السرّ خلف حديقة المنحوتات في بحر غرناطة

0

“الفَنّ، هو إثراءٌ لخصوبة الحياة، ونوعٌ من المناقشة بين أنواع الدهشة التي تنبه وعْينا وتمنعه من الخدر.”

الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار

هذا مايفعله فَنّ جيسون تايلور الآن.. الفنان المولود سنة 1974، نشأ في آسيا وأوروبا حيث قضى معظم طفولته في استكشاف الشعاب المرجانية في ماليزيا. تعلّم في جنوب شرق المملكة المتحدة وتخرّج من معهد لندن للفنون سنة 1998.

إنّ فَنّ جيسون ليس كغيره، فهو يُمثّل المفارقة في الإبداع، وصُمِّمَ ليندمج مع المحيطات ويتحوّل من قطع جامدة إلى شعاب مرجانية تنبض بالحياة، مصوّراً بذلك التدخل الإنساني الإيجابي والمشجع على الحياة، وقد سلّطت الضوء على عمله الرائع العديد من المنشورات والأفلام الوثائقية ومواقع مثل:

  • BBC
  • CNN
  • Vogue
  • USA Today
  • National Geographic

لكن لا شيء يمكنه أن ينصف أعماله، فكل زيارة لمواقع أعماله هي زيارة فريدة ومميزة.

قطعه الفنية ليست مجرد أمثلة للحفاظ الناجح على الحياة تحت البحار، بل هي أيضاً أعمال فنية تسعى لنشر الوعي البيئي، وتدفع للتغيير المجتمعي، وتقودنا لتقدير جمال الطبيعة الخلاب الكامن في عالم تحت البحار.

يقول جيسون عن الدافع وراء صنع متحف للمنحوتات تحت المياه ووراء الكثير من أعماله الشخصية:

“خلال العشرين سنة الماضية، مرّ جيلنا بتغيّرٍ سريع، تكنولوجياً وثقافياً وجغرافياً، لقد شعرت أن ذلك خلّف لدينا شعوراً بالفقد، وأعمالي تحاول تسجيل بعض تلك اللحظات.”


المراسل المفقود – 2006

1

يحاكي تلك المشاعر، وينغمس في عمق يصل إلى 8 متر في بحر غرناطة، الرجل يجلس على مكتبه، ويديه فوق آلة الكتابة، يؤدي تداولات أبدية، هذا الرفات المنسي تماماً مثل آلته الكاتبة، تم طمسه بواسطة التكنولوجيا الحديثة.

هنا في هذا المكان ومنذ عشرة سنوات أقام جيسون أول معرض له، وبدأ طريقه بالمنحوتة الأولى (المراسل المفقود) بمساعدة عالم أحياء بحرية ومركز غوص محلي، وقام بإنزال هذا العمل في أعماق شاطئ غرناطة وتحديداً في منطقة تم تدميرها بواسطة إعصار إيفان، لكن شيئاً مبهراً حدث بعد ذلك.

Capture

لقد تحولت المنحوتة! أصبحت اثنتين، ثم ست وعشرين، وقبل أن يدرك ماحدث… أصبح هذا المكان أول حديقة منحوتات تحت الماء في العالم.

لقد أراد تايلور خلق موقع جذب جديد للسياح في خليج Molinere، فبرأيه:

“إن غرناطة لها شاطئ واحد جيّد للغوص، إنه المكان الوحيد الصالح للغوص، فالدمار شيء سيء.”

لقد أمل تايلور أنه بإمكانه جذب الناس لمنتزه منحوتات تحت البحر، وهذا العمل هو ثاني قطعة استخدمها لهذا الغرض، واعتبرها رسالة موجهة لوالده المتوفي والذي كان كاتباً نهماً، مشيراً بهذا العمل إلى التغيّر السريع في وسائل التواصل.

غرناطة في بحر الكاريبي! بحر غرناطة المقصود هنا هو بحر دولة في جزر الهند الغربية في الكاريبي، سميت بذلك الاسم لجمالها وأصله غرناطة الأندلس.

ثم انتقل جيسون سنة 2009 إلى المكسيك، وبدأ بتشكيل مجتمع صغير يمثل دفاع أشخاص عن البحر، و تكوّن هذا المجتمع من أكثر من 500 منحوتة، ثم قام بالارتقاء بالتصاميم ليعمل على منحوتة (أطلس المحيط) في بهامس، والتي يبلغ ارتفاعها 16 قدم، وتزن أكثر من 40 طن، ثم أنشأ حديقة مائية هي الأولى من نوعها في المحيط الأطلسي.

9

إن جيسون يستخدم في مشاريعه التصاميم والمواد التي تشجع على الحياة، أما الإسمنت المستخدم فهو يوفر منصة مستقرة ودائمة، ومصمم ليسمح لسرطانات البحر بالالتصاق، وتوضع المنحوتات بشكل يسمح للسرطانات بالاستقرار لوضع البيض، كما يسمح للأسماك بالتجمع بشكل كبير.


لماذا اختار جيسون المحيط لعرض أعماله؟

7

يعتبر جيسون أن المحيط فضاء العرض الأكثر إدهاشاً الذي يمكن أن يرغب في استخدامه أي فنان، فهناك التأثيرات الضوئية التي تتغير على مدار الساعة، وتفجرات الرمل التي تشكل سحباً سحرية تغطي المنحوتات، والجودة العالية الغير مرتبطة بالوقت، ومواكب الزوار الذين يُفضّل كل منهم وضع بصمته الخاصة في المكان.

