0

إنّ الإنسان وما يعتريه من مشاعر وأفكار وما يجسدّه بسلوكه وشخصيته كان وما زال من أعقد المسائل التي تم البحث والتعمّق بأغوارها والكشف عن أسرارها ومفاتيحها.
تعرّف في هذا المقال على لمحةٍ موجزةٍ عن مفاهيم وتطوّرات علم النفس وانعكاساته التي أحدثت ثورةً معرفيّة بشريّة.

تخصص علم النفس

علم النفس هو دراسة العقل والسلوك بالتزامن مع فهم التأثيرات البيولوجية والضغوط الاجتماعية والعوامل البيئية التي تؤثّر على طريقة تفكير الناس وتصرّفهم وشعورهم، يتطلّع هذا المجال إلى الوصول لفهمٍ أكثر إثراءً وعمقاً للعقل وتكوينه، لمساعدة الناس على تحقيق تطّلعاتهم بالتوافق مع أفعالهم ممّا يخلق حالةً من التفاهم والسواء المجتمعي.

تاريخ علم النفس

تستند النشأة المبكرة لعلم النفس من تطوّر مفهومي الفلسفة والبيولوجيا، فكانت أولى المناقشات التي تدور حوله عبر التاريخ على يد المفكرين اليونانيين الأوائل، نذكر منهم أرسطو وسقراط.

كلمة “علم النفس” مشتقّة من نفس الكلمة اليونانيّة psyche التي تعني “الحياة” أو “التنفس”. كما تشمل المعاني المستمدّة منها كـ “الروح” أو “الذات”. يعود ظهوره كمجال دراسة منفصل ومستقلّ عندما أنشأ الفيلسوف الألماني فيلهلم فونت Wilhelm Wundt أوّل مختبر خاصّ بعلم النفس التجريبي في مدينة لايبزيغ، ألمانيا في عام 1879.

شكّلت مدارس الفكر المختلفة على مر العصور والقرون منارةً لشرح العقل والسلوك البشري، فيما يلي بعض المدارس الكبرى التي ما زالت تتبّنى أفكارها الخالدة إلى يومنا هذا §

  • المدرسة البنيويّة النفسيّة
  • المدرسة الوظيفيّة
  • مدرسة التحليل النفسي
  • المدرسة السلوكية
  • مدرسة علم النفس الإنساني
  • مدرسة علم النفس المعرفي

خصوصيّة علم النفس كعلم بحد ذاته

علم النفس هو دراسة العقل البشري ووظائفه وتأثيراته واسعة النطاق، حيث تعمل الأبحاث والدراسات النفسيّة على تطوير فهمنا للعواطف الإنسانيّة والشخصية والذكاء والذاكرة والإدراك والانتباه والتحفيز، فضلاً عن التعمّق في العمليات البيولوجية الكامنة وراء مختلف الوظائف والسلوكيات البشرية، بالإضافة لذلك يدرس الأفراد والجماعات لفهمٍ أفضل لكيفية تعايش الناس مع مجتمعاتهم وتطوير مسارات جديدة لمساعدتهم على الازدهار.

مجال علم النفس كمهنة

الهدف من علم النفس ليس فقط دراسة التفكير والسلوك البشري، بل بوضع هذه المعرفة حيّز التنفيذ، لمساعدة الناس والمجتمعات على حل المشاكل اليومية وتحسين نوعية الحياة والارتقاء بها، لذلك فإنّ علم النفس هو أيضاً مهنة مكّرسة لتحسين الصحة العقلية والرفاهية والتعلّم والأداء والتماسك المجتمعي.§

تطبيقات علم النفس

التطبيق الأكثر وضوحاً وتجليّاً لعلم النفس يكمن في مجال الصحة العقلية حيث يستخدم علماء النفس المبادئ والأبحاث والموجودات السريرية لمساعدة المرضى على إدارة وضبط أعراض الاضطرابات العقلية والأمراض النفسية والتغلب عليها، كما تتضمّن بعض التطبيقات الإضافية لعلم النفس ما يلي:

  • تطوير البرامج التعليمية
  • كفاءة بيئة العمل
  • إعلام السياسة العامة
  • علاج الصحة النفسية
  • تحسين الأداء
  • الصحة الشخصية والرفاهية
  • البحث النفسي
  • المساعدة الذاتية
  • تصميم البرامج الاجتماعية
  • فهم تطوّر الطفل ….

