قرارات حاسمة وعواقب وخيمة: أفلام تجعلك تعيد النظر في قراراتك

3

هل سمعت قبلًا بالعبارة التي تقول بأنّ “الحياة مثل السوبر ماركت، يُمكنك أن تأخذ كل ما تُريده وتضعه في عربة التسوق الخاصة بك، ولكن لا تنسى أنّك ستدفع ثمن كل ما أخذته”؟ أرى أنّها بسيطة ومُباشرة وحقيقية. نعم بإمكان الواحد منّا أن يفعل أي شيء تقوده أفكاره إليه، ولكن هناك ثمنًا سيدفعه، عاجلًا أو آجلًا. هناك ضريبة ما لكل ما تصنعه أيدينا، خيرًا بخير، وشرًا بشر.

والجميل في مشاهدة الأفلام أنّنا نستطيع أن نرى فيها دورة حياة كاملة لإنسان في ساعتين أو أقل، فنرى ما الخيارات التي تضعها الحياة أمامه، ونعرف خلفية هذا الإنسان وماضيه، نعرف ما الذي يؤرق تفكيره في هذه اللحظة، وعندما يختار أو يُقرّر أو ينوى اتخاذ طريق ما في الحياة، يكون عندنا القابلية لرؤية عواقب هذا الاختيار أو هذا القرار، وهو الشيء الذي ليس بالضرورة أن نراه في حياتنا الفعلية، فأحيانًَا يستغرق هذا الأمر منّا سنوات طويلة حتى نعرف كم كلّفنا هذا الذي فعلناه، وكيف وصلنا إلى هذا المكان.

في الأفلام التالية سأقوم بالتركيز على فكرة العواقب، عواقب اختيارات الأبطال، وقراراتهم المصيرية، لنرى كيف بدأ بهم الطريق، وكيف انتهى.

أقرأ أيضًا: مدة بعض حلقات مسلسل Game of Thrones الموسم الأخير لن تتجاوز الساعة!

The Godfather

من أهم التحولّات التي حدثت لشخصية في تاريخ السينما نتيجة لقرارٍ ما قد اتخذه، هو التحوّل الذي حدث لـ (مايكل كورليون) عندما قررّ أن يقتل من حاولوا قتل أبيه دون (فيتو كورليون) في فيلم The Godfather. اختار مايكل أن يتحول من إنسان مُسالم، مُتبرئ من أفعال عائلته الإجرامية إلى قاتل، وهذا الاختيار كانت له عواقب دفع ثمنها لاحقًا. مايكل في فيلم العرّاب لم يضعه أحد في خانة الاختيار، بل هو من أقدم على هذا الفعل، هو من قرر أن يحمل على عاتقه مهمة الانتقام لأبيه وللعائلة، وهذا في حّد ذاته اختيارًا. وفعلها مايكل، بعد لحظات من التردد، والحيرة، وربما الخوف، كل هذه المشاعر ظهرت في عينيه الزائغتين قبل أن يُقدم على أهم خطوة في حياته، والتي لا رجعة فيها.

أمّا العواقب فكانت أن تحمّل مايكل عبء زعامة العائلة بما فيها من صراعات دموية اضطرته إلى قتل الكثير من أعدائه، فقد زوجته الأولى التي قُتلت مكانه بالخطأ، تركته زوجته الثانية عندما اكتشفت حقيقته ورأت فيه رجلًا آخر غير الذي أحبته وتزوجته. توترت العلاقة بينه وبين أخته لسنوات لأنه قام بقتل زوجها، اضطُر إلى قتل أخيه الأكبر، اضطرته الزعامة والوفاء للعائلة من قتل شخص خائن حتى لو كان ابن (فيتو كورليون) نفسه. وأخيرًا فقد مايكل كورليون أحب الناس إلى قلبه على الإطلاق، إبنته صوفيا التي قُتلت بين ذراعيه.

