الهجوم الثاني على العمالقة … أنمي Attack on Titan هل كان ناجحًا على الشاشة؟

أنمي Attack on Titan
3

عمالقة متوحشون يقتحمون أسوار البشر بغتةً ليلتهموهم بلا رحمة، كيف تحولت فكرة متناهية البساطة كهذه إلى عمل ملحمي خلب ألباب الجميع؟

يحفل بالرموز والإشارات الأستاذية، مفعمًا بفن بديع رغم الدماء والأشلاء بكل مشهد!، الواقع أنّنا نكتشف في كل مرة أنّ البساطة والعبقرية لا يتعارضان إطلاقًا، بل لعل تبسيط الفكرة مع تزيينها الفني هو قمة العمل العبقري المعجز لما قبله.

هكذا نصف مسلسل الأنمي الصاعد بشدة Attack on Titan أو الهجوم على العمالقة في أقرب ترجمة أمينة، وقد انتهى عرض موسمه الثاني مؤخرًا بعد انتظار دام لسنوات أربع، اثنتا عشرة حلقة فقط من استمرار الهجوم الدامي، ورغم رغبتنا الملحة في تقدير العرض بعد شوقنا العظيم إليه، لم نقاوم أن نذكر روعة القصة وعمقها في كل حلقة مجددًا مع تحفظنا على بعض العيوب الحتمية.

في هذا التقرير نصحبكم في جولة تقييمية عبر الموسمين مع التعرض لفلسفة عميقة ولمحات أدبية بارزة أبت إلّا أن تظهر!

عن الهجوم الأول ومآثره

أنمي الهجوم على العمالقة

بالعودة للوراء بعيدًا لنتذكر معًا الأمر ليس بجديد، العمالقة أو الجبابرة Titans هي أسطورة يونانية أصيلة حيث اعتبرها الإغريق تجسيدًا لقوى الطبيعة مع تعدد آلهتهم، كما أنّ قصة (رحلات جاليفر) فائقة الشهرة حكت عن العمالقة بشكل مغامرة لطيفة، أمّا المانجاكا الياباني (هاجيمي إيسياما) فقد تناول الفكرة من أقسى زواياها، حيث يعيش البشر وراء أسوار عالية فرارًا و حصارًا ضد عمالقة عراة بلا عقول، غايتهم الوحيدة التهام البشر على سبيل التسلية، صورة وحشية صادمة لكنها صريحة عن حقيقة عالمنا الأزلية حيث يأكل الكبير القوي كل صغير ضعيف، حتى الفراشات البديعة تؤكل من حشرة أخرى أقوى وأضخم، وهذا ما لخصه المؤلف بجملة على لسان أهم بطلاته حين قالت (إنّه لعالم بلا رحمة، لكنه كذلك في غاية الجمال).

هكذا تبدأ الملحمة سريعًا باقتحام العمالقة الأول لمدن البشر، آكلين كل إنسان يلمحونه بشهية جذلة، ومنهم أم البطل الرئيس في مشهد عظيم الرهبة والتأثير، العمالقة هنا محض تصوير لكل وحشية البشر عبر التاريخ، فالتتار والنازيون وسواهم فعلوا بالضعفاء العُزّل كما العمالقة، كأنّهم عراة من الرحمة والإنسانية مستبدلين العملقة والضخامة بالأسلحة البيضاء والنارية وجنازير المدرعات!، يقسم (إرين) على الانتقام لوالدته وإفناء العمالقة أجمعين، يلتحق بقوات المقاومة ضدهم، وهم جنود انتحاريون يستخدمون معدات خاصة تسمح لهم بطيران عسير محدود، مستهدفين مؤخرة عنق العمالقة ليمزقوها بالسيوف كنقطة ضعف وحيدة لإبادة العدو الهائل.

لابد من سلاح العدو … لمحاربته!

انمي هجوم العمالقة الموسم الثاني

تتشعب الفكرة وتفصح عن دررها الفذة مع هجوم العمالقة التالي بعد خمس سنوات، خاصةً أنّ معدات البشر ضعيفة الحيلة أمام جبروت العدو، الطيران يهلك الجسد وغير فعال في الأماكن المكشوفة، نخبة الجنود المحترفين غير مؤثرة بالقدر الكافي، يسوء الوضع وتكفهر الدنيا وينزلق الجنود متتابعين إلى بطون العمالقة، هنا تدخل اللعبة مرحلة جديدة وتنعكس الآية بذهول أمام الجميع، لن تعي هذا المشهد ما لم تره.

يكتشف (إيرين) أنّ بإمكانه التحول لعملاق مثل أعدائِه الأبديين!!، الضخامة ذاتها مع الغضب والشراسة والعضلات، صراخ لا ينسى مع كل عملاق وحشي يفنى على يد إيرين، ويبزغ بصيص أمل خافت بهذا السلاح الرهيب رغم القلق من انقلابه في أي لحظة خاصة أنّ (إيرين) نفسه لا يعلم أي شيء عن قدرته هذه، فعلًا يساعد بها البشر كثيرًا لكن الأمور تتعقد أكثر فأكثر.

الخيانة ممكنة … العدو يرعى بيننا!

ايرين وليفاي الهجوم على العمالقة الموسم الثاني

تظهر عملاقة أنثى واعية العقل وليست عجماء مثل الباقين، فتصعب مواجهتها وتكثر ضحاياها، تحاول خطف (إيرين) لولا تدخل (ليفاي) الشخصية الأكثر شعبية ومهارة وتأثيرًا في العمل، ينقذ (إيرين) ويعود به للمقاطعة، لكن الحقيقة تجلو أخيرًا ويتضح أنّ العملاقة الأنثى هي واحدة من جنود المقاومة، وبعد شد وجذب ومحاولات متواترة ينجح البشر في هزيمتها، لتخلف ورائها أسئلة أخرى لم يتم حلها بعد، العمالقة لا زالوا يطوفون الأرجاء خارج الأسوار، والآن صاروا داخلها كذلك.

هكذا انتهى الموسم الأول، معتمدًا على الحماس الفوار كعامل أساسي، طوال الحلقات ثمة مطاردات وصراعات إلّا النزر اليسير، كما أنّ الألغاز لم تنفك تظهر ومعدل الغموض في قمته، مع فلسفة إنسانية مميزة حقًا، نتجه الآن للهجوم الثاني، لنرى هل روت الحلقات الاثنتا عشرة ظمأ الجمهور الطامح أكثر للهجوم ؟!

المزيد من الحماس … المزيد من الألغاز

Attack on Titan الموسم الثاني

لا يضيع الموسم الثاني وقتًا منذ اللحظات الأولى من العرض، بل قبل العرض نفسه في مقدمة (تتر) المسلسل، مشاهد الشرف والتضحية والانطلاق نحو الموت ذاته بلا اكتراث، مع عرض فلسفة المسلسل بشكل فني بديع نهاية التتر، حيث نرى كائنات عملاقة مختلفة تعدو معًا كأنّه عرض كوني لفكرة الضخامة والعملقة، مع الكلمات الحماسية التي لا تقل عن تتر الموسم الأول روعة.

أمّا القصة نفسها فتبدأ بلغز محير جديد، عملاق في جوف السور ظهر فجأة لقائدة إحدى الفرق، ويبدو أنّ أحد رجال الدين يعلم شيئًا عن هذا لكنه يخشى الإفصاح لخوفه من سلطة ما، أو لخوفه من العمالقة أنفسهم الذي عدهم البعض آلهة!، هو الخطر العظيم الذي يرهب القوم إلى درجة الاحترام والتقديس وربما التأليه، حدثت كثيرًا في التاريخ مما يذكرنا بقول جان بول سارتر الشهير (أكره الضحايا الذين يحترمون جلاديهم).

في الوقت ذاته يظهر خط تشويق جديد مع عملاق مغطى بالفرو الأسود كالغوريلا، لكن الوقت لا يسمح لاكتشاف ماهيته، فالعمالقة يدلفون من جديد لقرى الجنود وأخيرًا نقترب أكثر من حياة أبطال لم نكد نذكرهم منذ الموسم الأول، إذ يهرع كل جندي لقريته لينقذ ما يمكن إنقاذه، وتتباين مواقفهم هناك حسب الحالة لكنهم اتفقوا في المواقف البطولية، خاصةً (ساشا) التي حاربت عملاقًا بيدها المجردة، فقط لتضمن نجاح خطتها، أمّا (كوني) فيجد عملاقًا له نفس وجه والدته، لتتزايد الشكوك أكثر عن العلاقة بين العمالقة والبشر، بل بين العمالقة والجنود بالذات.

خيانة أخرى … بل هي الأعظم!

صراع الهجوم على العمالقة الموسم الثاني

لن أحرق لكم باقي الموسم بأكمله، لكن مزيدًا من الجنود يتضح كونهم عمالقة متحولين، بل إنّهم في الأصل سبب كل معاناة (إيرين) وما حل بقريته وأمه، يرى البعض أنّ هذه نقطة ضعف في سيناريو المسلسل، أن يحصر المؤلف أشرار القصة جميعًا بين فريق واحد، فيما يرى آخرون العكس، فأصحاب الأمس هم أعداء اليوم والمرض يحل في الجسد نفسه، وهكذا تسري الأمور في الواقع.

مشاهد تحول البشر لعمالقة تم تقديمها بأروع ما يمكن لتكون ملحمية مؤثرة، الموسيقى والضخامة والتنفيذ أكبر من الخيال والواقع معًا، مشهد اعتراف الجندي لـ (إيرين) أنّه العملاق الذي سبب كل هذا الدمار كان مخيبًا لآمال بعض المشاهدين، وكأنّ المؤلف لم يرهق نفسه بحبكة مناسبة ليعلن هذا السر الرهيب للجمهور، جعل الشرير يعترف من تلقاء نفسه وانتهى الأمر، لكن كالعادة أعلن كثيرون إعجابهم بهذا؛ لأنّه يتوافق مع طبيعة الشرير نفسه العصابية التي جعلته يعترف لينهي صراعه النفسي.

