مسلسل القاهرة كابول
0

يمكن وضع تفسيرات ورؤى للعمل الفني الواحد بعدد العيون والعقول التي تشاهده، وعند مشاهدتي لمسلسل القاهرة كابول من تأليف الكاتب عبدالرحيم كمال وإخراج حسام علي، شعرت بروح وحيد حامد تجوب حولي، لمستها في كثير من التفاصيل، بل رأيته في بعض المواجهات والجٌمل الحوارية، ربما ذلك لحبي الشديد له، والشعور بتأثيره في الأعمال الفنية من هذا النوع، التي تحمل طابعاً سياسياً وتحمل بين طياتها تفاصيل تتعلق بالجماعات الدينية المتطرفة، وبين مسلسل “العائلة” وفيلم “طيور الظلام” تراوحت التشابهات في عقلي وأنا أشاهد المسلسل.

أقرأ أيضًا: وداعًا وحيد حامد .. نصف قرن من الصراع الفكري الذي انتصر فيه

القاهرة كابول و”العائلة” .. المونولوجات الوعظية الطويلة

في مسلسل “العائلة”، من تأليف وحيد حامد وإخراج إسماعيل عبدالحافظ، كانت شخصية كامل -محمود مرسي- أحد الأركان الأساسية في العمل، هو مُعلم، ينتمي لأسرة متوسطة، لديه ابنة وولدان، أحدهما استشهد في حرب 1967، والآخر التحق بكلية الحقوق ومنها إلى النيابة.

يسعى أستاذ كامل -اسم على مُسمى- إلى الكمال دائماً، يرفض كل شيء خاطيء، يقول الحق في كل المواقف مهما كانت درجة الخطورة، هو المُصلح الذي تلجأ له الجيران في المشاكل الكبرى، ويعطي الحكم والمواعظ، ويحاول إصلاح كل شيء من حوله، هل يذكرنا هذا الرجل بأحد، نعم إنه عم حسن -نبيل الحلفاوي- في مسلسل القاهرة كابول، الذي كثرت الكوميكس الساخرة من شخصيته في العمل، بسبب ظهوره المرتبط بالكلمات الوعظية طول الحلقات السابقة.

لم يكن وحيد حامد مشهوراً بالخطابية في الحوارات بين أبطاله، لكن شخصية كامل في “العائلة” كانت الأبرز في ذلك الاتجاه، ويمكن ذلك لأن الفنان محمود مرسي، اتسم في أعماله السابقة مثل “رحلة السيد أبو العلا البشري” بهذا، ونلاحظ تشابهات كثيرة في تفاصيل كامل وحسن، كلاهما معلم، والاثنين لديهم ابن توفى، وإن اختلفت القضية التي تسببت في شهادة الاثنين، إنها تدل على اختلاف المعركة ذاتها، البداية كنا نحارب كيان مُحتل ، فيما بعد أصبحت المعركة مع كيانات إرهابية، استشهد ابن كامل في النكسة، واستشهد ابن حسن في تفجير إرهابي أثناء ممارسة عمله كمرشد سياحي.

مشهد من مسلسل العائلة

أثناء متابعة مسلسل العائلة، ربما تمر 5 دقائق وأكثر من الحلقة والأستاذ كامل في حوار مع أصدقاءه على القهوة، التي تعد مكان رئيسي في المشاهد، ويحدث نفس الشيء في مع عم حسن، كما يدعوه الجميع، ومن أكثر نقاط التلاقي بين الاثنين هو التنظير على الجيل الجديد، حينما يجلس كامل على القهوة التي اعتادها، ويجد أنها أصبحت مكتظة بالشباب، يزعجه الأمر ويقول: “الجيل الجديد إحنا بنسبة ليهم ناس ملناش أهمية.. هما مبيشتغلوش بس معاهم تمن المشاريب، لكن برة كتير أوي معهمش تمنها بيكون مكانهم الشوارع”، ويتحول النقاش مع صديقه إلى درس عن البطالة وتأثيرها على المجتمع.

