أفغانستان: كيف صارت بلد الألف شاعر مقبرةً للسلام

أفغانستان
أميرة قاسيمي
أميرة قاسيمي

6 د

في بداية الفصل الأول من رواية “ألف شمس مشرقة“، يحكي لنا خالد الحسيني عن الرجل الأفغاني “جليل” الذي كان لا يتوقّف عن محادثة ابنته الصغيرة “مريم” وهي جالسة في حجره، وكان يستمتع بوصف مدينة “هِرات” التي وُلدت فيها؛ قائلًا بأنها كانت مهد الحضارة الفارسية، وموطن الكتّاب والرسامين والمتصوّفين، ثم ضحك وأضاف:


لم يكن بإمكانك مَدّ ساقكِ دون أن تركلي شاعرًا على قفاه.

بعد قراءة هذه الجملة، استعاد ذهني آخر أخبار أفغانستان وصُور بعض مواطنيها.. لم يكن في الصور التي شاهدتها سوى الخوف، فأين ذهب الشعراء يا تُرى؟

أطفال من أفغانستان

أطفال من أفغانستان

نظرة عامة

ذو صلة

لم تتشكّل حدود دولة أفغانستان كما نعرفها اليوم إلاّ في القرن التاسع عشر -وتحديدًا سنة 1880- جرّاء الحرب مع بريطانيا، كما اكتسبت في تلك الفترة اسمها الحالي الذي يعني “أرض الأفغان”، والأفغان هو التسمية التي أُطلِقت طوال قرون طويلة على قبائل البشتون التي تعتبر الأهم عددًا والأقوى حضورًا في البلد.

رغم أن معظم أرض أفغانستان قاحلة وجبلية وعرة، إلاّ أنها تملك ميزة أساسية تتمثّل في مكانها الاستراتيجي الذي يتوسّط قارة آسيا ويشكّل طريق عبور تاريخي للقوافل التجارية والمسافرين المتوجّهين من شرق القارة إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، كما كان طريق الحرير القديم يمرّ عبرها باتجاه منطقة البحر الأبيض المتوسط.. ولهذا السبب، فقد شهدت حروبًا متعاقبة وصراعات متوالية منذ القرون الغابرة؛ بدءًا بالإسكندر الأكبر المقدوني قبل الميلاد، مرورًا بالفتوحات الإسلامية والغزو المغولي، ثم حروب بريطانيا والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية.

وقد أثّرت النزاعات المتتالية التي عرفتها المنطقة على ازدهار أفغانستان -التي كانت تسمى بخراسان قديمًا- ونأخذ مثالاً على ذلك ما ذكره ياقوت الحموي في معجم البلدان عند حديثه عن مدينة هِرات، فقال:


هرات: مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان. مدينة لا أجل ولا أعظم ولا أفخم ولا أحسن ولا أكثر أهلاً منها، فيها بساتين كثيرة، ومياه وفيرة، وخيرات كثيرة، محشوة بالعلماء ومملوءة بأهل الفضل والثراء، وقد أصابتها عين الزمان، ونكبتها طوارق الحدثان، وجاءها الكفار من التتار، فخربوها حتى أدخلوها في خبر كان فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.


أيّام العِز

دخل المغول إذن بقيادة زعيمهم الأسطوري جنكيز خان مدينة هرات سنة 1221 فعاثوا فيها فسادًا كما وصف الحموي، لكن لم يطل حكمهم في المنطقة وخلفتهم عليها سلالة الكَرت التي أعادت بناء المدينة وجعلتها مكانًا يصدح بالحياة ويعبق بالفنّ، ثم قَدِم إليها التيموريّون وجعلوها عاصمةً لهم -بعد أن كانت سمرقند هي العاصمة التيمورية- فصارت مدينة هرات مركزًا حضاريًا ومقصدًا ثقافيًا.


المسجد الجامع في هرات

المسجد الجامع في هرات

وتسمّى فترة حكم السلالة التيمورية بـ”عصر النهضة التيموري” لأنها تميّزت بانتعاش الفنون وإحياء العلوم وازدهار الثقافة نتيجةَ عنايةِ الأسرة الحاكمة بالآداب والعمران والمعارف، فانتعشت الحركة الثقافية وازدهرت التجارة في أرجاء الإمبراطورية، وأسرع المفكّرون وأهل الفنّ والشعراء والأدباء والعلماء إلى الاستقرار في العاصمة هِرات التي سُمّيت في تلك الفترة بـ”جوهرة خراسان”، فأُسِّس فيها المسجد الجامع الذي يعدّ من أبدع ما عرفته العمارة السلجوقية، وبلغت مدرسة الرسم في هرات غاية الإجادة والإتقان في فن المتمنمات والمخطوطات حتّى تفوّقت على ما كان يُصنع في بلاد فارس.

