فيلم And Then We Danced
0

يثير المصطلح الشائع (روح الأمة) الكثير من الاستغراب، ليس لِغموضه، إنّما استهجاناً، فَما معنى أن يكون للأمة روح مقدسة يُمنع مساسها! وما مدى مراعاتها لِكينونة الإنسان الفرد!

من وضع معالم وشروط تلك الروح؟ وعلى أي أساس بنى حدودها؟

يبدو واضحاً استفزاز مصطلح روح الأمة للمخرج السويدي من أصول جورجية «ليفان أكين» (1979) ليقدم بِجرأة أحدث أفلامه And Then We Danced «ثمّ رقصنا» (2019، 113د) الذّي ضرب به تلك الروح المزعومة من داخلها، فَأوجعها بِالصميم.

أكثر من فيلم مقتبس عن رواية واحدة أيهم الأفضل؟

ملصق فيلم And Then We Danced

يستند “أكين” في فيلمه على حكاية “ميراب” (أداء: ليفان جيلباخياني) راقص يافع في الفرقة الوطنية الجورجية، وعلاقة الحبّ الطارئة التّي تجمعه مع “إيراكلي” (أداء: باتشي فالشفيلي) الراقص المنضم حديثاً للفرقة.

إذاً هو فيلم عن المثلية الجنسية، وشارك ضمن هذا النعت في العديد من المهرجانات السينمائية بعد عرضه العالمي الأول في قسم أسبوعي المخرجين (Quinzaine des Réalisateurs) بِالدورة 72 من مهرجان cannes السينمائي، لكن تلك الثيمة المكررة جاءت هنا بِحميمية أعمق ومعالجة أدق لها، وفضلاً عن جودتها؛ فِإنها أتت كَمحرك روائي لِغاية مُبطنة تسعى لِتفكيك الأعراف واستجوابها عن جدواها.

وهو ما يجعل الشريط يتفوق عما سبقه من أفلام الثيمة، ويذهب نحو الثورية والانتصار للإنسان، مُحققاً “أكين” تفوقه هذا عبر ميزتين رئيسيتين (سردية وتصويرية).

ميراب في تمارين الرقص في فيلم And Then We Danced

إسقاط عمودي لِتقاليد متطرفة

حسناً فعل “أوكين” بِاختيار (الرقص) معادلاً موضوعياً لِمُساءلة القيود، فَهو صورة مُثلى عن المعنى العكسي لها، ومنه استطاع تكوين عدة صراعات على أكثر من مستوى وفكرة في شريطه.

انطلق منه في تأسيس متين لِشخصياته، وتحليل سيكولوجي لِموضوع المثلية الجنسية في مسبباتها وتصرفاتها.

الرقص يعني التحرر، يعني الانطلاق والتعبير والتجلي وتخفيف الأثقال، إنّه أسلوب فني باحث عن الكمال بِأن يستبدل (شعورياً) النواقص ويملأ الفراغات.

وهو ما جعل شخصيات الفيلم تتوضح وتتكشف مُبكراً من تلقاء نفسها، مما أعطاها المبررات لأفعالها السلوكية، فَالرقص يمدها بالطاقة الداعمة، مما ينعكس على نمط حياتها جموحاً عفوياً.

فيلم صاحب المقام .. جوهر إبراهيم عيسى وأجواء ليست من جلده!

ميراب وإيراكلي فيلم And Then We Danced

أما مبررات عواطفها وغرائزها فَجاءت من البيئة، فَالشخصية الرئيسية “ميراب” ابن لِزوجين مطلقين، يسكن شقة صغيرة بِحي شعبي مع والدته المُهمِلة وجَدّته المُسيطرة وشقيقه الفوضوي، ويعمل نادلاً في مطعم ليعيل نفسه وعائلته، ويجد في الرقص متنفساً لهُ من ضيق معيشته وفقر حاله، كما يجد في شريكته بالتدريبات “ماري” (أداء: آنا جافاكيشفيلي) تعويضاً عاطفياً له عن إهمال العائلة.

أما “إيراكلي” فَهو وافد جديد على البلدة، وحيد لوالديه ومرتبط مع فتاة ينوي خطبتها، شخصية مدللة غالباً، مندفع وحساس، بِه شيء من أنانية الابن الوحيد، ليس مثلياً بالمعنى الدقيق، هو ينتمي لِفئة (ثنائي الميول) التّي تُغَلِب الشهوة الجنسية على العاطفة، والرقص بالنسبة لهُ هواية ممتعة تتناسب مع طبعه ونمط حياته العصري.

يسرد الشريط تفاصيل تطور تلك العلاقة، تبتدأ بِغيرة “ميراب” من الراقص الجديد وخوفه أنّ تطغى براعة الأخير على مكانته ضمن الفرقة، فَقد يسحب منه مكاسب اجتهد سابقاً بِضراوة للحصول عليها.

