قبعات التفكير الست … طريقتك المثلى للتعلم البنَّاء والتفكير الإبداعي

طرق التفكير الابداعي
هدى قضاض
هدى قضاض

7 د

لطالما كانت أساليب التفكير وتطوير الفكر من اهتمامات الكثيرين، لاسيما وأنّها تثبت يومًا بعد يومٍ أهميتها ومدى صدقها وقدرتها على مساعدة الشخص وتحسين أدائِه وإبداعه. تماشيًا مع ذلك، سنحاول أن نتناول من خلال هذا الموضوع واحدةً من أهم تلك التقنيات الكلاسيكية التي اعْتُمدَت وطُرحَت في هذا المجال، والتي كانت السبب في جعل صاحبها يتربع على عرش أشهر علماء التفكير الإبداعي؛ ذاك المصطلح الذي ابتدعه بنفسه، قبعات التفكير الست .. تابع معي.


مفهوم قبعات التفكير الست

قبعات التفكير الست هو مصطلح أطلقه الأب الروحي للتفكير الابداعي إدوارد دي بونو (Edward de Bono) على الطريقة التي طورها بنفسه في هذا المجال. إنّ قبعات التفكير هي قبعات وهمية يزعم أنّ الشخص يضعها ويعتمدها خلال عمليته التفكيرية، حيث أنّ كل نمط للتفكير يقابله نوع معين ولون محدد من القبعات.

إدوارد دي بونو هو طبيب نفسي مالطي، استطاع أن يجمع بين دراساته للمخ البشري وبين أبحاثه في مجال التفكير ليطور طريقة تجمع بين الاثنين، فخلال ثمانينيات القرن الماضي، طرح كتابه ” قبعات التفكير الست ” والذي بُنِيَّ على فكرة بسيطة أساسها أنّنا نحاول دائمًا فعل الكثير في آنٍ واحدٍ، حتى التفكير، فإنّنا نسمح للأفكار بالتدفق بترتيبها الطبيعي العفوي، فيتشكل لدينا مزيج من كل ما هو عاطفي، منطقي، معلوماتي، نقدي … في الوقت ذاته، والنتيجة واحدة: تفكير عشوائي غير بناء وغير واضح.

الحل حسب هذا العالم هو تسلسل وترتيب الفكر، بحيث أنّه ينظم الأفكار ويتناول كل جوانبها، كما سنوضح بعمق في القادم من الأسطر.


ما هي أنواع قبعات التفكير الست ؟

ذو صلة
قبعات التفكير الست

هناك ست قبعات للتفكير، لكل منها لونٌ يعبر عن صفتها وسماتها، وهي كالتالي:


القبعة البيضاء.. التفكير الحيادي

يعتبر هذا النوع من التفكير أكثر الأنواع موضوعية وبساطة، حيث أنّ واضع هذه القبعة يعتمد بشكل أساسي على الإحصائيات والأرقام، فهو غالبًا ما يطرح أسئلةً واضحةً ويبحث عن إجابات مباشرة موضوعية. لا يميل للنقد أو المشاعر، بل موقفه واضحٌ وصريحٌ؛ يبحث عن أجوبةٍ متاحةٍ للجميع مجردةٍ من المواقف الشخصية أو الآراء الخاصة.

غالبًا ما يتم ارتداء هذه القبعة في بداية عملية التفكير، فالفكرة تكون في بدايتها بسيطةً ومبنية نسبيًّا على حقائق موضوعية ومعطيات واقعية.


القبعة الحمراء.. التفكير العاطفي

تعتمد هذه القبعة على كل ماهو عاطفي ومشاعري، فواضع القبعة عكس سابقه لا يبحث عن معلومات حقة موضوعية بقدر ما يعطي أهمية فائقة لحدسه ومشاعره، فمواقفه لطالما تتسم برأي شخصي خصوصًا وإن كان حدسه لم يخنه في مواقف سابقة، فسيعتبره حجر حظه الذي لا يخطئ.

بتبني هذا الموقف، تصبح العاطفة خلفية المُفكِّر المتينة التي يقبل بها أو يرفض آراء الآخرين بدل الاعتماد على العقل والمنطق.


القبعة السوداء.. التفكير السلبي

إنّ هذه القبعة تحمل كل أنواع التفكير النقدي المتشائم السوداوي، فصاحب القبعة غالبًا ما يركز على عقبات النجاح ونسب الفشل والجوانب السلبية للفكرة، ومهما اتضح أنّه منطقي فهو في الحقيقة يعتمد في تحليله على كيميائية الخوف وعدم الرضا والتردد.