مُنمنمة بعنوان "إغواء يوسف" للرّسام الهِراتي كمال الدين بهزاد

مُنمنمة بعنوان “إغواء يوسف” للرّسام الهِراتي كمال الدين بهزاد
مُنمنمة بعنوان “إغواء يوسف” للرّسام الهِراتي كمال الدين بهزاد

بلد الألف شاعر

أمّا تاريخ الشعر في أفغانستان فعمره أكثر من ألف سنة؛ تميّز بمرور حكّام وسلاطين أحبّوا الأدب واعتنوا بالشعر وأظهروا رعاية خاصة بالفنون، مثل السلطان محمود الغزنوي حاكم الدولة الغزنوية الذي يُقال إنه آوى في قصره أكثر من 700 شاعر (وهو الذي طلب من أبي القاسم الفردوسي تصنيف قصيدة الشاهنامة الملحمية التاريخية)، والشاه رخ وزوجته جوهر شاد، والسلطان حسن بايقرا من السلالة التيمورية الذين قرّبوا إليهم الشعراء وساهموا في إحياء نهضة ثقافية جادّة داخل حدود إمبراطوريتهم.

لوحة تخيّلية لمولانا جلال الدين الرومي

لوحة تخيّلية لمولانا جلال الدين الرومي “البلخي”
لوحة تخيّلية لمولانا جلال الدين الرومي “البلخي”

والعارف بأنّ مولانا الشاعر الصوفي “جلال الدين الرومي” أفغانيٌ من مدينة بلخ، لن يستغرب من وجود علاقة قويّة بين الشعب الأفغاني والشِعر عمومًا والقصائد الصوفية على وجه الخصوص، فرغم ما يُعرف به رجال هذه القبائل من خشونة وصلابة -وهي صفات بعيدة كل البعد عما تشتهر به روح الشعراء من رهافة الإحساس وعذوبة الكلمات- إلاّ أن كيان هذا الشعب برجاله ونسائه امتزج بالكلام المقفّى، فالرّضيع عندهم ينام على وقع تهويدات شعرية تغنّيها الأمهات، والرجال يؤيّدون أفكارهم أثناء النقاش بأبيات الشعر، وزعماء القبائل يجدون في استضافة الشعراء شرفًا لا مثيل له، وربما لم تُجمع القبائل الأفغانية -التي تختلف بلغاتها وعاداتها وإثنياتها- على شيء قدر إجماعها على قيمة الشِعر.


السنوات السُود

القرون الموالية للحكم التيموري تميّزت بعودة الصراعات الداخلية والخارجية، ممّا أثّر سلبًا على ازدهار المنطقة، لكن فترة التقهقر الحقيقي بدأت مع التدخل السوفيتي في أفغانستان في نهاية سنة 1979، التي انتهى معها السلام في المنطقة..

قاتل المجاهدون الأفغان بدعمٍ من أمريكا قوّات السوفييت، وألحقوا بهم الكثير من الهزائم حتى اضطرّوا للانسحاب سنة 1989، أي بعد عقدٍ كامل من إلحاق الدمار ونشر رائحة الموت.. لكن الهدوء لم يتمكّن من نصب خيامه على أرض كابول وضواحيها بعد رحيل الأجانب، فقد احتدّ الصراع بين الفصائل الأفغانية في سبيل الفوز بالسلطة، وسُرعان ما اشتعلت نيران حرب أهلية دامية استمرت حتى 1992، ثم استلمت حركة طالبان الحُكم في 1996 لتنتقل البلاد إلى فترة سوداء أخرى تميّزت بالتعصب الديني والوحشية في تطبيق أحكام الشريعة بشكل لا يتماشى مع رسالة الإسلام. وأخيرًا، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على أفغانستان سنة 2001 بعد الهجومات التي شنّها تنظيم القاعدة على البُرجين في منهاتن، وجاء انتقام أمريكا من أفغانستان تحديدًا لأن حركة طالبان رفضت طرد قادة تنظيم القاعدة من أراضيها وتسليمهم للسلطات الأمريكية.

تحدّث الشاعر الأفغاني غلام حيدر الحيدري وجودي في حوار له مع صحفية من شبكة الجزيرة الإعلامية عن أثر هذه الفترة على حياة الأدباء الأفغان، ولخّص الوضع الذي يمكن إسقاطه على أطياف كثيرة أخرى من المجتمع، قائلاً:


سنوات الحرب الأربعون أثّرت كثيرًا على الشؤون الثقافية.. قبل الحرب، كان لدينا جمعية كبيرة للكتّاب، أعضاؤها جاؤوا من كل أرجاء الوطن، وكان بينهم شعراء وشاعرات. للأسف، غادر أفغانستان الكثيرُ من الكتّاب أثناء الحرب، وآخرون كُثُر قُتِلوا، وعندما استلمت حركة طالبان الحكم في بداية التسعينات، النساء اللواتي كنّ ينشطن في مجال الشِعر أُرغِمن على البقاء في البيت.

وأضاف أنّ الشعراء كانوا يلتقون في أقبية تحت المنازل للاجتماع في جلساتهم الثقافية وإقامة ندواتهم الشعرية أثناء الحرب مع الاتّحاد السوفيتي.. أي أنّ هناك سعيًا دائمًا لمقاومة السواد الحالك ولو من داخل قبو مظلم.. سعيٌ بدأ قبل أربعين عامًا وما زال مستمرّا حتى يُشقّ الطريق نحو الغد المشرق..

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة