اسماعيل ياسن، فؤاد المهندس، سمير غانم و عادل إمام
0

“الشيء الذي يغني من يأخذونه ويزيد من يعطونه هو الابتسام .”

تشارلي تشابلن

تعرف الكوميديا وفق لـ إبراهيم حمادة على أنها: “هي مواد قولية وفعلية مصاغة بشكل مسرحي تهدف إلى توليد جو عام مرح من خلال عرضها، بالإضافة إلى إثارة ابتهاج المشاهد وابتسامته ومن ثم يحدث التطهير من القلق والأسى والرذائل احيانا”. ومنذ الملهاة الإغريقية وحتى الان لا يمكن إنكار أهمية الكوميديا ولا الكوميديان نفسه، وفي الوطن العربي ومصر بالأخص حصدوا مكانة كبيرة في قلوب الجماهير على مدار السنين. ويمكن توضيح أربع مدارس رئيسية في مصر نعرضها لك عزيزي القارئ في هذا المقال:

  1. إسماعيل ياسين- أبو ضحكة جنان
  2. فؤاد المهندس- الأستاذ
  3. سمير غانم
  4. عادل امام-الزعيم

إسماعيل يس: التجسيد الفعلي ل ” من رحم المعاناة تولد الابتسامة”

اسماعيل يس مع أبنه صغيراً

“نعم الموت صعب ، لكنه ليس أصعب من تمثيل الكوميديا وأنت بائس.”

إدموند جوين

إسماعيل يس علي نخلة مواليد السويس عام 1912 وتوفي عام 1972 عن عمر يناهز  59 عاما . بدأ نشاطه الفني في عام 1935 واستمر حتى وفاته ليثمر عن مجموع أعمال تقدر ب 500 فيلم و 60 مسرحية تقريباً والعديد من المونولوجهات بالإضافة إلى الكثير من الإفيهات الخالدة حتى الآن.

بدأ يس مشواره الفني كـ مونولوجيست في الكازينوهات وبعدها انتقل للأعمال السينمائية والمسرح -الذي لم يصلنا منهم إلا مسرحية واحدة -بسبب استخدام الشرائط الخاصة بهم لتسجيل مباريات كرة القدم من قبل هيئة الإذاعة والتليفزيون- . وبالرغم من رغبته الأساسية التي جعلته يترك السويس ويأتي للقاهرة هي الغناء إلا أنه نجح في إضحاك الناس أكثر من أي شيء آخر

تعتمد كوميديا سمعة -الاسم الذي يناديه به اصدقائه ويفضله – على متلازمات تشبه القوالب سواء على مستوى الإفيهات مثل إفيه “فتشني فتش” المتكرر، أو مستوى الأداء الجسدي والتعبيرات مثل تعبيرات وجهه وشفتيه المشهورة. لتصل القولبة حتى إلى عناوين ومواضيع أفلامه فهناك 15 فيلم يحملوا اسمه مثل ( إسماعيل يس طرزان، عفريتة إسماعيل يس، إسماعيل يس في متحف الشمع وإسماعيل يس بوليس حربي) تدور أحداثها تقريباً في نفس الإطار واستخدام نفس الإفيهات. ومع ذلك فهم حتى الآن الأفلام المفضلة للكثيرين وحتى الإفيهات المكرره تسبب الضحك للجمهور حتى الآن.

منذ منتصف الستينات أصبح إقبال الجمهور -والمنتجين بالتابعيه- على أعمال إسماعيل يس ينخفض تدريجيا وبالأخص بعد صعود نجم أجيال جديدة في الكوميديا مثل عبد المنعم مدبولي وفؤاد المهندس وكذلك ثلاثي أضواء المسرح. التكرار وعدم مواكبة روح العصر كانوا عوامل أساسية في تراجع نجمه ليعيش في أخر أيامه أيام صعبة بعد الحجز على أمواله واضطراره للعمل ك مولوجيست مرة آخرى والسفر لـ لبنان للعمل في أدوار قصيرة، كلها عوامل أتعست المضحك يس. فيحكى أنه في الليلة الأخيرة قبل وفاته دخلت عليه سعاد مكاوي -صديقته- غرفته في الكازينو وجدته يبكي ليصعد بعدها ليضحك جمهور الصالة لأخر مرة.  

