فيلم 15 هو فيلم قصير للمخرج سامح علاء الذي فاز هذا العام بجائزة السعفة الذهبية عن فيلمه 16 كأفضل فيلم روائي قصير بمهرجان كان السينمائي الدولي، أما عن 15 فهو فيلم تدور أحداثه في حوالي 10 دقائق، حول صبي يبلغ من العمر قرابة 15 عامًا ، يرصد الفيلم حكايته مع شقيقه الطفل الرضيع بعد أن يتعرض والدهما لحادث يتسبب في موت الأب، وتدهور حالة الأم داخل العناية المركزة.

اللغة السينمائية لفيلم 15

تبدأ اللقطة الأولى بتحريك الصبي لزجاجة اللبن الخاصة بالرضيع، ثم تتحرك الكاميرا من أعلى لأسفل حتى تصل للرضيع ترصد حاله مُلقى على الأرض، وتعد تلك اللقطات هي اللقطات التأسيسية التي تعرّف المُشاهد بعلاقة الشخصيات ببعضها بعضًا ووضع كل منها يصاحب ذلك في شريط الصوت وتزامنًا مع تلك اللقطة صوت المروحة المُسلطة على الطفل ثم صوت بكاء الطفل، وفي نفس الوقت يخرج الصبي من الكادر ويحتل الطفل الكادر بأكمله، ليكون المخرج بذلك المشهد الذي لا يتعدى زمنه الدقيقة، وضّح مدى إهمال الصبي للطفل، وعدم الاهتمام به على الإطلاق.

ومع القطع والانتقال لفضاء جديد يقف الصبي في الشرفة يتجه بنظره حول آخر الشارع ضيق المساحة، يظهر الصبي في تكوين ضئيل مقارنة بارتفاع المباني العالية وضيق مساحة الشارع، ليأتي الصبي في هذه اللقطة من ظهره ويستمر ظهره يحتل الكادر فترة طويلة حتى انتهاء المشهد، دليل على عدم الانتباه والتركيز في أمور أخرى لم تهتم الكاميرا برصدها، حتى الآن كل ما يهم هو التركيز على حالة الإهمال من الصبي للطفل.

ومع مجيء مشهد جديد بفضاء جديد ألا وهو الشارع يعبر الصبي وهو يحمل شقيقه الرضيع الشارع ليتجه نحو صديقه سائق الموتوسيكل، لم يظهر الصبي بوجهه ويستمر ظهره في احتلال الكادر، حتى بعد أن أصبحت اللقطة long Shot لتوضح مساحة الشارع وضآلة ذلك الصبي المُشكل لتكوين صغير مقارنة بفضاء الشارع المتسع وبعد ركوبه الدراجة النارية مع صديقه يستمر الوجه في عدم الظهور الكامل.

أثناء سيره في الشارع ترصده الكاميرا بلقطة عامة وتعرف لقطة ال Long Shot حسب ما ورد في كتاب "الشامل في تعليم التصوير والإخراج السينمائي"، بأنها: "هي اللقطة التي يظهر فيها حجم الشيء المصور صغيرًا بالنسبة لمساحة الكادر ككل وأحيانًا يتم تسمية اللقطة العامة باللقطة التأسيسية Establishing shot لأنها ستعمل في استعراض الديكور ولتحديد أماكن الشخصيات التي يتم تصويرها فيها، ولأن الشيء المصور في اللقطة العامة يظهر صغيرًا في الحجم يمكن أن يستعمل أيضًا في صرف انتباه المتفرج عن هذا الشيء بل إنه يصبح مثاليًا في توصيل الإحساس بعزلة الشخصية التي يتم تصويرها".

ويعقب اللقطة العامة تتبُّع من الكاميرا له هو وصديقه من الجانب، فهو لم يظهر بوضوح كامل حتى هذه اللحظة لأن الموقف ذاته لم يتضح بعد، ويستمر شريط الصوت يحتوي على مؤثرات صوتية فقط دون أي موسيقى تصويرية، صوت الشارع، الدراجة، بكاء الطفل.