مجالات العمل التي تنطوي تحت تخصّص علم النفس

سيتوجب على الأشخاص الراغبين في ممارسة علم النفس وتقديم أنواع العلاجات المختلفة والقيام بالاستشارات النفسيّة بتحصيل إجازة جامعيّة (الليسانس) أو شهادة الدراسات العليا التي يسعى طلاب علم النفس الجامعيون إلى نيلها، كما يشكّل علم النفس قاعدة تعليمية صلبة للبناء عليها والانطلاق منها نحو مختلف مجالات الحياة، نذكر منها:

  • الأعمال التجاريّة
  • دراسة القانون
  • البيئة
  • عالم الجرائم والمحاكم
  • العمل الاجتماعي والتنموي
  • مراكز إعادة التأهيل والتمكين
  • رعاية الأطفال
  • تربية الحيوانات

كما تتوافر مجموعة وظائف أخرى لخريجي تخصّص علم النفس، بحيث لا تتطّلب درجة الدراسات العليا أو الترخيص، كما في:

  • مستشار توجيهي ضمن المدارس
  • مسؤول إنقاذ القانون
  • مدير موارد بشرية
  • مدير تسويق وإعلانات
  • مساعد في مجال البحوث

أنماط العلاج النفسي

استناداً على المجالات الواسعة والمتنوّعة التي يتداخل فيها علم النفس، ظهرت بعض الحقول الفرعية والمجالات التخصّصيّة المختلفة التي تتناول أنواعاً وأساليب جديدة في العلاج، منها:

العلاج السلوكي

يسعى هذا النوع من العلاج إلى تحديد السلوكيات الغير صحيّة والتي قد تكون مدمّرة للذات والعمل على المساعدة في تغييرها، المبدأ الذي يقوم عليه هو أنّ جميع السلوكيات يتم اكتسابها لذلك فهي قابلة للتصحيح والتغيير، كما يمكن تطبيقه على البالغين والأطفال الذين يعانون من الاضطرابات النفسيّة التالية:

  • الاكتئاب
  • اضطرابات القلق
  • الغضب والانفعال
  • اضطرابات الأكل والشهية
  • الرهاب الاجتماعيّ
  • الوسواس القهري
  • اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)

العلاج المعرفي

يعنى هذا العلاج بدراسة العمليات الذهنية الداخلية شاملاً كلّ ما يجول داخل العقل من مهام الإدراك والتفكير والذاكرة والاهتمام واللغة وحل المشكلات والتعلم، هناك العديد من التطبيقات العملية التي يتداخل بها، مثل:

  • التعامل مع اضطرابات الذاكرة مثل الزهايمر
  • علاج اضطرابات اللغة والنطق
  • إيجاد طرق لمساعدة الناس على التعافي من رضوض وأذيات الدماغ
  • التعامل مع اضطرابات التعلم
  • استكشاف المزيد حول كيفية تفكير الناس
  • فهم أعمق لكيفية عمل الدماغ البشرية

العلاج المعرفي التحليلي

يرتكز على عنصرين أساسيين هما الجانب التحليلي والجانب المعرفي، حيث يتضمن الجانب التحليلي من العلاج استكشاف الأحداث والتجارب السابقة في مرحلة الطفولة والتي يمكن أن ترتبط بالمشاكل الحالية التي يعاني منها المريض، وبمساعدة تقنيات العلاج المعرفي يتم تطوير أدوات جديدة تسمح بالتعامل مع المواقف بطريقة صحية وسويّة، ومن الضروري نشوء علاقة تعاطفية بين المراجع والمعالج لكسب الثقة والراحة أثناء العلاج، وخلق جوّ من الانفتاح والأمان خلال الجلسات القادمة.§