أقرأ أيضًا: مشاهد “تنمّر” اعتمدت عليها الكوميديا لسنوات، هل يجب أن تُحذف؟

فؤاد المهندس: حياة بين الحزم واللين، الشدة والدلع، الكوميديا والدارما

فؤاد المهندس مع شويكار

“انا ملقتش حد يدلعني يا أستاذ مفيد، مفيش حد استناني على غدا”

فؤاد المهندس

في منزل الدكتور زكي المهندس عضو مجمع اللغة العربية بحي العباسية نشأ طفله فؤاد في بيئة مثقفة كانت السبب الأساسي في بناء شخصيته  من حزم وثقافة واتقان وتمكن من اللغة العربية. مع ذلك يوضح فؤاد في لقاء له مع مفيد فوزي أن والده “دلعه” لأنه يعرف جيداً تأثير الدلع والحنان في شحن طاقة أبنه للإنتاج والأبداع، ومن تلك الثنائية السوية في التربية يبدأ تشكيل شخصية الأستاذ الفنية ومدرسته وهي الكوميديا الدرامية.

تعرف الكوميديا الدرامية وفقا لنفس المرجع السابق على إنها عمل يحتوى على سمات الكوميديا بالإضافة إلى بعض من الدراما ولكنها تنتهي نهاية سعيدة. الحقيقة أن مصدر الكوميديا عند المهندس هي حزمه نفسه، فيعتمد على وقاره الشكلي الذي يعطي في البداية فكرة جادة حازمة عنه لتكون المفارقة هي أن نفس هذا الشخص الصارم هو من رمى الإفيه بعدها سواء عن طريق تغير نبرة صوته أو مستخدما مقوماته الجسدية ومن هنا يبدأ الضحك. وبالرغم من الكوميديا إلا أن أعماله في النهاية تناقش قضية وتوصل رسالة للمتفرج. والمثال الأقرب من أعماله بهذا النمط هو مسرحية هالة حبيبتي فبها الضحك والغناء للأطفال وللكبار تسليط الضوء على مشكلة الملاجئ وسوء معاملة الأطفال به.

قدم فؤاد المهندس على مدار سنوات نشاطه الفني التي امتدت حوالي 50 عام تقريباً حوالي 70 فيلم و17 مسرحية والعديد من الأغاني، كما عرف عنه حبه للأطفال وأهتم بتقديم الأعمال الفنية المناسبة لهم وأشهرهم فوازير رمضان بعنوان “فوازير عمو فؤاد” في الإذاعة. ومع أحداث النكسة وحالة الكأبة العامة عند الجماهير بسبب احساسهم بالهزيمة شعر المهندس أنه من واجبه تجاه المجتمع أن يحاول إدخال البهجة على قلوبهم فانتج حوالي 11 فيلم يتسمون بالكوميديا – الممزوجة بالدراما بالطبع- خلال عامين 1967 و 1968. 

رحل فؤاد المهندس عن عالمنا عام 2006 عن عمر يناهز 82 وخلف وراءه تاريخ طويل من الأعمال وملايين الضحكات للجماهير، ولا يمكن كذلك إخفاء دوره في اكتشاف نجوم كثيرة أمثال شريهان وأحمد فلوكس كما يذكر له اكتشاف عادل إمام زعيم الكوميديا في مصر.

سمير غانم: الضحك قبل كل شيء

سمير غانم ونضاراته غريبة الشكل الشهيرة

 “يوم بلا ضحك هو يوم ضائع .” 

تشارلي تشابلن

كوميديا الفارص هي نوع من أنواع الكوميديا، تهدف بشكل أساسي إلى الضحك فقط، وبه يتم استخدام كافة عناصر العمل الفني (سواء مسرحي أو سينمائي) في تحقيقي الضحك. فمثلا في المسرح يتم استخدام النص والممثلين والاكسسوار والملابس والاضاءة في محاولة صنع الضحك. وعند ذكر كوميديا الفارص لا يمكنك عدم ربطها ذهنيا بصورة الكوميديان سمير غانم. بدأ سمير غانم رحلته الفنية كـ جزء من فرقة ثلاثي أضواء المسرح الاستعراضية التي لاقت نجاحاً كبيراً وقدمت العديد من الأفلام والمسرحيات. بعد موت الضيف أحمد حُلت الفرقة ليشق غانم طريقة وحيداً في مشواره الكوميديا. 