اقرأ أيضًا: فيلم King Richard.. دراما عائلية ملهمة عن الحلم والإرادة والأبوة

بداية التعرف الحقيقية على الشخصية بزوايا الكاميرا

بالانتقال إلى فضاء جديد عن طريق القطع المباشر تظهر الشخصيات الثلاث في المستشفى، وللمرة الأولى يأتي وجه الصبي بشكل صريح من زاوية كاميرا مواجهة، "حيث تمثل الزاوية المواجهة أو الFull Front Face كما ورد في المرجع نفسه، هو خلق إحساس بالحميمية إذا واجه وجه الممثل العدسة مباشرة".

ومن ثم يذكر اسمه "عبدالرازق محمد"، أي تبدأ هويته الحقيقة تظهر كوجه كامل وكاسم، بعد أن علم المتلقي الحالة والتفاصيل بدأت تُفصح عن ذاتها، بأن هناك مشكلة يعاني منها ذلك الصبي نتيجة وجود والديه بالمستشفى، ثم يأتي مشهد تلقي عبدالرازق خبر وفاة والده ودخول الوالدة العناية المركزة، لم يهتم المخرج بظهور وجه الدكتور الذي يبلغ عبدالرازق بهذه الأنباء المؤسفة، حيث يظهر الدكتور كصوت فقط في شريط الصوت، بينما في لقطة قريبة ترصد الكاميرا أثر تلقي الخبر/ أي رد الفعل الخاص بعبد الرازق، حيث تُعرف اللقطة القريبة كما جاء في نفس المرجع بأنها: "هي الحجم العكسي تمامًا للقطة العامة حيث يظهر الشيء المصور كبيرًا بالنسبة لمساحة الكادر ككل، ولذا فهي عادة ما تستعمل للتأكيد على هذا الشيء المصور، وتعد اللقطة القريبة من أقوى الأدوات في يد المخرج إذا استخدمها في موضعها السليم بما يتناسب مع طبيعة المشهد".

ومن جديد يأتي بعد القطع المباشر ظهره ليحتل الكادر في فضاء واسع وهو فضاء المستشفى، ليعطي نفس الدلالة السابقة، ألا وهي ضآلة حجم الصبي في ذلك العالم الواسع بدون والديه، وشعور الوحدة الذي سيطر عليه بعد سماعه الخبر، ولكن هذه المرة يليها مشهد مختلف، فيه ظُلمة حيث موقع التصوير (ليل خارجي)، ينم عن تلك الظلمة التي انتابت ذلك الصبي بعد تلقيه خبر وفاة الأب، وتدهور حالة الأم، ولأول مرة في فيلم 15 تظهر موسيقى تصويرية، حيث تُعرَّف الموسيقى التصويرية بأنها هي المُعادل المسموع للمشهد السينمائي، لذا أتت الموسيقى هنا في هذا المشهد مُكملة لحالة الحزن التي انتابت الصبي إثر تلقيه الخبر.

فكل ما سبق ذلك المشهد كان معتمدًا في أساس شريط صوته على أصوات الممثلين والمؤثرات الصوتية، وغابت عنه الموسيقى تمامًا، واستنادًا إلى ما ذكره "محمد الشريف" في مقاله "عن جماليات شريط الصوت في السينما" المنشور بموقع "عين على السينما في 2017" حيث قال: "فعندما تغيب الموسيقى عن المشهد أو مجموعة من المشاهد، تحاصرنا اللقطة أو اللقطات ( وتحاصر الموقف المصور) وتجبرنا على مواجهة الواقع كما هو دون محسنات، الشيء الذي ينتج عنه توتر، لأن الصمت مقلق ويستفز، ويعري، لهذا فهو لا يُحتمل، ونضطر حتى في الحياة أن نملأه بسماع الموسيقى أو الثرثرة، الصمت يحول زمن العرض السينمائي في لحظة إلى نوع من المواجهة، مواجهة الذات والآخر ويتولد المعنى من هذا اللقاء".