 

وهذا ما يتقاطع بشكل كبير مع شخصية عم حسن الذي إذا رصدنا دوره في الحلقات التي عرضت حتى الآن سوف نجد أكثر من 50% منها وسط الشباب على القهوة ينصحهم ويسخر منهم ومن ذوقهم، والإستهزاء بذوق الجيل الجديد تيمة عامة في العمل، تظهر في موضع آخر من خلال والد رمزي وأحفاده عندما يغنوا له راب ولا يفهم ما يقولون فيطلب منهم الغناء لأم كلثوم.

 

كما نجد كامل ينصح كل شخص في المسلسل بـ جُمل -مونولوجات – طويلة، المتطرف والبواب واللبان الذي تحول إلى ثري في عصر الانفتاح والأبناء والجيران، قاموس من الإرشادات المتحرك، نرى وجهه الآخر في حسن، ولكن بصورة أكثر حداثة ومواضيع مختلفة، مثل النقاش مع الشاب الملحد أو المحبط والمُشتت، أشعر وأنا أشاهده يتحدث عن لماذا حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل ولماذا لقب طه حسين بعميد الأدب العربي أنني أجلس في المدرسة داخل حصة لغة عربية أو تاريخ، ولا أشاهد عملاً درامياً مرئياً قائم على فعل التمثيل في الأساس، والصورة التي تمتليء بالدلالات والمعاني، وليس مشاهد تلقني كمُشاهد الجُمل بملعقة مثل دواء مُجبر عليه!

القهوة والعمارة.. أماكن رئيسية في المسلسلين

رغم اختلاف زمن المسلسلين، العائلة يبدأ من زمن حرب 1967 وحتى الثمانينيات و القاهرة كابول أحدثه الرئيسية من 2009، إلا أن القهوة تعد مكان أساسي ومحوري ضمن أجواء العمل الدرامي لكلاهما، وهي المقر الرئيسي لجلوس كلاً من كامل وعم حسن، والجلسة المفضلة لهم، ومقر النقاشات الخطابية المحببة للشخصيتين.

مثال من نقاشات كامل
(كامل: “يعني ايه الحكم الإسلامي إن يقعد في كرسي الحكم رجل دين، معندناش رجال دين في الإسلام عندنا ناس يتفقهوا في الدين، ياترى واحد من دول ولا واحد من أمراء الجماعات المتطرفة دي.. ونخش في طريق كله شوك ويجي حاكم دكتاتور دموي يكون له رأي خاص في القرآن والسنة وأي حد يعارضه يقتله على طول .. والدكتاتورية الدينية من أخطر أنواع الديكتاتوريات “)

ولكن الفرق بين كلام كامل وعم حسن، أن الأول كان وحيد حامد يضعه ضمن سياق عام للكلام، ويدفع بمبرر درامي لحديث الشخصية بهذا الأسلوب، مثلا ما ذكرته في السطور السابقة “الحديث عن الديكتاتورية الدينية” كان بسبب حدوث عمليات إرهابية، أما حسن فالسياق الدرامي الذي يبدأ فيه الكلام يُبنى على أسئلة متفرقة من الشباب الجالس معهم على القهوة دون سبب لهذا الكلام.

مثال من نقاشات حسن

الشاب الأول: ألا صحيح يا عم حسن هي الدنيا فيها حاجة غلط ولا طبعها كده؟!
حسن : دار ابتلاء يا بني أومال عظمة البني آدم بتيجي من فين
الشاب الثاني “ملحد”: قصدك ورطته
حسن: عظمته في ورطته الحياة ورطة لما نعدي منها نبقى بني آدمين .. فيه الفاسد وفيه الصالح والاتنين اختبارات لبعض

في مسلسل العائلة، كان المتطرف والشهيد والحلواني -رجل الأعمال الفاسد بعد الانفتاح- ووكيل النيابة جميعهم في نفس العمارة ، وكأنها دلالة رمزية للوطن ككل الذي يجمع جميع هؤلاء ولكن كل واحد منهم يتعامل معه بصورة مختلفة، ذلك ما حدث أيضاً في “القاهرة كابول”، عمارة السيدة كما ذكروا اسمها في الأحداث، تضم الإعلامي والإرهابي وضابط الأمن والمخرج، والشهيد وأسرهم، التي أنتجت هذه الأفكار.