ثمّ يأخذنا السرد الروائي لتحول العلاقة إلى إعجاب وحبّ وارتباط.. مروراً بِتفاصيل دقيقة تعالج موضوع المثلية من النواحي العاطفية والاجتماعية وما تعانيه من صراع داخلي وخارجي، بين الشخص الواحد ونفسه، وبين الشريكين، وأيضاً ضمن المحيط الاجتماعي.

كتف إلى كتف فيلم And Then We Danced

لكن الميزة السردية في معالجة الموضوع جاءت من اسقاطاته المرتبطة بِالزمان والمكان، نحن في العصر الحالي بِما يتميز من حريات فردية وجمعية، وحقوق مكتسبة أصبحت من المُسلَمات عالمياً، لكن المكان يرفض الزمان، فَالمجتمع الجورجي -كما العديد من المجتمعات- لازال تحت سطوة الأفكار والتقييمات والاصطفاءات التقليدية القديمة، الوعي الجمعي لِأفراده متأثر ومُقيد بِأكبال الدين والأحكام الجاهزة.

يقدم “أوكين” في حكايته إسقاطاً عمودياً لِتلك التقاليد المتطرفة التّي تقمع الحريات الشخصية للفرد في ميوله واختياراته، تُدين وتعاقب من يشذّ عن الخط العريض الفاصل بين الذكورة والأنوثة، وتعتبرها جريمة تستوجب النفي أو القتل أحياناً.

أثناء التمرين فيلم And Then We Danced

الصراع بِسلاح الخصم

يُعتبر الرقص الجورجي جزءاً من (روح الأمة) وهي مكونات التراث الشعبي الخاص بالبلد، يتشارك الرقص مع الموسيقا واللباس والأغاني واللغة وغيرها من العناصر في تشكيل تلك الروح.

لعبة “أوكين” في شريطه هي صراعه مع تلك الروح بِأدوات عناصرها، صراع دخلي بِسلاح الخصم.

لم يكن صراعه سردياً فقط، بَل ميزة فيلمه أيضاً هو ذلك الصراع التصويري بِاشتغاله وتوظيفه لِتلك العناصر، فَهو لم يقدم إدانة مباشرة لِلعقلية المسيطرة في المجتمع، بل تعهد للصورة والحكاية الحيادية أن تتولى مهمة الاستهزاء بِروح الأمة.

ميراب وماري فيلم And Then We Danced

الموسيقا التصويرية المستوحاة من الفلكلور الجورجي هي المثال الأوضح على هذا الاشتغال في لعبته، موسيقا مبهجة للسمع من إعداد (زفيد مجيبري، بين ويلر) تلعب بِمساحة كبيرة في شريط الصوت وتتوازى مع الحدث كأنها وصف شعري لهُ، اعتمد عليها “أوكين” في توضيح الحالات من غضب وحبّ وعنفوان واشتياق وانكسار… واستبدل الحوار بِها في كثير من مشاهد الفيلم، فَكان توظيفها الصحيح لخدمة السرد ودفعه مثيراً للانتباه ومثالاً لِجمالية الموسيقا التصويرية حين تلعب بِمكانها الصحيح.

ترافقت تلك الموسيقا مع تصوير «ليسابي فريدل» الذّي يمكن التأكيد على اعتنائه الشديد بِدراسة الشخصيات على السيناريو قبل بدء عمليات التصوير دراسة بحثية جادة.

إدارته لِلكاميرا في زواياها وحركاتها تتناغم بِحساسية وسلاسة مع حالة وسلوك الشخصية، وتلتقط الأفعال وردودها بِدقة ضمن كادرات تعكس حميمية الأمكنة وسماتها الخاصة مما أعطى متعة لِحالة المشاهدة والتتبع لدى المتلقي، لاسيما في المشاهد التّي صورها بِأسلوب اللقطة الواحدة.

ميراب فيلم And Then We Danced

شبكة من المحاور والتفاصيل والتحولات التّي احتواها الشريط وساهمت في دعم فكرته وحكايته، وبالتالي حققت غايته، الصفة العامة لها هي التضاد الحيوي الحاصل بينها، مما يجعل الفيلم غنياً بالصراعات المتوازية التّي هزّت متانة روح الأمة، فَكانت النهاية أن رقصنا على أطلالها!

جاء المشهد الختامي حاملاً نشوة الانتصار، غريباً وصادماً لِلطرف الآخر من الصراع، حقق غاية الفيلم مكرساً ما سبقه من مُسببات ومبررات منطقية من جنس واقع حكايته، وانتصر لِتحرر الإنسان من سجون أمته الفكرية.

زفاف شقيق ميراب فيلم And Then We Danced

0

شاركنا رأيك حول "فيلم And Then We Danced والرقص على أطلال روح الأمة!"