ما بين المهرجانات وزمن الفن الجميل...هل غنى نجوم الطرب الأصيل أغاني خليعة في زمانهم؟
0

في السنوات الأخيرة شاهدنا تصاعد أغاني المهرجانات وزيادة شعبيتها بصورة كبيرة جدًا، وبالأخص بين الشباب بشكل ملحوظ، وأصبحت هى الشكل الجديد الذي يفضله البعض، بينما يرفضه البعض الآخر معللين رفضهم لها بأن كلماتها تحمل الكثير من الألفاظ والعبارات البذيئة والمبتذلة، التي لا تناسب ثقافتنا، حتى أن نقابة الموسيقيين بدأت هجومها على مطربيها، وأصدرت قراراتها بمنعهم من الغناء، بسبب ما يقدموه.

وظهرت المقارنات المتواصلة بين ما يقدمه “حسن شاكوش” و”حمو بيكا”، و”مجدي شطة” وغيرهم ممن سبقوهم في المهرجانات، وبين نجوم الطرب الأصيل أمثال: “أم كلثوم“، و”عبدالوهاب”، و”فيروز“، و”سيد درويش” وغيرهم، والتحسر على ذلك الزمان الذي “راح وراحت أيامه”، وأن ما قدمه هؤلاء النجوم هو ما يستحق أن نستمع إليه بالفعل، وأنهم لو كانوا حاضرين في زمننا الحالي، لصبوا لعناتهم على “بيكا” وأعوانه.

ولكن بعيدًا عن مدى تأثير هذه الأغاني الجديدة على مستمعيها، السؤال الذي نطرحه الآن هل كان مطربين المهرجانات هم البداية في تقديم الكلمات الخليعة والبذيئة، أم أن هناك من سبقوهم في تقديم أغاني مشابهة؟

في الحقيقة أن الأغاني الخليعة تاريخها ليس بالجديد في عالم الغناء العربي، وربما المفاجأة أن من ضمن من غنوا تلك الأغاني كان نجوم الطرب الأصيل أنفسهم، ولكن قبل أن نتحدث عن الأغاني الخليعة التي قدمها نجوم الزمن الجميل، دعونا نلقي نظرة على البدايات الحقيقية لهذه الأغاني.

أقرأ أيضًا: مهرجانات سينمائية أونلاين لـ 6 دول حول العالم .. ظاهرة فنية جديدة في 2020

بدايات ظهور أغاني الخلاعة

لا يوجد تأرييخ واضح ومحدد لبداية ظهور الكلمات البذيئة في الأغاني، حيث أن كثير منها ظهرت حتى مع الأغاني الشعبية والتراثية، التي غناها المصريون وتداولوها فيما بينهم في ظروف وأوقات معينة، والتي يكون أغلبها في أوقات الزفاف، مثل بعض الكلمات الشهيرة والتي تقول فيها المطربة: “يا اللي على الترعة حوّد على المالح”، “وسطي بيوجعني” فترد المجموعة: “من ايه؟ “، فتقول المطربة: “وسطي بيوجعني من رقص امبارح”، ثم تكمل غنائها بالإشارة إلى أجزاء أخرى من جسدها بأوصاف مختلفة.

وكذلك بعض الأغاني الأخرى مثل: “هلبس لك لموني وأقلع لك لموني.. حاسب على عيوني ليلة الصباحية”، وغيرها من الأغاني التي توارثتها الأجيال، دون معرفة تاريخ ظهورها تحديدًا.

ولكن في فترة العشرينات والثلاثينات، ظهرت الأغاني الخليعة والإباحية بشكل أكبر، وأصبح لهذا النوع رواده من المطربين أمثال: “منيرة المهدية”، “نعيمة المصرية”، “بهية المحلاوية”، و”رتيبة أحمد” التي أُطلق عليها لقب “مطربة الدحة والكخة”، كما ظهر ما يُسمى ب “الطقطوقات”، في الفترة ما بين 1910 حتى 1930، وهو أحد أشكال الغناء الذي اتصفت كلماته بالخلاعة والإبتذال، وكتبها أشهر الشعراء وقتها، وكان منهم “بديع خيري” و”بيرم التونسي”، ولحن كلماتها “زكريا أحمد”، و”محمد القصبجي” وغيرهم.

فغنت “منيرة المهدية”: “بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة”، و”نعيمة المصرية” التي غنت “هات الإزازة واقعد لاعبني”، في طقطوقتها الشهيرة “تعالى يا شاطر نروح القناطر”.

كوكب الشرق..موسيقار الأجيال..فنان الشعب وأغاني الخلاعة

من المطربين الذين قدموا أغاني تحتوي كلماتها على الخلاعة بل والإنحلال أحيانًا، كوكب الشرق “أم كلثوم”، والتي قدمت أغنية “الخلاعة مذهبي”، والتي قالت فيها “أنا الخلاعة والدلاعة مذهبي..من زمان أهوى صفاها والنبي..لما يخطر حبى عندى بمشيته..تلقى قلبى له يميل من فرحته”، إلا أنها تراجعت عنها وسحبت الإسطوانات من الأسواق، ودفعت تعويضًا لشركة الإنتاج، وقامت بتعديل كلماتها لتصبح “أنا اللطافة والخفة مذهبي”، وهى كلمات “يونس القاضي”، وألحان “أحمد صبري”.

موسيقار الأجيال “محمد عبدالوهاب” قدم هو الآخر أغاني خليعة مثل أغنية “سيجارة وكاس”، والتي قالت كلماتها: “الدنيا سيجارة وكاس للى هجروه الناس..يا ويل اللى مالوهش كاس..آه يا ويله..لما بيوعدنى حبيبى ويسوق عالقلب دلاله..أشرب على قد نصيبى ولوحدى أناجى خياله.. ألاقيه على وش الكاس جانى وفات كل الناس.. والدنيا سيجارة وكاس”.

وكذلك غنى “عبدالوهاب” أغنية “فيك عشرة كوتشينة في البلكونة”، وهى كلمات “محمد يونس القاضى”، وألحان “سيد درويش”.

أما فنان الشعب “سيد درويش”، فقد قدم عدد من الأغاني الخليعة التي لا تقل إسفافًا عن المهرجانات، حيث كان في عصره ما يُسمى بأغاني “الهنك والرنك”، والتي قُدمت في عشرينات القرن الماضي، واعتمدت كلماتها على الخمر والمخدرات والجنس،

فلحن “سيد درويش” أغنية ل”الكوكايين”، وغنتها “منيرة المهدية”، والتي تقول فيها:”إشمعنى يا نخ الكوكايين كخ..ده أكل المخ هلكنا..اعمله على غيرنا جاي لي تطخ..وجاي تبخ..شطب هو أنت شريكنا”، وهى من كلمات “بديع خيري”.

كما قدم “سيد درويش” أغنيته الشهيرة “التحفجية” أو “الحشاشين”، التي تقول كلماتها: “يا ما شاء الله ع التحفجية..أهل اللطافة والمفهومية..اجعلها ليلة مملكة يا كريم..ده الكيف مزاجه إذا تسلطن..أخوك ساعتها يحن شوقا.. إلى حشيشي ميتى ميشي..اسأل مجرب زي حالاتي..حشاش قراري يسفخ يوماتي”.

وهى أيضًا من كلمات الشاعر “بديع خيري”، وقُدمت في إحدى مسرحيات “نجيب الريحاني“، وهى مسرحية “رن” في عام 1919، وهى رغم كلماتها الجريئة إلا أن البعض يرى أنها لا تحمل دعوة لشرب الحشيش، وإنما نوع من السخرية على حال الحشاشين.

وليس هؤلاء النجوم فقط بل غنت أيضًا المطربة “فيروز” أغنية “مش كاين هيك تكون”، كما غنى الشيخ “سيد مكاوي” بعض الأغاني البذيئة والمنحلة، وغيرهم من المطربين الذين قدموا أغاني من بذاءتها لا يمكننا نشرها.

هل ارتبط الأمر بالتغييرات السياسية والاقتصادية؟

كثير من الباحثين في التاريخ يرون بأن إنتشار الأغاني المسفة، وأشكال الفن بشكل عام التي تعتمد على الإنحلال والخلاعة، يرتبط بشكل أو بآخر بالتغييرات السياسية، والإحباطات التي يفرضها واقع الحياة، خاصة مع تدهور الحالة الإقتصادية أو زيادة معدلات الفقر والجهل، والذي ينتج عنه بطبيعة الحال الإسفاف والهبوط الفني، وهو أمر موجود في كل عصر.