وظهر ذلك الطريق المظلم في إضاءة تعتمد في أساسها على غروب الشمس، ما أضاف إظلامًا على وجه الصبي حيث إنه يمكن لمدير التصوير كما ذكر وليد سيف في كتابه "ما السينما" أنه مُتاح له "إضفاء أضواء وظلال معينة تؤدي إلى إبراز معان دفينة في الشخصية أو بعد رمزي للمشهد"، ويتم ذلك في لقطة عامة جدًا أيضًا ليدلل على أن ما ينتظر ذلك الصبي هو مصير طويل شاق متسع مُظلم، حيث تعرَّف اللقطة العامة جدًا Very Long Shot Vls في كتاب "الشامل في تعليم التصوير والإخراج السينمائي" بأنها "تُستخدم لتوضيح المكان الذي يتم تصويره، ووضع كل ممثل داخل المشهد، ومعرفة مكانة كل منهم، كما يساهم النطاق الواسع في إبراز شكل الجسم والسمات الشخصية والسمات الجغرافية والبيئة المحيطة أيضًا بالشخصيات".

اقرأ أيضًا: فيلم Thor: Love and Thunder.. كريستيان بيل أفضل شرير بتاريخ مارفل!

تطور العلاقة بين الصبي والطفل

تظهر أول لقطة للصبي والطفل بعد ذهابهما للمنزل، تقتصر على يد الصبي وطبق استحمام خاص بالرضيع، ترصد الكاميرا يد الصبي في لقطة متوسطة بينما لا يظهر في تلك اللقطة سوى يد الصبي، وتعرف تلك اللقطات التي تستهدف جزءًا من الكل أي كما ورد في "الشامل" أنها هي اللقطات التي تظهر جزءًا صغيرًا جدًا من الشيء المصور، وقد تصل إلى مجرد عين أو فم أو أنف، فتعزل من الشخص أجزاء لتبرز أجزاء أخرى أكثر أهمية في تلك اللحظة.

ومنها يتضح محاولة الصبي الجادة بالمساعدة عن طريق اليد في تنظيف ذلك الطفل، تم اختيار فعل الاستحمام دون غيره لأنه إشارة للنظافة والاعتناء بأقصى تفاصيل الرضيع، أي أن الصبي أدرك حجم المسؤولية الواقعة عليه وبدأ بالاعتناء بشقيقه، وتعد تلك اللقطة منافيةً تمامًا للّقطة الأولى التي ظهر فيها الطفل مُلقى على الأرض ووقف الصبي فيها في الشرفة وشريط الصوت الذي يصاحب اللقطة بكاء الطفل دون النظر له.

مصير الطفل

عقب مشهد الاستحمام، مشهد أخير ينام فيه الطفل هادئًا دون بكاء ويمسك شقيقه بيده ويجلس معه على نفس الأريكة وينتهي الفيلم، ليؤكد على تبدل حال الصبي ووعيه بالأزمة وإنه على الرغم من صغر سنه إلا أنه استطاع أن يتعامل معها.

كما جاءت تلك اللقطة متوسطة قريبة Medium Close Shot MCs بين الشقيقين، تقتطع فيها الكاميرا وجه الصبي وتركز على يده مرة أخرى وهي تمسك بيد الرضيع، وهي لقطة منافية لجميع اللقطات الواسعة التي سبقت وعبرت عن حالة الوحدة الذي شعر بها الصبي، لتدلل اللقطة المتوسطة ذات البُعد البؤري القريب هذه المرة على عدم الوحدة وأن كلًا منهما أصبح عونًا للآخر، على الرغم من صغر سن الرضيع إلا أن مسؤوليته ستصبح سلوى للصبي تؤنسه، والصبي أيضًا أصبح يمثل للرضيع مصدر الأمان والهدوء، إضافة إلى أن المخرج لم يأتِ بمشاهد بكاء الصبي ولا استعانته بأحد أقاربه لدفن والده، وما إلى ذلك، حيث استغنى المخرج عن كل ما لا يفيد في قضيته التي أراد أن يتطرق إليها والتي تُختصر في سطر واحد (تحمل المسؤولية)، ليستغني عن مشهد الحادثة، ولقطات حديث الدكتور، ولحظات ضعف الصبي،.. هو فقط تتبع أزمة يعاني منها الصبي (الاعتماد على الآخر)، ثم أثر عدم وجود الآخر المتمثل في (الأم، والأب) عليه، ليكون بذلك ثنائية ذات طابع حميمي بين الطفل والصبي، بعد أن بدأها بنفور وعدم اهتمام.