سمير غانم مواليد أسيوط عام 1937 خريج كلية الزراعة بدأ حبه و شغفه بالمسرح والكوميديا منذ التحاقه بالجامعة. وعلى مدار مشواره الفني وحتى الآن لم يشارك غانم في أعمال غير كوميديه إلا نادرا يكادوا يحصوا على أصابع اليد الواحدة. فكان دائما وأولاً الغرض عنده هو الضحك، فعلى حسب تصريح له سابق أنه لم يقرأ كتاب واحداً في حياته، ولا يهتم كثيرا بالنزاعات السياسية ولا يحاول أن يحتك بأي من الأمور التي قد تثير الجدل. 

أما عن أدائه التمثيلي ففي البداية لا توحي ملامحه وسماته الجمسية بأي نوع من أنواع الكوميديا، ولكن مع ازياءه واكسسوراته المميزه ولغة جسده و وجه تبدأ ملحمة كوميدية لا مثيل له، فمن منا لا يضحك -ولو بعد رؤية المشهد مئات المرات- على شكله في مسرحية المتزوجون عندما يفشل في إصلاح بدلته وإيفهه الشهير “جيت الم الجاكته البنطلون ضرب”. كما أنه الممثل الوحيد الذي لا يخجل من أفلام المقاولات التي أنتجها خلال الثمانينات والتسعينات ويوضح أن الضحك الموجود في فيلم واحد منهم أكثر من خمس أفلام حديثة مجتمعة معا، فبالنسبه له طالما حقق هدفه الأهم من التمثيل وهو الكوميديا واضحاك الأخر فلماذا يخجل إذا؟

عادل إمام: ذكائك سر استمرارك وبقائك

عادل إمام من مسرحية الزعيم

“أنا لا أزال على حالة واحدة، حالة واحدة فقط، وهي أن أكون كوميدياً، فهذا يجعلني في منصب أكبر من السياسي .”

تشارلي تشابلن

جرب أن تسافر لأي بلد عربية أو غير عربية حتى و وضح لأي شخص بشكل عشوائي أنك مصري ففي الأغلب سـ يميزك من خلال أمران: الحضارة المصرية القديمة و عادل إمام، وسيتم سؤالك مباشرة هل رأيت عادل إمام من قبل؟ 

عادل إمام لقب بزعيم الكوميديا لما له من انتشار وشعبية واسعة بين الجماهير، مواليد عام 1940 بمحافظة المنصورة.  بدأ مشواره الفني -بعد تجاربه في مسرح كلية الزراعة- في مسرح فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي بدور صغير في كلتا المسرحيتين “سري جدا” و “أنا وهو وهي” للتوالى الأعمال بعدها من سنيد لصديق البطل للبطولة المطلقة لصاحب أعلى أجر في الساحة الفنية، بتاريخ فني يحتوي على 125 فيلماً وخمس مسرحيات بطولة مطلقة على مدار 61 عاماً تقريباً أغلبها أعمال كوميدية، في حين أنه نفسه أحب الأعمال التراجيدية في بدايته في مسرح الجامعة ولم يكن يتخيل نفسه في دور كوميدي من الأساس.

 

تعتمد مدرسة الزعيم في الكوميديا على عاملين أساسيين؛ البساطة والقرب من الجمهور، فـ الإفيه عنده بسيط في إلقاءه معتمد على تعبيرات وجهية وجسمية أصبحت مع الزمن قوالب تميزه ويحبها الناس وينتظرها رغم تكرارها. أما عن عامل القرب من الجمهور فسواء في أفلامه الكوميدية أو التراجيديا فتعمد أن يمثل صورة البطل القريب من الطبقة المتوسطة التي تمثل القاعدة العريضة من جماهيره، فتجده في بنطلون الجينز وقميصه المشهورين في حنفي الأبهه مثلا يشبه كثيراً المواطن العادي، وحتى في أدواره التي يكون البطل بها من طبقة اجتماعية ومادية مرتفعة يظهر كذلك بسمات شخصية أولاد البلد التي يحبها الجمهور مثل خطاب النجاري في عريس من جهة أمنية.  