لكنه يدرك أن تلك المنحوتات وبمرور السنين لم تعد ملكاً لأحد، إنها ملك البحر، فهناك عالم جديد مذهل بدأ في التشكل، لا شيء من صنع الإنسان يمكنه أن يوازي خيال الطبيعة.

يقول جيسون:

“إن هذه الأعمال دفعتني للتركيز على مسؤوليتي كفنان وحول مايمكن أن أحققه.”

يستخدم جيسون اليوم الإبداع الخلّاق للتوعية بجمال البحار الذي تخسره البشرية تدريجياً، فالشعاب المرجانية تموت والمحيطات تعاني من مشاكل حقيقية، مشاكل ليست ظاهرة لمن يجلس على الشاطئ ليستمتع بأشعة الشمس.

ومنذ بناء هذه الأماكن، حدثت الكثير من الأمور المدهشة غير المتوقعة، فبالإضافة إلى صنع أكثر من 800 متر مربع من المساكن الجديدة والشعاب المرجانية الحية، يتوافد الزائرون إلى الحديقة البحرية في كانكون لقضاء أوقاتهم بين المتحف والشعاب المرجانية الطبيعية.

أما الزائرون لمنحوتة (أطلس المحيط) سلطوا الضوء على حدوث تسرّب من مصفاة نفط مجاورة، كما قامت الحكومة بضخ 10 مليون دولار من أجل تنظيف المحيط. وأصبح المكان الآن منطقة محمية بحرية، تساعد رسوم الدخول إليه في تمويل الحراس العاملين على تنظيم السياحة والصيد في المكان، وقد اعتبرت National Geographic المكان أعجوبة من عجائب العالم.

“حينما كنا نختار اسم الموقع في كانكون، سميناه (المتحف) لسبب بسيط ومهم جداً، أن المتاحف هي أماكن للحماية والمحافظة والتعليم، هي أماكن حفظ الأشياء ذات القيمة العظيمة بالنسبة لنا.”


ماذا عن فرسان نهر التايمز؟

11

وسط لندن وفي نهر التايمز وأمام مبنى البرلمان يقف أربعة فرسان من صنع جيسون، ليوجهوا رسالة لأصحاب القوة الذين يستطيعون تغيير الأشياء عن تغيّر المناخ.


من أعماله


المفقودات – 2007

Capture

تصور هذه المنحوتة ولد وبنت من غرناطة يتكررون في دائرة، ويشير بهذا العمل إلى طريقة تأثرنا بالبيئة.

المصرفيين – 2009

3

بدأت فكرة هذا العمل بعد أن غضب جيسون مما اعتبره قصر نظر لدى البعض تجاه الأزمة الاقتصادية العالمية، واستخدم المصرفيين كرمز لضيق نظرتنا للمستقبل، ومدى اعتماد هذه النظرة على الربح الحالي قصير الأمد.

هذه الصورة هي أكثر صور أعماله استخداماً وانتشاراً، ويعتقد أن السبب وراء ذلك – أو كما يأمل – أن الناس بدؤوا في فهم أنه عندما نبدأ في التفكير في البيئة وتدمير الطبيعة، علينا أن نبدأ بالتفكير في المحيطات أيضاً.

Anthropocene – 2011

4

أدهش جيسون اختفاء 100 كركند كان قد وجدها تحت أحد أعماله في بحر كانكون، مما دفعه إلى صنع منحوتة تعمل كمدينة كركند لايمكن للصيادين الوصول إليها بسهولة. أما عن الطفل الذي يبكي فيها فهو لم يجد شيئاً يفعله تجاه فضيحة فولكسفاغن، وهي إشارة من جيسون إلى ما نخلفه لأجيال المستقبل.

الكسل – 2011

5

يشير جيسون إلى نمط الحياة الكسولة لدى الكثيرين، وقد شكلت الفتحات الصغيرة في هذا العمل ملجأً للأسماك.

التطور الصامت – 2012

6

يحتوي هذا العمل على 450 منحوتة إسمنتية، يشير بها جيسون إلى مجتمع من الأشخاص الذين يقفون للدفاع عن المحيطات.

Museo Atlantico – 2016

Capture

هو أحدث مشاريع جيسون، وهو عمل للتذكير بالمسؤولية تجاه أزمة اللاجئين، عن هذا العمل كتب جيسون:

“إن هذا العمل لم يقصد به أن يكون تحية أو نصباً تذكارياً للكثيرين الذين فقدوا حياتهم، بل هو تذكير صارخ بالمسؤولية المشتركة التي تقع على عاتق مجتمعنا العالمي الآن.”

يمكنك مشاهدة الفيديو التالي للتعرّف أكثر عن هذا الموضوع

المزيد من أعماله

“دعونا نفكر بشكل أكبر وأعمق! من يعلم إلى أين يمكن أن يقودنا الخيال وقوة الإرادة؟ آمل أن يكون ذلك بجلب الفَنّ إلى داخل المحيط، ليس فقط من أجل الاستمتاع بالإبداع والتأثير البصري للأعمال الفنية، بل لنعطي شيئاً جديداً ونشجع على ازدهار بيئات جديدة.” جيسون خلال إجدى مؤتمرات تيد.

0

شاركنا رأيك حول "السرّ خلف حديقة المنحوتات في بحر غرناطة"