إنّ هذا النوع من التفكير في حال تمت السيطرة عليه بحيث يشكل نوعًا مؤقتًا من التفكير، وليس قبعةً دائمةً معتادةً للشخص، فإنّه سيمثل جزء الحيطة والحذر الذي يجب أخذه بعين الاعتبار في العملية التفكيرية.


القبعة الصفراء.. التفكير الإيجابي

على عكس سابقتها، فالقبعة الصفراء تعبر عن التفكير المتفائل المبني على الآمال، والرغبة في تحقيق الأمر أو حل المشكلة أو القيام بالتجريب مركزًا على مجموع الإيجابيات، ونقاط القوة التي يحملها.

إنّ اعتماد هذا النمط من التفكير وفي حال كان معقلنًا لا يتجاوز إلى التهور ولا يبنى على مجرد التخمين، فيعتبر القبعة المناسبة للنظر للمستقبل، والتي ينصح بارتدائها بعد السوداء قصد تحقيق التوازن؛ فالنظر في السلبيات يستدعي وجوبًا الاهتمام أيضًا بالإيجابيات.


القبعة الخضراء.. التفكير الإبداعي

إنّ الابتكار والإبداع ينطوي تحت طية هذه القبعة، فصاحبها غالبًا ما يسأل نفسه “ولما لا …؟” باحثًا عن حلولٍ وعن أفكارٍ إبداعية مميزة بدل تلك التقليدية والمتداولة.

إنّ هذه الفكرة تعبر عن الاندفاع وعن القدرة على تجريب كل ماهو جديد غير مألوف، فالرغبة في التغيير والتميز لطالما كانت محور وصفة صاحب هذا النمط الذي يستعد لتحمل المخاطر ومواجهة المجهول من أجل تحقيق أهدافه، وأفكاره الغريبة المجنونة والمختلفة المبتكرة.


القبعة الزرقاء.. التفكير الشامل

إنّها قبعة التفكير الشامل العام، الذي يبحث بشكلٍ أساسي في طريقة التفكير نفسها، محاولًا تحديد الطريقة المثلى للتفكير، فهي تمثل قبعة القائد الموجه لاعب الشطرنج، الذي يجب أن يحرك قطعه بشكل محدد يتماشى مع اللعبة كاملةً.

صاحب هذه القبعة يمتاز بنظرته الشاملة، ويميل غالبًا إلى العمل الجماعي والتفكير متعدد الأطراف، إذ أنّه يؤمن يقينًا أنّ التفكير الجمعي أكثر نفعًا وأكثر حكمةً من التفكير الفردي.

قبعات التفكير الست

إنّ الترتيب الذي وضعت به القبعات ليس عبطيًّا، بل إنّ التفكير الإبداعي السليم يستلزم وضع وتغيير القبعات حسب هذا الترتيب الموضوع قصد الوصول إلى أفضل إنتاجية.

فالفكرة غالبًا ما تكون بسيطةً في طرحها ومصادرها (القبعة البيضاء)، لكنها سرعان ما تُنْتَجُ حولها عواطفٌ وحدسٌ باعتبار أنّ الإنسان صعب الحياد (القبعة الحمراء). ينتقل بعدها إلى مرحلة التحليل بحثًا عن إيجابياتها وسلبياتها، نقاط قوتها وضعفها، الخوف من تحقيقها والاندفاع لفعله … (القبعتين السوداء والصفراء) إلى أن تقود إلى البحث عن التميز والإبداع (القبعة الخضراء) فتتشكل بذلك النظرة العامة والشاملة حول الموضوع أو الفكرة (القبعة الزرقاء).


كيف تستخدم قبعات التفكير الست في التفكير والتعلم؟

إنّ التعرف على القبعات الست يساهم بشكل أساسي – كما أوضحنا سابقًا – في تنظيم الفكر بشكل يضمن أكبر قدر من تحقيق الإنتاجية والفعالية. أيضًا، وفي علاقته بعملية التعلم، فهذا النمط من التفكير يساهم في تدفق الأفكار بشكل متسلسل يسهل تذكرها وعدم نسيانها خصوصًا بالنسبة للمواد الدراسية الأدبية.

