كمال الشيخ .. من التشويق والإثارة إلى الواقعية والسياسة

فيلم اللص والكلاب - إخراج كمال الشيخ
0

بدأ كمال الشيخ مسيرته السينمائية من غرفة المونتاج، حيث عمل على عدد من الأفلام المهمة، لتكسبه تلك المهنة لمسة خاصة في الإخراج بعد ذلك.

وسأتناول هنا تطور كمال الشيخ كمخرج بالتركيز على مجموعة من محدودة من أفلامه كأمثلة على الحقب الزمنية التي عمل بها، وهي المنزل رقم 13، واللص والكلاب، وشروق وغروب وميرامار.

المنزل رقم 13 وخطوة البداية

فيلم المنزل رقم 13

بدأت مسيرة كمال الشيخ الإخراجية في فيلم “المنزل رقم 13” عام 1952، من بطولة عماد حمدي وفاتن حمامة، وقدم خلاله حبكة سينمائية كانت مختلفة عن السائد في السينما المصرية بذلك الوقت، من الأفلام الميلودرامية، أو الغنائية، ليتجه إلى الإثارة والتشويق، واستخدم لذلك تقنيات بصرية مثل التعامل مع الإضاءة بصورة تعبر عن الدراما، وتقطيع المشاهد في لحظات حاسمة للحفاظ على انتباه المشاهد، والفلاش باك.

ابتعدت أفلام كمال الشيخ في هذه المرحلة بداية من فيلم المنزل رقم 13 وحتى الستينات عن الواقع السياسي والاجتماعي، وركز على مواضيع تتابع فيها الصراع بين الخير والشر، سواء عامة أو داخل النفس البشرية، أيضًا اتسمت هذه الفترة بغزارة الإنتاج عن السنوات اللاحقة، وأطلق عليه في هذه المرحلة هيتشكوك مصر، وذلك لاتجاه أفلامه للساسبنس وعمليات الإنقاذ على آخر لحظة كما في فيلم حياة أو موت.

وبدأت معالم لغة كمال الشيخ السينمائية التي ظهرت واضحة بعد ذلك في التشكل في هذه المرحلة، حيث نلاحظ في فيلم المنزل رقم 13 اهتمام بالإضاءة وإضفائها معاني خاصة على الدراما، وإبرازها لجوانب محددة مسبقًا في الشخصيات، وأيضًا السمة التي استمرت معه طويلًا التركيز بالكلوس أب على وجوه ممثليه، لإظهار مشاعرهم بصورة مكثفة في أوقات محددة، لإثارة مشاعر المشاهد وزيادة تماهيه معهم.

اللص والكلاب وبداية التحول

فيلم اللص والكلاب

بداية الستينات يمكن وضع حد فاصل بين سينما كمال الشيخ ما قبلها وما بعدها، وذلك على جانبين، الأول المواضيع التي تناولتها أفلامه في تلك المرحلة وما بعدها، الثاني لغته السينمائية التي أصبحت راسخة هنا، بل استطاع تطويرها لتتناسب مع مواضيع أفلامه المتنوعة.

بدأ الأمر بفيلم اللص والكلاب عام 1962، وهو مقتبس من رواية لنجيب محفوظ، لتتبعه بعد ذلك سلسلة من الأفلام المقتبسة من روايات مصرية شهيرة في تلك الفترة مثل ميرامار لنجيب محفوظ، وشروق وغروب لجمال حماد والرجل الذي فقد ظله لفتحي غانم.

ولكنه استطاع أن يمزج مواضيع هذه الروايات بالشكل السينمائي الذي اختاره لنفسه وهو التشويق ليعبر من خلاله عن آراءه السياسية وهمومه المجتمعية.