فهل كانت ضغطته الأولى على الزناد، وانتقامه المزعوم لعائلة كورليون، تساوي كل أنهار الدم هذه التي سالت على مدار سنوات طويلة؟

يقولون أنّ الطريق يبدأ بخطوة، خطوة واحدة تحدد مصيرك حسبما اخترت من طرق. ومايكل اختار طريقه ومشى فيه، وكانت أول خطوة في طريقه الدامي هي ضغطته الأولى على الزناد، والتي مشى من بعدها خطوات أخرى كثيرة، جعلته من المستحيل أن يتراجع. فهكذا كان اختيار مايكل، وهكذا كانت عواقب ما اختاره.

knock knock

الكل شريف حتى تأتي العاهرة، فمجيئها اختبار لكل من ظنّ نفسه عفيفًا لا يرضى بالحرام، ووجودها هو المعيار الحقيقي الذي يُمكننا قياس عليه درجة أخلاق الرجل وصبره عن رغباته.

في هذا الفيلم كان أمام إيفان خياران هما من أقدم الخيارات في التاريخ، الفضيلة أم الرذيلة، أيهما تختار؟ اختار إيفان الاختيار الشائع جدًا، وتبع شهوته، أمّا العواقب فكانت وخيمة حقًا.

قاوم إيفان في البداية عرض الفتاتين بممارسة الرذيلة لكونه رجلٌ متزوج ويحب أسرته، ولكنه ما لبث أن استسلم، وقرر أن يخوض الرحلة الآثمة بكل متعتها اللحظية، ولكنه في نهاية الفيلم اكتشف أنّه كان مجرد أداة للهو من قبل الفتاتان، وأنّهما اعتادتا أن تلهيان بتقديم هذا العرض إلى كل رجل متزوج إيمانًا منهم بأنّ لا رجل منهم سوف يرفض عرضهم هذا، أي أن إيفان بالنسبة لهم كان مجرد فأر تجارب. وعندما ابتلع الفأر الطٌعم، ماذا حدث؟

حدث أنهما فضحوا أمره على شبكة الإنترنت، ودمّروا منزله بشكل يُوضح لزوجته عندما تعود للمنزل أنّ زوجها لم يكن شريفًا أثناء غيابها، وإيفان نفسه تعرض لصدمة نفسية من جرّاء ما واجهه عندما تلاعبت به الفتاتان وتظاهرتا أنّهما سيقومان بقتله.

في مشهد النهاية نحن لم نر سوى زوجته وأولاده وهما يدخلون إلى المنزل ناظرين إلى الفوضى والتدمير في كل الغرف. الزوجة تبدو عليها الصدمة، والإبن يظن أنّ أبوه كان يُقيم حفلة. بينما إيفان يضغط بالخطأ على زر أعجبني Like بدلًا من أن يقوم بحذف المقطع الإباحي الذي تم نشره له مع واحدة من الفتاتين على الإنترنت.

“It was a free pizza” كانت هذه هي كلمات إيفان التي قالها أثناء إنهياره عن هذه التجربة التي تعرض لها، والتي لم تجعلني أتعاطف معه. هو رأى أنّ الأمر كله أشبه ببيتزا مجانية، فكيف يرفضها؟ كيف لعاقلٍ أن يرفض بيتزا مجانية قُدّمت له على عتبة داره؟ ولكن الشيء الذي أدركه إيفان في النهاية أنّ هذه البيتزا لم تكن مجانية أبدًا، وإنّما كانت باهظة الثمن لدرجة أنّها كلّفته أهم ما يملك في حياته، زوجته وأولاده، صورته الذاتيه المُهذّبة، احترامه لنفسه واحترام الناس له.

Wildlife

“الطريق إلى الجحيم مُعبّد بالنوايا الطيبة” المقولة التي نعرفها جميعا وأعتقد أنّنا اختبرناها مرارًا لنتأكد من صحتها أكثر مع مرور الزمن. ليس كافيًا أن تكون نيتك طيبة حتى تلقى طيبًا، الأمر ليس بهذه السهولة، ولا يُمكن حسابه للأسف.

فمثلًا سنجد جيري الزوج والأب المُكافح الذي يواجه مشاكل في احتفاظه بوظيفة لفترة طويلة، يتخذ قرارًا مُفاجئًا ويُقرر أن يذهب للعمل مع رجال المطافئ الذين يواجهون حرائق كبرى في الغابات. صدم ذلك القرار زوجته جانيت وابنه جو المُراهق، فهما لم يعتادا أن تفترق العائلة خاصة مع خطورة العمل الذي يبغي جيري الالتحاق به.

ترفض جانيت بشدة وتُخبره أنّه ليس عليه أن يُلقي بنفسه في النيران وأنّها ستبحث عن عمل لتُساعده، تُخبره بأنّ مديره السابق الذي طرده يُريده أن يعود مُجددًا لنفس وظيفته، تقول له أنّها لا تحتمل البقاء بمفردها هي وابنها في ذلك المكان المُنعزل، ولكن جيري يرفض الاستماع لكل ما تقوله ويذهب بالرغم من كل شيء.

قد ترى أن جيري أب وزوج صالح وطيّب لأنه يُريد أن يتكفل بأسرته ماديًا مهما كلفه الأمر، ولكنّ جيري تناسى أنّ عليه أيضًا أن يكفل أسرته معنويًا، أن يُشبع احتياجتهم النفسية، أن يُشعرهم بالأمان من أي شيء قد يُهدد كيان هذه الأسرة، وهو ما يستحيل عليه فعله عندما اختار أن يذهب بعيدًا ويتركهم يواجهون الدنيا وحدهما.

ذهب جيري، وانقلب حال الأسرة. الأم اختل توازنها النفسي وبدا عليها الاكتئاب تارة، والجموح تارة. قامت بالتعرف على رجلٍ آخر، تحفظت معه في بداية الأمر ولكنّها سقطت فيما بعد. جو الابن يرى كل هذا بأعين مفتوحة وأيدى مكتوفة، ملامح وجهه تنطق بالبؤس ولكنّه عاجز عن فعل أي شيء.

يعود جيري ليعرف بأمر العلاقة التي بين زوجته وهذا الرجل ليجنّ جنونه ويذهب لِيُشعل النار في بيته ولكن يتم تدارك الأمر ولا يتضرر أحد. ولكن الضرر الذي وقع على أسرة جيري لم يعد إصلاحه مُمكنًا. سافرت جانيت لتعمل خارج المدينة، وتركت الأب والابن وحدهما. في النهاية عندما تقوم الأم بزيارتهما لتلتقي بالابن، يدعوها جو لزيارة استوديو التصوير حيث يعمل، سائلًا أبوه وأمّه أن يقوم بتصوير الأسرة كاملة لمرة أخيرة.

هكذا كانت النهاية المؤلمة، وأكثر ما يُؤلمك فيها هو أنّ الابن عانى من هذه الآلام بأكثر ما يحتمل طفل في سنه. وأنّ الأسرة كلها تهدمت بسبب قرار كان من المُفترض أن يكون في صالحها. فعلى من نُلقي باللوم هنا؟ على خطيئة الزوجة التي خذلتها قدماها من الوقوف وسط العاصفة وحدها؟ أم على خطيئة الزوج الذي ظنّ أنّ الحكمة كانت في القرار الذي اتخذه هو، ضاربًا عرض الحائط برأى شريكته في الحياة؟

أقرأ أيضًا: قصة مسلسل Prison Break: عندما تعلق بين فضيلة العدالة وشهوة الانتقام

Eye in the sky

هذه المرة لن يكون القرار قرارًا شخصيًا، بل سيكون أمرًا حكوميًا يتعلق بأمن واستقرار بلد بحالها. وهذا لا ينفي أنّ من يتخذ هذا القرار هو شخصٌ واحد، أو ربما مجموعة أشخاص وهو ما يجعل رأيهم يحتمل الخطأ كما يحتمل الصواب، ولا يحميهم من عواقب اتخاذهم لهذا القرار، حتى لو كان الهدف هو حماية الوطن.

صاحب القرار هنا في “عين في السماء” أكثر من شخص أهمّهم (كاثرين بويل) الكولونيل بالجيش البريطاني، والتي تؤدي دورها القديرة (هيلين ميرين) وهي الشخصية الصارمة التي ترأس عملية كبيرة بمساعدة أمريكا التي أمدتهم بطائرات حديثة بدون طيار، وتهدف هذه العملية إلى أسر عدد من الإرهابيين المُلاحقين منذ فترة في نيروبي، كينيا. حدث بعد ذلك أنّ البريطانيين اكتشفوا أنّ عليهم تصفية كل هؤلاء الإرهابيين لأنّهم تمكنوا من رؤيتهم عن طريق كاميرا متطورة وهم يستعدون لمهمة تفجير انتحارية جماعية، فكان عليهم أن يلغوا عملية الأسر ويجعلوها عملية تصفية فورية لهؤلاء الإرهابيين قبل أن يخرجوا من المنزل.

المشكلة التي واجهت تنفيذ ذلك القرار كانت وجود طفلة عمرها 9 سنوات في المنزل المجاور للمنزل الذين كانوا ينون تفجيره، والتي على الأغلب ستُقتل من الانفجار. أصبح الأمر الآن معضلة أخلاقية.. والقرار صعب.. هل من الصائب قتل الإرهابيين في الحال ومنعهم من قتل عشرات أو ربما مئات من الأبرياء، وفي المقابل التضحية بطفلة بريئة تبيع الخبز؟

كان آخر أدوار الرائع الراحل (آلان ريكمان) دور الجنرال (فرانك بينسون)، وهو الذي كان واحدٌ من صنّاع القرار المصيري الذي تم الإتفاق على إتخاذه وهو تنفيذ العملية على الفور، والذي أدى بالفعل لقتل الصغيرة. وفي لندن عندما تمت مواجهة (بينسون) بأنّ ما اقترفت يداه كان شيئًا مُخزيًا، وأنّه كان من أجل الحفاظ على كُرسيه لا أكثر، كان ردّه أنّه لا يمكن لأحدًا أن يُخبر جنديًا بأنه لا يعرف ما هو ثمن الحرب.

شاهد هذا المشهد من هنا

أعتقد أنّ كلماته هذه تعني أنّه يعرف جيدًا ما قد صنعه، ويتحمّل تكلفته التي لن تزيد للأسف عن الشعور بالذنب، بينما المُتحمّل الحقيقي لهذا القرار لن يكون سوى بائعة الخبز الصغيرة وأهلها.

كنت أتمنى أن أرى عاقبة أكثر من الشعور بالأسف البادي على وجه ستيف واتس الطيّار الذي أطلق القذيفة على البيت، وهو الدور الذي قام به آرون بول. ولكنّي للأسف لم أجد.

The Box

لا أعرف إن كنت رأيت هذا الفيلم العجيب صاحب القصة الخيالية المُغرقة في السواد، ولكن إن كنت ممن راق لهم فيلم Donnie Darko فعلى الأغلب ستحب فيلم “الصندوق” لأن مٌخرج الفيلمين هو “ريتشارد كيلي” ذو الروح المُبدعة والحساسة.

نرى في الفيلم الزوجان آرثر ونورما اللذان يٌقدم لهما صندوقًا بداخله زر كبير عُرض عليهما من رجل مُخيف الشكل لا يعرفانه من قبل. هذا الرجل يٌخبرهما بأنّهما يمكنهما الحصول على مبلغ مليون دولار إذا ضغطا هذا الزر، ولكن بالمقابل سيموت في الحال شخص ما لا يعرفانه. أمّا إذا قررا ألا يقوما بضغط الزر، فسيذهب الصندوق لشخصًا آخر وسُيعرض عليه نفس العرض.

يختار آرثر ونورما الاختيار البديهي، يطبقّان المثل المعروف أنا ومن بعدي الطوفان، يختاران المال ويموت من يموت طالما لا يعرفانه. وفور ما أن ضغطت نورما الزر، أطلق رجلٌ ما النار على زوجته في القلب مباشرة بينما كانت ابنتهما حبيسة في حمّام المنزل. تمكن آرثر بعدها من الوصول لذلك الرجل وعلم منه أن زوجته التي قتلها قد وصلها الصندوق كما وصلهما وقامت بضغط الزر كما فعلت نورما أيضًا.

