لعبة الحبار
0

ماذا نعني عندما نقول أن شيئًا ما مأساويًّا أو تراجيديًّا؟ توقف لحظة وفكر في آخر مرة استخدمت فيها الكلمة.

هل كان ذلك لوصف شيء حدث لشخص ما وكان حزينًا أو مروعًا أو غير عادل؟ قد يُنظر إلى اختفاء مادلين ماكان أو وفاة الأميرة ديانا على أنهما مآسٍ. هل كان ذلك لوصف فيلم أو برنامج تلفزيوني تنتهي فيه الأمور بشكل مؤسف للشخصيات؟ قد يُنظر إلى روني ميتشل في فيلم Eastenders على أنه شخصية مأساوية لأن كل شيء بدا دائمًا أنه يسير بشكل خاطئ للغاية بالنسبة لها.

اقرأ أيضًا: بساطة الفكرة وعبقرية التجسيد .. مراجعة فيلم parasite

Parasite فيلم قاتم فاز بجائزة أوسكار

كان فوز الفيلم الكوري الجنوبي Parasite بجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار 2020، كأول فيلم غير إنجليزي يفوز بها على الإطلاق، أكبر مفاجأة في موسم جوائز الأوسكار.

باراسيت

ويتتبع الفيلم عائلة كيم، وهي عائلة فقيرة تخطط للتوظيف لدى أسرة ثرية وتتسلل إلى منزلهم، ويعيشون عالة على نظام حياتهم، كأي كائن طفيلي يتغذى على الكائن المعيل، وهو مغزى اسم الفيلم.

قدم الفيلم -بالغ القتامة- نموذجًا يجعل كل شخص بطلًا في قصته، لا أحد يحمل طابعًا مميزًا، لا أحد منهم شرير حقًا، ولكن النظام الذي يعيشون فيه هو الشرير.

واليوم، مع وصول مسلسل لعبة الحبار إلى المركز الأول على قائمة نتفليكس في 90 دولة، وزعم الرئيس التنفيذي المشارك لـ Netflix، تيد ساراندوس، أن هناك “فرصة جيدة جدًا لأن يكون أكبر عرض على الشبكة العالمية على الإطلاق”، واحتل المركز الأول في الولايات المتحدة الأمريكية، بل وبدأ معظم المتابعين يبحثون عن أعمال كورية شبيهة، فيبدو أننا أمام تساؤل لا بد من طرحه… لماذا ينجذب الجمهور للأعمال الدرامية التراجيدية؟! وهل التراجيديا مهمة لنا كمتلقين؟!

لماذا تجذبنا التراجيدايا؟

بدأ الأمر منذ أقدم عصور الحضارة، فقد كانت العروض الدرامية للمسرح اليوناني القديم جزءًا من الاحتفال الديني والمدني السنوي المعروف باسم مدينة ديونيزيا- وهو مهرجان سنوي في أثينا، لإحياء ذكرى ديونيسوس، إله النبيذ والخصوبة والجنون. وكانت العروض المسرحية هي المحور الرئيس للمهرجان، وتضمنت نوعين رئيسيين: المأساة والكوميديا (المعروفة أيضًا باسم مسرحيات الساتير). وعلى الرغم من أنه من الصعب معرفة متى ظهرت الدراما المأساوية لأول مرة، إلا أن العديد من العلماء يشيرون إلى أن الممثل ثيسبيس قدمها رسميًّا في عام 533 قبل الميلاد.

التراجيديا

التراجيديا كمفهوم: بين الإعلام والدراما

تأتي كلمة التراجيديا من الكلمة اليونانية القديمة تراجوديا، والتي تُترجم حرفيًّا بـ “أغنية جوت”. ورجح العلماء أن الدراما المأساوية، كطقوس دينية، انتهت غالبًا بذبح ماعز أو كبش فداء. وقد تكون الأغنية بمثابة نوع من الصلاة.

ووفقًا لأرسطو، تضمنت المآسي شخصية رئيسة ذات مكانة اجتماعية عالية سقطت في إحدى الرذائل بسبب طريق الغطرسة (الكبرياء المفرط أو الغرور الذاتي، وفي المأساة اليونانية غالبًا في تحدٍ للآلهة)، أو عيبًا مأساويًا يقود لخطأ جوهري في الحكم. الأهم من ذلك، أن معاناة الشخصية المأساوية تثير في الجمهور مشاعر الشفقة والخوف والتعاطف. إذًا، فإن فكرة كبش الفداء المأساوي تتعلق بدور الذبيحة في الطقوس الدينية القديمة للتضحية.

وعندما يصل الأداء الدرامي إلى الحل، يختبر الجمهور انطلاقًا علاجيًّا لمشاعر الشفقة والخوف هذه، وقد أطلق على هذا “الجانب العلاجي من التنفيس المأساوي”. ويؤكد العديد من العلماء أن المسرح لا يزال يخدم هذه الوظيفة العلاجية اليوم.

في وسائل الإعلام، تُستخدم كلمة “مأساة” بشكل شائع لوصف الحوادث والكوارث الطبيعية وحتى أعمال العنف التي تبدو عشوائية. فهل هناك علاقة بين هذا الاستخدام الشائع لكلمة التراجيديا والمأساة كشكل درامي؟ لم تكن العروض المسرحية في اليونان القديمة لأغراض الترفيه؛ فقد قدمت الدراما المأساوية للجمهور فرصة للتفكير في قيمها الاجتماعية والسياسية والدينية. وبالمثل، كلما حدث ما يسمى بأحداث “مأساوية” في عالمنا المعاصر، فإنها غالبًا ما تدفعنا إلى طرح أسئلة بحثية حول طبيعة مجتمعنا، وإمكانية العدالة، وربما تجعلنا نفكر في فنائنا.

اقرأ أيضًا: أفلام رومانسية عظيمة ولكن شاهدها بعد عيد الحب!

التراجيديا تركز على الحياة لا على الأشخاص

يحدد أرسطو ملامح المأساة المكتوبة بشكل جيد بأنها تتكون من ستة أجزاء: الحبكة، والشخصية، والإلقاء، والاستدلال، والمشهد، والشعر الغنائي. وأهم أجزائها الحبكة ثم الشخصية. فيقول إن المأساة هي تقليد للحياة والأفعال، وليست تقليدًا للناس. ويقسم السرد الدرامي إلى قسمين؛ القصة والحبكة. القصة هي المادة الخام التي تتكون منها الحبكة، وهي الجزء الأصغر من القصة الأكبر التي يقرر الكاتب المسرحي المأساوي سردها. يقول أرسطو: “عند عمل الحبكة، يجب على الكاتب المسرحي اختيار مجموعة من الأحداث من القصة الأكبر وتنظيمها في ترتيب منطقي أو عمل موحد”.

ويجب أن يتسبب كل حدث في المؤامرة بالحدث التالي، وفي حبكة المأساة المكتوبة جيدًا، يجب أن تكون هناك لحظة انعكاس. هذه هي اللحظة التي يحدث فيها للبطل أو البطلة المأساوية تغيير جذري في الحظ، ينتقلون من الحظ الجيد إلى الحظ السيئ. على سبيل المثال، في مسرحية سوفوكليس Oedipus Rex، يحدث هذا عندما يدرك أوديب، الذي يبحث عن قاتل والده، أنه القاتل نفسه.

وحينها يجب أن يشعر الجمهور بالشفقة على البطل أو البطلة المأساوية، الشخص الطيب الذي يتحول من الحظ السعيد إلى الحظ السيئ دون أي خطأ من جانبه. يجب أن يشعر الجمهور أيضًا بالخوف، لأنهم يدركون أن البطل أو البطلة المأساوية هي شخص مثلهم، لذلك هم أيضًا قد يعانون من نفس المصير الرهيب. ويرى أرسطو أن التنفيس له تأثير إيجابي على الجمهور؛ فهو يساعدهم على تطهير أنفسهم من العيوب الخطيرة. إنهم يتعرفون على عيب البطل أو البطلة القاتل في أنفسهم ومن خلال لحظة الاعتراف هذه، يمكنهم تطهير أنفسهم من هذا الخلل، وبالتالي يصبحون أشخاصًا أفضل.

التنفيس في المسرح

جادل ممارسو المسرح الأحدث، مثل مخرج المسرح الأرجنتيني أوغستو بوال، بأن تنفيس أرسطو له تأثير سلبي على الجمهور. قال بوال إن التنفيس أداة تستخدمها الحكومات لقمع مواطنيها، من خلال جعل الناس يخافون من عواقب ارتكاب إجراءات معينة، وبذلك يمكن للحكومة أن تتحكم بشكل فعال في سلوك الناس.

هذا قد يعني أن من أهم ارتباط الجمهور بالمآسي الممتدة لأكثر من جزء على مدار حلقات يمكن أن تتعدى المئتين، هو إحساس كل منهم بأن هذا قد يقع لي أيضًا، هذا ما أشعر به تجاه تلك المسألة، وحين يقع المصير السيئ للبطل الذي تحدى القواعد، أو الأعراف المجتمعية، أو القانون أو أو أو … يشعر بأنه اتخذ القرار الأصوب بألا يثور على ما قد يراه خطأ، فيشعر بالتنفيس عن مشاعره بالرفض والثورة، فيعود إلى حياته مقتنعًا بأنها أفضل ما يمكن تحقيقه.

لعبة الحبار: عن المجتمعات غير العادلة

لعبة الحبار

وهو ما يعيدنا إلى المسلسل الأشهر في وقتنا الحالي “لعبة الحبار”، الذي تدور أحداثه في 9 حلقات، حول مجموعة من الأشخاص الذين يشاركون في سلسلة من الألعاب الغامضة للفوز بجوائز مالية ضخمة تبلغ قيمتها 38.5 مليون دولار أمريكي، في تسليط للضوء على المجتمعات غير العادلة، كما يُبرز فكرة انتشار العنف والخداع في المجتمعات التي لا تتمتع بالعدل والحرية.

يحكي المسلسل قصة البطل الذي يعاني من الفقر وهو في الـ 40 من عمره، ويحاول ربح المال بأي طريقة لعدم حصوله على وظيفة محددة، وبسبب فقره تهجره زوجته، ثم يقرر الدخول في ألعاب غامضة لكسب المال، وعندها يجد نفسه في مكان غريب مع الكثير من الأشخاص يمارسون لعبة مكونة من 6 مستويات، مع مخاطر كبيرة مميتة، وكل ما عليه هو الحفاظ على حياته والاستمرار على أمل الحصول على المكافأة، وفي كل يوم يشعر المشاهدون بأنهم اتخذوا القرار الصحيح بعدم ارتكاب الخطأ الرئيس للمأساة… (محاولة تغيير المصير).

اقرأ أيضًا: الأعمال المسرحية التي تحولت إلى أفلام عالمية

0

شاركنا رأيك حول "بعد نجاح باراسيت Parasite ولعبة الحبار Squid Game.. لماذا يحب الجمهور الدراما المأساوية؟"