فبحسب ما جاء بكتب المؤرخين المصريين، فإن إنتشار أغاني الخلاعة بشكل أوسع نطاقًا حدث بعد فشل ثورة 1919، وشعور الجميع بالإحباط بعد سقوطهم تحت يد الإحتلال، الأمر نفسه الذي يتشابه مع ما حدث في مراحل أخرى لاحقة عقب هزائم تعرض لها الشعب المصري، مثل نكسة عام 1967، فكون الفن مرآة لما يحدث في واقع الحياة، فإنه يتأثر هو الآخر بحالات الإحباط والإنفلات الأخلاقي، ويصبح رد فعل على ما يحدث في الواقع الجديد.

أقرأ أيضًا: أغاني المهرجانات لماذا نتبرأ منها ونسمعها؟

سيد درويش مطرب ثورة 1919

كما يرجح البعض الآخر سبب إنتشارها إلى عدم وجود “رقابة” في ذلك الوقت، حيث أن تداول الأغاني كان يحدث من خلال الإذاعات الأهلية الموجودة وقتها، والتي كانت تبث الأغنيات لمناطق محددة، ويستمع إليها سكان المنطقة فقط، وكان لكل منطقة إذاعة خاصة بها.

ويمكن القول بشكل أو بآخر أن للإثارة دورها في ظهور مثل هذه الأعمال على السطح، فبعض الدراسات ترى بأن الإثارة الجنسية ويليها السياسية ثم الإجتماعية، تحتل حيزًا كبيرًا في أشكال الفكاهة والسخرية، مما يجعلها الأكثر إستخدامًا في أغاني الخلاعة بشكل عام.

ولكن هل يمكن القول بأن ما يُقدم هو نوع من أنواع استغلال الإثارة لتعويض غياب الموهبة، أو نتيجة متوقعة لغياب الثقافة الفنية والقدرة على تذوق الفن، أم أنه لون من ألوان الغناء الموجودة في كل زمان منذ سنوات طويلة، ويسمعها الكثيرين ولها جمهورها الذي يفضلها دون غيرها.

محبي أغاني المهرجانات ارتكزوا على تلك الأغاني الخليعة، كنوع من أنواع الدفاع عن اللون الجديد الذي يفضلونه، وذلك بأنه حتى نجوم الفن الجميل والأسامي العملاقة في عالم الطرب والغناء، غنت للحشيش والجنس، واستخدمت ما يُسمى بالكلمات السوقية في أغانيها من قبل.

ولكن على النقيض، لا يمكن إغفال أن بعض الأغنيات التي قدمها نجوم الطرب رغم كلماتها البذيئة، إلا أن بعض الناس يشيدون بألحانها، ناهيك عن صوت أصحابها المميز والذي لن يتغير بطبيعة الحال، وفي كثير من الأحيان يُعجب المستمعين بتلك الأغنيات، رغم أنها اُعتبرت في زمانها أغاني خليعة وسوقية، لكنها بالنسبة لآخرين كنز ثمين، وواحدة من أشكال التراث الغنائي الذي يحتفظون به، ويفضلون سماعه بإعتباره من النوادر.

فهل السبب هو أننا مُغرمين بالنوستالجيا وبكل ما هو قديم؟ أم لأن الإرث الذي تركه هؤلاء الفنانين من أغاني ذات قيمة كبيرة، هو ما جعل البعض يحب حتى خلاعتهم أحيانًا، ويراها جزء من كنزهم الذي تركوه للأجيال التي تلتهم.

وهنا نتساءل هل بغنائهم لتلك الأغاني تأثر فنهم الذي قدموه على مر تاريخهم؟ والسؤال الأهم أي الأغاني التي نتذكرها لهم أكثر، الأغاني التي عرفناها وسمعناها لسنوات أم الأغاني الخليعة التي غنوها في وقت من الأوقات فيما مضى؟

نترك لكم الإجابة على هذا السؤال.

0

شاركنا رأيك حول "ما بين المهرجانات وزمن الفن الجميل .. عندما غنت أم كلثوم “أنا الخلاعة مذهبي”!"