مشهد من مسلسل القاهرة كابولأقرأ أيضًا: روح امرأة: كتاب نسوي جديد للكاتبة إيزابيل الليندي يحطم أوثان الذكوريين

القاهرة كابول وطيور الظلام  .. من يعرف الثاني أكثر

في فيلم طيور الظلام من إخراج شريف عرفة وتأليف وحيد حامد، كان أساس القصة يقوم على ثلاث أصدقاء كل منهم لديه أفكاره وأحلامه، وهم فتحي –عادل إمام – وعلي -رياض الخولي- ومحسن -أحمد بدير- يسلك كل منهم طريق مختلف للوصول لأحلامه، الأول ينضم للنظام السياسي الحاكم، والثاني يختار طريقه مبكراً بالإنضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين، أما الثالث يكتفي بدوره السلبي محافظاً على مبادئه وأفكاره الاشتراكية التي اشتهر بها أيام الجامعة.

رغم اختلاف الأصدقاء على المستوى الفكري وكثير من التفاصيل الأخرى، عن شخصيات القاهرة كابول، ولكن يقوم العمل في الأساس على نفس التيمة الدرامية، وهم أربع أصدقاء لكل منهم أفكاره وأحلامه، أصبح عادل ضابطاً في الأمن، وطارق إعلامي مشهور وثري، وخالد مخرج ورمزي خليفة كما يتمنى.

أما عن الحوار الشهير والذي نال إعجاب الكثيرين في الحلقة الثانية من مسلسل القاهرة كابول، والذي جمع بين رمزي -الإرهابي- وعادل -ضابط الأمن- خلال لقاء الأصدقاء الأربعة، وكان مواجهة قوية وحادة بينهما، وكانت فارقة في علاقتهما، فهي نقطة التحول التي أصبح بعدها الأصدقاء إلى أعداء، وبرز ذلك من خلال التعبير المرئي، بوضع الاثنين في مقابل بعضهما وعلى طرفي الصورة.

أيضاً في الحوار حاول رمزي التلاعب بالكلام وإثبات قوته وتهديد عادل بصورة مستترة، فذكر له بعض التفاصيل عن حياة عادل الشخصية وزوجته وأولاده، مما أثار الخوف في نفس عادل وأخرج سلاحه ووضعه على الطاولة، كأسلوب تهديد ورد فعل لتلميحات رمزي.

مشهد من مسلسل القاهرة كابول

بينما وحيد حامد اكتفى بجملتين فقط للتعبير عن الصراع الشرس المتصاعد بينهما، حتى وصلا إلى إنهاء الصداقة
فتحي: بلاش نضحك على بعض يا علي مفيش صداقة أبدا مع خصومة
علي: اسمع يا فتحي أنا أعلم عنك الكثير
فتحي: أنا كمان أعلم عنك الكثير

كما يوجد شيء مشترك آخر في صداقة الشخصيات في كلا العملين، هو الفن، الشيخ رمزي كان يكتب الشعر، وعندما اجتمعوا سوياً ذكروه بذلك، وقال جزء منه في بداية لقائهم قبل أن ينقلب المشهد لعداء، كما أن علي الزناتي في طيور الظلام كان يغني ويعزف على العود، وبرز ذلك في أحد مشاهد الفيلم التي رسمت شبكة العلاقات بين الشخصيات، عندما غنوا سوياً “يا واش يا واش يا مرجيحة متخضهاش يا مرجيحة”.

مشهد من فيلم طيور الظلام

0

شاركنا رأيك حول "مسلسل القاهرة كابول .. روح وحيد حامد لازالت حَية في التفاصيل"