العلاج النفسي الداعم

هو علاج بأسلوب المحادثة الهادفة لتفريغ المخاوف، يهتم بجعل المريض يشعر بالراحة والطمأنينة بعيداً عن القلق، مع تعليمه طرقاً عملية للتعامل مع المعتقدات المرهقة، وزيادة قدرته على التكيف مع المواقف التي قد تسبّبت بإجهاده في الماضي§
كما أنّ هناك المزيد من العلاجات الأخرى كالعلاج الجماعي والعائلي والتحفيزي والإيحائي بالتنويم المغناطيسي… إلخ.

ما الفرق بين الطبيب النفسي والأخصائي النفسي؟

غالباً ما يتم استخدام المصطلحين “طبيب نفسي” و “أخصّائي نفسي” بشكلٍ متبادل لوصف أي شخص يقدّم الخدمات العلاجية للمرضى النفسيين، لكن المهنتين والخدمات التي يقدّمانها تختلف من حيث المحتوى والنطاق. لذلك من المهم أن تكون على دراية بالاختلافات بينهما، المفارقة الأساسيّة أنّ الأطباء النفسيين هم أطباء متخرجون من كلية الطب، يكملون أربع سنواتٍ إضافية من الإقامة في وحدات الطب النفسي والصحة العقلية ضمن المشافي، كما يمتلكون صلاحيّة وصف الأدوية بالتزامن مع توفير العلاج النفسي الداعم، بالمقابل على الرغم من أنّ العديد من الأخصائيين يحملون درجات علمية متقدّمة في علم النفس كالدكتوراه، لكنّهم ليسوا أطباء متخصّصين ومعظمهم لا يستطيعون وصف الأدوية، بدلاً من ذلك فإنّهم يوفرون فقط العلاج النفسي بأنواعه المختلفة والتي تنطوي على التدخلات المعرفية والسلوكية.

هل هذا التخصص مناسبٌ لك؟

إنّ رحلة اكتشاف التخصّص الملائم لك اعتماداً على ميولك الفطرية، ستوصلك إلى برّ الأمان الذي يضمن لك التخصّص والجامعة والمهنة التي تناسب مهاراتك وقدراتك الفريدة، فإذا كنت من الطلاب الذين يرغبون بالعمل مع جميع الناس من مختلف الفئات العمريّة، ويهتمون بفهم السلوك البشري والعمليات العقلية المعقّدة، وتمتلك المقدرة الكافية للتعامل مع الإجهاد والمعضلات الاجتماعية وحالات الضغط العالي، وتمتلك مهارات التفكير التحليلي والنقدي وحل المشكلات وقدرات التواصل الفعّالة، فمن المؤكّد أنّك ستجد شغفك وطموحك في هذا المجال.

ربّما يشكّل علم النفس علماً حديث العهد نسبيّاً، إلاّ أنّه يمتلك قدراً هائلاً من العمق والاتساع، فما زال علماؤه إلى يومنا هذا يسعون إلى فهم المزيد من الجوانب المذهلة للعقل والسلوك البشري، وإضافة معرفة جديدة إلى فهمنا لكيفيّة تفكير الناس بالإضافة إلى تطوير تطبيقات عمليّة تخدّم الإنسان في أبسط وأعقد مجالات حياته اليوميّة.

اقرأ أيضاً: أسهل التخصّصات الجامعية.. مجالها الدراسي ومستقبلها الوظيفي

0

شاركنا رأيك حول "تخصص علم النفس: مستقبله الوظيفي مجالاته والفرق بين علم النفس والطب النفسي"