من ناحية أخرى، يمكن استخدام هذه القبعات خلال المذاكرة الجماعية، فالتعرف على القبعات التي يضعها الآخرون خلال النقاش أو المراجعة يساعد في اختيار القبعة الأنسب لوضعها تماشيًا مع ذلك من أجل تفادي الصدامات. فإذا كان زميلُك مثلًا، متشائمًا من الامتحان، يرتدي القبعة السوداء، ولا يرى أملًا في فهم الدرس، فيجب أن ترتدي القبعة الخضراء لتساعده على البحث عن طرق أخرى مبتكرة تسهل عليه عملية الحفظ، ولا تكتفي بالقبعة السوداء أنت أيضًا، فذلك لن يوصلكما لأي حلٍ أو فائدة.

يمكن إضافة أنّ استخدام القبعات خلال كتابة موضوعٍ دراسي أو بحث ما يقدم نظرةً عامةً شاملةً، إذ لن يقتنع أستاذك بموضوعٍ يتناول إيجابيات فكرة فقط، ولن يكتفي برأيك الخاصة في حال لم يُدعَم بمعطيات وأرقام حقيقة.

يمكن تطبيق تقنية قبعات التفكير الست في مختلف المجالات، لعزيز التفكير الجانبي والتفكير “خارج الصندوق”، بغرض الوصول إلى نتيجة عمل عالي الأداء، وأهم ما تتوصل إليه باستخدامك الدائم في عملك لهذه القبعات:

  • تنمية المهارات القيادية.
  • مواءمة فريق العمل في المجموعة، والتواصل السّلس فيما بينهم.
  • التفكير الإبداعي والمبتكر دائمًا.
  • اتخاذ قرارات نهائية جيدة.
  • تحسين إنتاج العمل مهما يكن، وإخراج منتج جيد أيضًا.
  • التفكير النقدي والتحليلي عند اعتراض أي مشكلة طريقك، وإيجاد الحلول.
  • التفكير من وجهات نظر مختلفة، أي باستخدام هذه المنهجية، ستضع نفسك مكان الإنسان الخائف، والشجاع، والمتردد، والمتفائل، ستلعب جميع الأدوار وستكنشف أهمية التنويع في طريقة التفكير.

مثال عملي

قرر مديرو شركة عقارات دراسة ما إذا كان يجب عليهم بناء مبنى مكاتب جديد، بالنسبة للاقتصاد في بلدهم فهو يسير بشكلٍ جيد، ويتم اقتطاع المساحات المكتبية الشاغرة في مدينتهم، وكجزء من عملية الدراسة واتخاذ القرار، تبنى المدراء تقنية قبعات التفكير الست.

ارتدى المدراء في البداية القبعة البيضاء، قاموا بتحليل البيانات، ورؤوا أن حجم المساحات المكتبية المتاحة يتضاءل، وبحلول الوقت أي عند الانتهاء من مبنى المكاتب، ستكون المساحة في حالة نقص شديد، وأشاروا إلى أن التوقعات الاقتصادية جيدة، وغالبًا سيستمر النمو الاقتصادي.

بارتداء القبعة الحمراء، يقترح بعض المدراء أن مكان المبنى قد يكون كئيبًا وسيئًا في الأساس، ويعربون عن قلقهم بشأن كونه غير ملهم للعمل وسينفر الناس منه. وأما بالانتقال إلى القبعة السوداء، تساءل البعض عما إذا كانت التوقعات الاقتصادية خاطئة، فربما الاقتصاد نحو تضاؤل، وبهذه الحالة، سيظل المبنى فارغًا.

ومع ذلك، يرتدي المدراء بعدها القبعة الصفراء، ويفكرون بحالة صمود الاقتصاد وكانت توقعاتهم صحيحة، فستربح الشركة أرباحًا خيالية. أو حتى في حالة الانكماش، ربما يمكنهم بيع المبنى، أو تأجيره بعقود إيجار طويلة الأمد، هذه العقود ستسمر حتى في حالة الركود الاقتصادي، لذا فهم موفقون على أية حال.

بارتداء القبعة الخضراء، يفكر المدراء بزيادة المبنى جاذبية في التصميم، بناء مكاتب مرموقة أو غير ذلك، وأخيرًا يرتدي رئيس الاجتماع القبعة الزرقاء، للحفاظ على استمرار المناقشة وتدفق الأفكار، وتبادل وجهات النظر.

إنّ التفكير هو أداة الشخص المميزة. لهذا، وجب أن يوليه الشخص اهتمامًا كبيرًا يمكّنه من الأخذ بالاعتبار جميع أفكاره ومواقفه وآراءه خلال هذه العملية، وإنّ طريقة قبعات التفكير الست مهما بدت طريفةً بسيطةً، فقد أثبتت فعاليتها في مجال التفكير والفهم.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات