطارات ومن ثم تصحيح الأخطاء في الصورة وتصحيح أدق التفاصيل بها ليولد لك في النهاية صورة عالية أو "فائقة" الدقة بتفاصيل كاملة، وإضافة لذلك عندما يتم تفعيل خاصية "قفل الزوم - Zoom lock" ستٌثبّت الكاميرا تلقائيًا الصورة في مكان يتأثر بشكل قليل جدًا باهتزاز الجهاز.

ولا يمكن اتهام سامسونج أو أي شركة أخرى بالتزييف لمجرد استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين الصور الملتقطة فمن دون هذه التقنيات لن تكون كاميرات الهواتف قادرة على التقاط صور بحرفية الكاميرات الاحترافية، وبالتالي الصورة المزيفة بشكل كامل تعني حرفيًا إضافة صورة أخرى تمامًا وإقناعك أنها ناتجة عن كاميرا الهاتف أما ما يحصل هنا هو معالجة وتحسين على الصورة الملتقطة فقط وذلك بسبب محدودية مكونات كاميرات الهواتف. 

يمكنك تجربة الأمر بنفسك

وفي حال امتلاكك لهاتف سامسونج جالكسي S21 ألترا، يمكنك تجربة ذلك بنفسك، فتبعًا لسامسونج، يجب عليك أن تفعل Scene Optimizer لتحصل على صور مذهلة للقمر، فعندما لا تفعله فإن كل ما تحصل عليه هو صورة لبقعة بيضاء على شكل كرة كما هو مبين في الصورة التالية.

محاولة لتصوير القمر دون تفعيل خاصية Scene optimizer في هاتف سامسونج جالكسي S21 ألترا

والسبب في ذلك هو أنه من دون خاصية Scene Optimizer لن تستطيع الكاميرا التعرف على القمر في المشهد وبالتالي لن تتمكن خوارزميات الذكاء الاصطناعي من تعديل إعدادات الكاميرا لتلائم صور القمر، وبالتالي يمكن تخمين أن ما تقوم به البرمجيات هنا هو مجرد تحديد نمط خاص بصور القمر بإعدادات لسرعة الغالق، والتعرض للضوء، والـ ISO وغيرها من الإعدادات التي تساعدك في الحصول على صورة واضحة للقمر. 

ماذا عن إضافة تفاصيل القمر (Textures)؟

يقودنا ذلك إلى آخر جدل حاصل وهو إضافة تلك التفاصيل الخاصة بمجسم القمر، وتبعًا لسامسونج فإنها لا تقوم بذلك ودعمت إجابتها بتوضيح أنه مع إضافة التفاصيل سيحدث تضارب فمثلًا ستتم إضافة تفاصيل خاصة بالقمر لأي شيء يشبه القمر، ويمكن توضيح العملية الحاصلة ببساطة بثلاث خطوات رئيسية. 

الأولى هي التعرّف وتحدث هذه العملية قبل التقاط الصورة حيث يتم التعرّف على ما يتم التقاطه في المشهد وفي حالتنا، القمر، ويتم ذلك باستخدام نموذج ذكاء اصطناعي مدرّب على آلاف الصور ليتمكن من القيام بعملية التعرّف.

وبعد أن يتم التعرّف تحدث عملية المعالجة من خلال تقليل الضبابية والضجيج في المشهد، أما في حالة التقريب في ظروف الإضاءة الضعيفة تعمل خوارزميات الصور فائقة الدقة من خلال التقاط عدة إطارات مرة واحدة ومن ثم تختار إطارًا مرجعيًا.

ومن ثم تحدث عملية معالجة متعددة الإطارات يتم فيها تصحيح الأخطاء وتحسين جودة الصورة لتحصل في النهاية على صورة كاملة وواضحة للقمر، ولا يمكن أن يحدث أي مما سبق لو كان Scene Optimizer معطلًا. 

تصوير القمر في هواتف سامسونج

الخلاصة.. لا حرج من بعض التحسينات ولكن فلنتوقف عن الخدع التسويقية!

لا يمكن لوم سامسونج على استخدام الذكاء الإصطناعي "لتحسين" الصور المُلتقطة للقمر دون تزييفها تمامًا، فالأمر طبيعي ولا بد منه؛ نظرًا للإمكانيات المحدودة لكاميرات الهواتف الذكية مهما وصل تطورها، ومع ذلك فكان يجب على الشركة الكورية توضيح آلية إلتقاط تلك الصور للمستخدمين بدلًا من استخدامها كخدعة تسويقية للترويج لهواتفها الرائدة، وبما أن الموضوع يعتمد على الذكاء الإصطناعي بشكل أساسي فما الداعي من جعله حصريًا فقط للهواتف الرائدة؟ طبعًا قد يكون الزوم الرهيب الذي يأتي به هاتف جالكسي S21 ألترا ضروريًا للإقتراب من القمر، ولكن يمكن تقديم نتائج مشابهة إذا تم تعميم الذكاء الإصطناعي في جميع الأجهزة الأخرى، وهو ما نتمنى أن تقوم به سامسونج وتتوقف عن احتكار التطور البرمجي للهواتف الرائدة.