مواجهات حتمية تنتهي بمفاجأة

ايرين Attack on Titan الموسم الثاني

عاد العملاق الخاص بـ (إيرين) ليؤدي دوره من جديد في معركة عنيفة غير متكافئة، لكن نهايتها الصادمة أتاحت الفرصة للمزيد من الحماس والحركة، صراع نفسي آخر يستمر لأكثر من حلقة بين الخونة من الجنود، كلمات مبهمة لا يفهم المشاهد منها الكثير عن سر العمالقة، هم يريدون (إيرين) وجندية أخرى لسبب ما، بالنسبة لباقي حماس المسلسل كانت حلقات كهذه في قمة الملل.

لكن سرعان ما عاد الحماس بعودة الجنود لاستعادة رفاقهم من الخونة، مواجهة أخرى حركية وبديعة برز فيها دور القائد (إروين) المستوحى حتمًا من (إروين روميل)، فكانت عظمة بطولته بين التضحية والتخطيط السليم، وبينما يدور رحى القتال ويحمى الوطيس يفاجئنا المؤلف بما يفجع قلوبنا جميعًا قبل بطل المسلسل نفسه، عملاق قبيح الوجه كريه الضحكة يبدو من الأفق، هو ذاته الذي التهم والدة (إيرين) من قبل!!

ظهور موفق أم سيّئ من حيث السيناريو؟، أعترف لكم أنّني لم أهتم!، فمرأى هذا الشيء القذر يحرك الغضب حتمًا وكأنّك ترى قاتل (غاندي) نفسه أمامك!، يلهج صدر (إيرين) غضبًا ويسرع في التحول لعملاقه المحارب، تصم صرخاته الآذان محاولًا بشفقة ولكن … ولكن … لا يحدث شيء!!

سأقاوم رغبتي في إطراء هذا الالتواء الأستاذي من المؤلف، موقف تراجيدي مذهل رغم تدخل (ميكاسا) التي حاولت تهدئة إيرين المكلوم، كعادة اليابانيين يغالون أحيانًا في مشاعرهم فبدا مشهد (ميكاسا) مبالغًا فيه حين تبسمت برومانسية حالمة بينما يلتهم العملاق صديقًا كانت تعرفه!

ما المخرج؟ … أين المفر؟، تأتي الإجابة مع تطبيق عملي لمقولة المتنبي (إن لم يكن من الموت بد … فمن العجز أن تموت جبانًا)، لا يتجابن إيرين لحظة ويحارب العملاق بمحض قبضته، لتظهر قدرة أخرى عجيبة لم تكن في الحسبان، فتقلب الموازين وينجو الجنود جميعًا بأقل خسائر منذ تلك اللحظة، يبدو أنّ بساطة الفكرة لا زالت تحتمل الكثير من التطوير والتفنين.

الهجوم الثاني … نجاح مع إيقاف التنفيذ!

ابطال انمي الهجوم على العمالقة الموسم الثاني

لم يكن موسمًا سيئًا بالقطع. لكنه والحق يقال … لم يكن جيدًا ! نذكر هنا طبعًا متلازمة أي عمل ناجح بأنّ (الجزء الثاني دومًا أسوأ من الأول)، لكن دعونا في سطور قلائل نحلل هذا الرأي ببساطة.

العقبة الأسوأ في نجاح الموسم كانت مقدار الملل في محادثات لا تفضي لشيء خاصةً مع انتهاء الموسم، كما أنّ المواقف البطولية والمواجهات لم تتغير فيها الاستراتيجية كثيرًا عن الموسم الأول رغم روعتها، نحن نرى عرضًا مكررًا بشكل ما وإن صاحبه الحماس نفسه.

الثقل الإنساني هذه المرة لم يكن في عظمة ما سبق، ربما لهذا قد لا تجد للموسم اقتباسات مميزة عديدة، حتمًا لن تجذبك عقدة (ساشا) في طريقة كلامها المفتعلة، أو حتى إنكار (كريستا) لحقيقتها، كل هذا تم تقديمة باقتضاب مخل، كأنّها رغبة المؤلف في إبقاء التشويق وحسب فأخفى الكثير وأظهر أقل القليل.

لكن على الجانب الآخر، الخطوط مفتوحة بقوة لجزء جديد أقوى من كل ما سبقه، العملاق الوحشي … قدرة إيرين الجديدة … (ليفاي) الذي افتقده الجميع، أودّ القول أنّ كل خطأ شهدناه هذا الموسم يمكن تصحيحه بسهولة، هكذا نحن في الانتظار بشدة للعام القادم لنشهد الأفضل والأفضل من ملحمة الهجوم على العمالقة.

3