فيلم Ma Rainey's Black Bottom
0

هناك أفلام تقدم لك المتعة والتسلية والتشويق والإثارة فقط.. وهي غايتها. وبعض الأفلام تطرح قضايا تخص الكون أو المجتمع، تطلق العنان لدماغك وتعمل على تحريضه للبحث والاكتشاف. وأفلام تكون بمثابة فيلماً وثائقياً (شبيهة بذلك)، تقدم لك المعلومات بتمثيلية جميلة مدهشة. وتكشف لك النقاب عن أمور ومواضيع كنت تجهلها. كما يوجد أفلام تغادرك مع اختفاء الشارة، أو المشهد الآخير حتى. وأخرى لا تغادرك بتاتاً، وتترك أثرها الجميل في النفس. وأفلام، وأفلام متعددة ومختلفة، لكلٍ منها أسلوبها، ومرادها. طرحت شبكة نتفليكس العالمية، والملقبة بعملاق البث الرقمي، يوم 18 ديسمبر / كانون الأول، فيلم Ma Rainey’s Black Bottom . وقبل مشاهدة هذا الفيلم لم أكن أملك أدنى معلومة ولو بسيطة عن ما يسمى بموسيقى البلوز. فلجأت لمحرك البحث غوغل، عقب الانتهاء من مشاهدته.
لمعرفة تاريخ هذا الفن، وهويته الإبداعية.
لأصدم بمعلومة معينة مفادها أن الروك أند رول، والهيب هوب، والبوب، والجاز، جميعها أنماط موسيقية متفرعة من موسيقى البلوز. كل تلك الأنماط المتنوعة نسمعها بكثرة في حياتنا، أو رافقتنا إحداها بمرحلة ما. في المراهقة أو الشباب. إلا أن المثير في القصة، عدم إدراكنا للموسيقى الأم. الرئيسية.
أغاني البلوز تتمحور حول قصص المجتمع الأميركي، بدأت تنتشر أوائل القرن التاسع عشر بعد تهجير الأفارقة أصحاب البشرة الملونة. فكانت وسيلة للتعبير عن أحزانهم ومآسيهم، كموسيقى وكلمات، ومغنى كذلك الأمر. ضمن بيئة مجتمعية ترفض عرقهم، وتتعامل معهم باستعلاء لاختلافهم عنهم بلون بشرتهم. مع أخذ القليل من حقوقهم، وتحررهم من العبودية، بدأت موسيقاهم بالانتشار. وبات البيض يسمعونها ويفضلونها، وابتكروا فيها بمرور السنين.

قصة فيلم Ma Rainey’s Black Bottom

تجري أحداث فيلم ما ريني بلاك بوتوم، في عشرينيات القرن المنصرم. يتحدث عن المغنية الأميركية من أصل أفريقي ما ريني، الملقبة بأم البلوز أو بملكة موسيقى البلوز، وأعضاء فرقتها الموسيقية. الفيلم مستوحى من إحدى مسرحيات الكاتب “أوغست ويلسون”.
الحكاية تسرد وقائع يوم واحد فقط، حيث تذهب ما ريني وفرقتها لإحدى الاستديوهات لتسجيل أسطوانات غنائية. مقر الاستديو مدينة شيكاغو العنصرية، ويتضح ذلك في أكثر من موقف خلال العمل. مثال على ذلك نظرات السكان والمارة، لأعضاء الفرقة أثناء مرورهم في شوارع المدينة. وعند اصطدام سيلفستر ابن أخت ما ريني بسيارة أخرى وتجمع الناس من حولهم.
مشاكل كثيرة ترافقهم خلال يوم التسجيل، منها فرض ما ريني سيلفستر على فرقتها، لتسجيل مقدمة الأغنية، وهو يعاني من مشكلة التلعثم أثناء الحديث.
ورغبة ليفي عازف البوق في الفرقة (يؤدي دوره الممثل الراحل تشادويك بوسمان)، وتحدي ما بتقديم الأغنية بتوزيع جديد راقص وحيوي يلفت الانتباه أكثر، حسب وجهة نظره. لأنه يشعر بالموسيقى التي يؤلفها.
مشاغبات ليفي ونقاشه الحاد يودونه لارتكاب فعلٍ أحمق، بغياب الوعي وسيطرة الآنا في لحظة معينة. مشهد قتل توليدو (يؤدي دوره جلين درومان) كان صادماً، وغير متوقع أن تصل به الحال لهذه السوداوية تجاه الغير.
يذكر أن شخصية ليفي والتي أداها ببراعة لافتة وإتقان كانت الأداء الآخير لبوسمان، وعرضت قبل أن يشهد ردة فعل الجمهور والنقاد، بسبب وفاته في أب الماضي بسرطان القولون.

ما ريني ملكة البلوز وفيولا ملكة التمثيل

فيلم Ma Rainey's Black Bottom

تجسد شخصية ما ريني الممثلة الممتعة “فيولا ديفيس”، والتي تثبت عملاً أثر أخر أنها أيقونة فيما تصنع وتلعب.
تعرفت على فيولا ديفيس في عام 2014 من خلال سلسلتها الشهيرة How to get a way with murder ، بشخصية المحامية وأستاذة القانون أناليس كيتينغ.
وحين علمت أن فيلم ماريني القاع الأسود من بطولتها، تحمست للمتابعة.
ببساطة ممثلة لا تدع الملل والندم يتسلل إليك لمشاهدتها. تعرف كيف تزجك في تفاصيل الشخصية، بأداء مشبع ومكثف. غنية بنظراتها وبلغة جسدها.
شخصية ما في الفيلم مغرورة، وأنانية، وقوية، وجامحة. جريئة بإعلان ميولها الجنسية في تلك الحقبة الزمنية. رافضة لسلطة البيض عليها، كونها مطربة مشهورة وتتمتع بصوت قوي، هي في موقع قوة تريد أن تنتقم من البيض على عنصريتهم. لذا لا تخضع لكلام مدير أعمالها وصاحب الاستديو، كلمتها هي الفيصل. حتى أنها لا تسجل أغنياتها قبل شرب الكوكا كولا. فهي تعي جيداً أنهم يستغلونها، كمغنية سوداء، لمقدراتها الصوتية وشعبيتها. لتحقيق الملايين من وراءها.

حوار درامي ثري

فيلم Ma Rainey's Black Bottom

أهم عنصر من عناصر العمل، النص، للكاتب “روبن سانتياجو هدسون”. روى لنا حكاية العنصرية من منظور مختلف، ضمن عمل فني درامي موسيقي. أبدع بخلق صور فنية واقعية، بيد أن أحداث الفيلم غير حقيقية برمتها، عدا شخصية ما ريني أم البلوز. لكن ما يحدث في هذا اليوم، يمكن أن يحدث أو حدث فعلاً، ويتكرر باستمرار.
وازى بين خط ما ريني، وخط الفرقة، بحوارت دسمة في غالبية المشاهد.
كحوار ما ريني وكاتلر (يؤدي دوره كلومان دومينجو)، حين أخبرته أن “البيض لا يهتمون بي كل مايريدونه هو صوتي”. غايتهم استغلالها فقط، ومن ثم يتخلون عنها.

وأيضاً الحوارات الأقرب للفلسفة لكن بأسلوب بسيط، والتي دارت بين أعضاء الفرقة في قبو الاستديو، وكأنها استخدمت دلالة على الفوقية تجاه الملونين (القبو/ الاستديو).

نقل التوتر الحاصل بين سود الجنوب وسود الشمال. كما تناول عنصرية البيض تجاه السود، ونضالهم في مجتمع متهكم حاقد يهدد وجودهم في كل لحظة.
جعلنا نتفاعل مع الشخصيات، رغم أنه لم يأخذنا لعوالم كل منها، وماضيها، لفهم سبب سلوكها الحالي. عدا شخصية ليفي رأينا فعله، وسبب رد الفعل. حكى بلسانه معاناته مع ذكرى تعرض أمه للاغتصاب على يد حفنة من البيض، وهو في عمر ال 8 سنوات.
دون أن ننسى تفاصيل لها علاقة بالملابس والديكورات نقلتنا بأمانة لتلك الفترة من الزمن.
كما يحسب للمخرج “جورج س.ولف”، اختيار كادراته بعناية، لدرجة تتناسى طول الوقت في بعض المشاهد. لا ملل. على العكس مدة الفيلم كانت قصيرة، كان يحتمل التطويل بعد. فالمتعة تجرعناها في تحفة نتفليكس الجديدة.

أقرأ أيضًا: تريلر فيلم Ma Rainey البطولة الأخيرة لتشادويك بوسمان

0

شاركنا رأيك حول "فيلم Ma Rainey’s Black Bottom .. الدور النهائي لتشادويك بوسمان وحكاية أخرى عن العنصرية"