قدم كمال الشيخ في اللص والكلاب الفيلم نوار بصورة واضحة تمامًا، فنجد فيه الكثير من علامات هذا النوع السينمائي، مثل الإضاءة الداكنة والتلاعب بالنور والظلام والظلال، وموضوع الفيلم ذاته الذي يتناول الجريمة، ونزعة التشاؤم المسيطرة والأهم البطل الذي لا يتسم بملامح البطل المعتادة، فهو مجرم منبوذ من المجتمع، ضحية للآخرين، ولكن كذلك لا يمكن تبرئته بصورة تامة فهو مذنب كثير من الوقت، مع وجود البطلة النسائية المغوية والمتمثلة في نور الغانية.

بالإضافة إلى كون الفيلم ينتمي للنوار، فقد استخدم كمال الشيخ كذلك موتيفات بصرية مختلفة بصورة ناضجة للغاية، منها على سبيل المثال الأسوار المعبرة عن شعور السجن الذي يشعر به سعيد مهران طوال الوقت، حتى وهو خارج السجن بالفعل، فهو مسجون في ذاته وغضبه، ومسجون لأنه هاربًا من المجتمع منبوذًا منه، واستطاع الشيخ إدارة بطليه شكري سرحان وشادية بقدارة، وأبرز انفعالتهما باستخدام الكادرات القريبة كعادته.

وفي ذات الحقبة قدم فيلم آخر هو ميرامار عام 1969 وهو أيضًا مقتبس من رواية لنجيب محفوظ، وهذه  المرة آتى المضمون على حساب الشكل بصورة كبيرة، فقد استغل الفيلم نكسة 1967 ليقدم نقدًا عنيفًا للثورة على لسان شخصيات اللفيلم الرئيسية، ولكن غابت اللمسة الإخراجية الخاصة لكمال الشيخ، خاصة لو قارنت هذا الفيلم باللص والكلاب وشروق وغروب الذي قدمه العام التالي.

فيلم شروق وغروب

فكمال الشيخ افتتح السبعينيات بفيلم “غروب وشروق” والذي تعيدنا أحداثه إلى ما قبل ثورة 1952، حيث الفساد السياسي وسطوة البوليس السري، واستخدم عنوان الفيلم والرواية كموتيفة بصرية متكررة طوال الفيلم، فنجد أن من التترات تظهر سعاد حسني مرة باللون الأسود ومرة بالأبيض، ليخبرنا أن بطلته الرئيسية تحمل الجانبين الشرير والطيب، ويلعب الضوء والظلال دورًا حتى في تحديد الفترات الزمنية التي تمر بها الأحداث، مع حركة السرد من الماضي للحاضر بصورة متكررة، فمثلًا الفترة الزمنية ما بين وفاة الزوج الثاني لسعاد حسني، وزواجها من رشدي أباظة اتسمت بالظلال الداكنة طوال الوقت، تعبيرًا عن المأساة التي يعيشها الجميع بسبب أخطائهم، بينما في البدايات كانت الإضاءة قوية موضحة للشخصيات.

اتسمت لغة كمال الشيخ السينمائية بالكلاسيكية في البناء وحركة الكاميرا والتكوينات التي يختارها، فهو يضع الكاميرا ليقدم بها معنى يرغب فيه للمشاهد فقط، ولكنه استطاع على مدار أفلامه استخدام الإضاءة دومًا لخدمة الدراما، أيضًا من سمات لغته السينمائية استخدامه للصمت بصورة درامية فعالة، وبالطبع هذا لخبرته الطويلة في أفلام التشويق والإثارة التي فيها للصمت دور مهم للتحكم في إيقاع الفيلم وتفاعل المشاهد مع محتواه.

وقدم كمال الشيخ أغلب الأنواع السينمائية فمن السينما البوليسية والتشويق والإثارة إلى الدراما السياسية، وحتى الفيلم الغنائي مع فريد الأطرش، والرومانسي في أعمال مثل سيدة القصر وحب دموع.

0

شاركنا رأيك حول "كمال الشيخ .. من التشويق والإثارة إلى الواقعية والسياسة"