العامل الأساسي في نجاح عادل إمام هو ذكاءه، سواء على المستوى الإجتماعي أحاط نفسه بصفوة المجتمع وأصبح محبوب رجال الدولة بالرغم من مهاجمته لهم بشكل واضح في أعماله، أو حتى ذكاءه في اختيار اعماله. فنجد أعماله تتلون على حسب اللون الرائج، فعندما وجد أن الأفلام ذات العمق والبعد الاجتماعي مثل الحريف و المشبوه لا تحقق إيرادات مثل أفلامه الكوميدية أصبحت أغلب أعماله تتسم بالكوميديا، وعندما وجد أن المسرح أصبح لا ينال نفس الإقبال والشعبية بين الجمهور والاهتمام أنتقل للمسلسلات التليفزيونية منذ عام 2012 بمسلسل فرقة ناجي عطا الله وحتى رمضان الماضي يشارك كل عام تقريباً. وفي النهاية عندما فطن لمستقبل المنصات الرقمية تم طرح مسرحيته “بودي جارد” حديثاً على إحدى المنصات المشهورة بعد منع عرضها على التليفزيون كسائر مسرحياته بلا أسباب واضحة لمدة عشر سنين.  

ما هو معيار النجاح؟

باختلاف الأربع مدارس الكوميدية السابقة ستجد لكلاً منهم معيار نجاح مختلف، فمثلا عند فؤاد المهندس ستجد النجاح هو أن تضحك الناس و في نفس الوقت يخرجوا برسالة ما من العمل، عند سمير غانم فمن الواضح أن معيار النجاح لديه هو الضحك فكلما ضحك الجمهور أكثر كلما أصبح عمله أنجح. أما عن عادل إمام فبنفسه وضح أكثر من مرة أن النجاح هو أن يكون نجم شباك، فكلما زادت إيرادات أعماله يعني ازدياد نجاحه فيوضح “طول ما المتفرج نزل من بيته ودفع علشان يشوفني يبقى بيحبنى.” 

وكل مدرسة فيهم كذلك عليها مأخذ كثيرة، فلا يمكن تجاهل مشاهد التنمر والتحرش والإساءة للمرأة في أعمال إمام وغانم التي امتدت لسنوات فقط في سبيل جلب الإفيه والضحك، وبالنسبة لـ يس فحشر نفسه في قالب محفوظ سواء في الأداء أو الأعمال أصاب الجمهور بالملل وبسببه انصرف عن أعماله. أما عن المهندس فانشغاله بمناقشة قضية ما أثر بالتأكيد على كم الضحك والكوميديا الموجودين في العمل، والحقيقة أن هناك طبقة عريضه من الجماهير تريد الضحك فقط بدون تكبد عناء تعلم شىء جديد أو مناقشة قضية ما.

من الواضح أن كلاً من الأربعة مدارس أعلام مهمة في تاريخ الكوميديا المصرية والعربية، وبالرغم من التحفظات عليهم والنقد الموجه لكلا منهم، إلا إنه بالتأكيد لا يمكن إنكار أنهم أيقونة في مجالهم وقدموا الكثير للحياة الفنية وتركت أعمالهم بصمة في التاريخ الفني في مصر والعالم العربي. لا يمكن تخيل التراث الفني بدون مدرسة فيهم وبالتأكيد لا يمكن تفضيل أحدهم عن الأخرى، فالمستفيد والفائز الحقيقي من هذا التنافس هو الجمهور في الوطن العربي، فكان الهدف الأول عند هؤلاء النجوم هو محاولة رسم البسمة على شفاه الجمهور. فكم هو محظوظ هذا الجمهور!

أقرأ أيضًا: ياسر العظمة ومراياه .. 19 موسماً من الإبداع والكوميديا وذكاء الطرح

0

شاركنا رأيك حول "إسماعيل ياسين وعادل أمام وسمير غانم وفؤاد المهندس في مقارنة على عرش الكوميديا، فمن يفوز؟"