بعدها يقوم السيد الغامض الذي يُدعى (ستيوارد) باختطاف ابن آرثر ونورما (والتر) ويُخبرهما أنّه بأمان ولكنه أصبح الآن أعمىً وأصمًا، وعليهما الآن أن يختارا بين أمرين، أن يُصبحا مثله فاقدي البصر والسمع ويعيشوا معًا الثلاثة مع حصولهم على مبلغ مليون دولار، أو يقوم (آرثر) بإطلاق النار على (نورما) في القلب مباشرةً، وعندها يستعيد (والتر) سمعه وبصره ومجددًا، وتوضع مليون دولار في حسابه البنكي حتى بلوغه عامه الثمانية عشرة، وعندها يٌمكن لوالتر الحصول عليه.

يكتشف آرثر ونورما عندها أنّ والتر محبوس بحمّام المنزل، تطلب نورما من آرثر أن يقتلها، وبينما يفعل في نفس اللحظة نرى مشهد آخر لزوجين يقومان بضغط الزر. وبعدها يستعيد والتر سمعه وبصره بالفعل. سنلاحظ أنّ نفس الموقف الذي حدث مع الرجل الذي قتل زوجته سابقًا،حدث أيضًا مع نورما وآرثر، فعندما ضغطت نورما الزر، أصاب الرجل زوجته في قلبها، وعندما ضغط الزر الزوجان التاليان، أصاب آرثر نورما في قلبها.

حل هذا اللغز العجيب الشبيه بثعبان يأكل ذيله، أنّ الشخص الذي ضغط الزر سابقًا يموت عندما يضغط أحدٌ بعده نفس الزر. فلو رفض الزوجان التاليان ضغط الزر، لما ماتت نورما. هكذا ببساطة.

طبعًا لا مجال للحديث عن العواقب في فيلمنا هذا فهي تتحدث عن نفسها، من قتل يُقتل ولو بعد حين، هذه هي الـ Karma بعينها. هل نورما تستحق ما حدث لها؟ بالطبع فما حدث لها هو ما أحدثته هي بغيرها، بدون زيادة أو نُقصان.

Prisoners

هذا الفيلم البائس دليل جيد على أنّ اختياراتنا ليست دائمًا خاطئة ولله الحمد، فأحيانًا نتبع حدسنا رغم معارضة الجميع ونكتشف أنّنا على حق، وهو ما حدث هنا مع كيلر، الرجل الذي اختفت ابنته الصغيرة وأصر أن يبحث عنها مع الشرطة.

كيلر هنا لم يختر بين أمرين عُرضا عليه كما في فيلم الصندوق مثلًا، بل تطوّع هو ليتعامل مع شيء لم يُكن مُكلفًا به. أخذ قرارًا بأنه لن يترك مهمة العثور على ابنته للشرطة وحدها، وبدأ هو يبحث بنفسه عن أي خيوط قد تقوده لمعرفة مكانها. والمشكلة ليست في تحرياته الغير قانونية هذه، بل كانت في اشتباهه في أحد الأشخاص المُعاقين ذهنيًا والتي استبعدته الشرطة من شكوكها. فبرغم ذلك تمادي كيلر أكثر ليقوم باختطاف ذلك الرجل في منزل مهجور ويقوم بتعذيبه من أجل أن يعترف بأنّه وراء اختفاء ابنته.

في هذه النقطة تحديدًا من الفيلم، انتابني الفزع وأعتقد أن أغلب من شاهدوه شعروا بنفس الإحساس، عندما استمر كيلر في تعذيب الشاب المريض المسكين الذي ظلّ يردد أنه لم يفعلها ويتوسل لكيلر أن يتركه. فزعت من فكرة ماذا لوكان صادقًا؟ ماذا لو كان كيلر مُخطئًا بشأنه؟ خاصًة أنّه لا يملك شيء حقيقي يُمكن أن يُدينه به.

لاحظ أنّنا لا نعرف فعلًا ما الذي حدث لطفلة كيلر، فالفيلم كله نراه بعيون أسرة الطفلة، لذا فرؤيتنا لكل هذا الألم اليومي الذي يتعرض له شاب لا حول له ولا قوة على يد أب يتألم على فقدانه لصغيرته، جعلنا مُتخبطين، لا نعرف أيهما صواب وأيهما على خطأ.

الرائع هيو جاكمان في دور كيلر اتبع حدسه، الذي كان -وحمدًا لله على ذلك- صحيحًا. فقد اتضح أنّ ذلك الشاب بمساعدة سيدة عجوز اختطفا الطفلة وقاما بحبسها. وبرغم أنّ الطفلة عادت سليمة لأهلها في النهاية، وبرغم أنّ الشاب لم يكن مٌذنبًا تمامًا لأنه كان جاني ومجني عليه في نفس الوقت، حيث كان طفلًا واختطفته هذه السيدة وادّعت أنها عمته، فنشأ غير سليم نفسيًا. إلّا أنّ كيلر هو من عانى من العواقب.

عادت الابنة ولكن كيلر لم يعد، فالسيدة التي اختطفت الطفلة استطاعت أن تحتفظ به سجينًا في نفس المكان الذي كانت تحتفظ فيه بابنته. المأساة هنا أن كيلر قايض نفسه بابنته بدون أن يتعمد هذا، أعادها ودخل إلى نفس السجن التي كانت حبيسته بدون أن يراها حتى. وهو الشيء الذي كان سيُكرر فعله لو عاد به الزمن، من أجل سلامة صغيرته. وإذا عُدنا للعواقب.. فأنا أُجزم أن كيلر راضي تمامًا عمّا آل إليه الأمر بعد تدخله الذي غير مجرى الأحداث، فيكفي أن ابنته عادت، حتى لو ذهب هو بدون رجعة.

أقرأ أيضًا: أهم أفلام الأنمي لعام 2019 حتى الآن

Django Unchained

أما ألطف قرار وأسرع رد فعل وهو القرار الحاسم الذي يعلم صاحبه أنّه سيقتله لا محالة، كان قرار (د.كينج شولتز) بقتل (كالفين كاندي) في فيلم (كوانتين تارانتينو) “جانجو المتحرر من الأصفاد”.

في ملحمة (تارانتينو) هذه التي تدور في منتصف القرن التاسع عشر حيث زمن فيه العنصرية والعبوديه على أشدهما، لدينا (جانجو) الذي يسعى لتحرير زوجته من وقوعها في يد الرجل الثري (كاندي) الذي يقوم باستعبادها، يتحد جانجو مع د.كينج ويتفقان على خطة يقومان فيها بشراء الزوجة بدون معرفة (كاندي) بصلة جانجو بها. تفشل الخطة ولكنهما يتوصلا لإتفاق مع (كاندي) لشراء الزوجة بمبلغ باهظ، ومع أنّ الأمور كانت تسير جيدًا إلا أنّ كاندي المغرور أصّر على تفصيل بسيط من باب استثارة د.كينج، وهو ما نجح فيه إلى بامتياز.

شاهد المشهد الرائع بين (د.كينج شولتز) أو الممثل الألماني (كريستوفر فالز) الحائز على جائزة الأوسكار عن دوره هذا لأفضل ممثل في دور مُساعد، وبين (كالفين كاندي) الذي أدى دوره (ليوناردو دي كابريو) في واحدًا من أجمل أدواره.

“أنا آسف، لم أستطع أن أُقاوم”

ولا كنا نحن سنستطيع مقاومة هذا الاستفزاز كله يا (د.شولتز)، صحيح أنّ قرارك بألّا تصافح السيد (كاندي) قد كلّفك حياتك، وهي العاقبة الوخيمة، ولكنه قد كلّف هذا الوغد السادي حياته أيضًا، وهو القرار الصائب.

لن نلومك بعد اليوم يا (د.شولتز).. يمكنك الآن أن تستريح في قبرك.

3

شاركنا رأيك حول "قرارات حاسمة وعواقب وخيمة: أفلام تجعلك تعيد النظر في قراراتك"

أضف تعليقًا