تغيرت الحياة في العقدين الماضيين بشكلٍ كبير بسبب استخدام الإنترنت، واقتحام التكنولوجيا حياتنا بشكلٍ لا يمكن إيقافه، وشكّلت شبكة الإنترنت التكنولوجيا الأكثر تأثيراً على السلوك ونمط الحياة وآلية التفكير وطرق البحث.

وقد اختلفت الآراء حول فائدة هذه التكنولوجيا من جهة، والأضرار التي تسببها من جهة أخرى، ففي حين يرى أحد الخبراء أن الإنترنت يسهم في تخليص دماغ الإنسان من الذكريات الماضية حيث يعيش مع هذه الشبكة زمناً حاضراً باستمرار، يرى باحثون آخرون أن الإنترنت يضعف من مهارة الانتباه، ويقلّص فرص التأمّل، ويتسبب في عدم القدرة على التفكير العميق، كما يؤدي إلى أنماط مجتزأة ومتناثرة من التفكير ويشوّش الذهن. وفي هذا المقال سنوضّح كلاً من الأضرار والفوائد وفق دراسات الباحثين.

دراسة: الإنترنت يضعف قدرات العقل البشري والذاكرة

رغم كل الفوائد التي تصب في صالح سرعة الوصول إلى المعلومة، لكن يمكن أن تنجم عن الاستخدام المفرط للإنترنت أضرار صحية قد تدمر بنية دماغنا، ويحذر الخبراء من كثرة المعلومات التي توفرها التكنولوجيا الحديثة على صحتنا.

استخدام الإنترنت

فإذا كنت تقضي في استخدام الإنترنت وقتاً طويلاً، فإن ذلك يترك تأثيراً سلبياً في دماغك، إذ خلصت إحدى الدراسات الحديثة إلى أن الاستخدام الكثير للإنترنت يغير من طريقة عمل دماغنا، بحيث تصبح الذاكرة ضعيفة ويقل التركيز.

نتائج هذه الدراسة، التي تمت بالشراكة بين جامعة ويسترن في سيدني وجامعة هارفرد والكلية الملكية في لندن وجامعة أوكسفورد وجامعة مانشستر، تم نشرها في مجلة “الطب النفسي العالمي”، وفق موقع “هايل براكسيس نت” الألماني.

وخلص الباحثون إلى أن الإنترنت يغير بنية وقدرات العقل البشري، إذ يمكن أن يسبب تغيرات مزمنة وحادة في مجالات معينة من الإدراك، مما ينعكس على تركيزنا وذاكرتنا وتفاعلنا الاجتماعي، وفق المشرفين على هذه الدراسة.

وأظهرت نتائج الدراسة أيضاً أن الاستخدام الكثير للإنترنت يؤثر في العديد من وظائف الدماغ، فعلى سبيل المثال يؤدي التدفق الكبير للدعوات والإشعارات الصادرة عن استخدام الإنترنت إلى تشتيت اهتماماتنا باستمرار، وهذا يضعف قدرتنا على التركيز في أمر واحد، كما أوضح ذلك الدكتور جوزيف فيرث من جامعة ويسترن سيدني في بيان صحفي.

وقال الدكتور “جيروم ساريس” أحد الباحثين المشاركين في الدراسة: “إن العالم الإلكتروني قد يكون له عواقب بعيدة المدى تمثل مجموعة من المخاوف، حيث أن هذا العالم لديه القدرة على تغيير كل من هيكل وأداء الدماغ مع إمكانية تغيير نسيجنا الاجتماعي أيضاً”.

ووفق هذه الدراسة، لا يقتصر ضرر استخدام الإنترنت على البالغين فقط، بل يشمل الأطفال أيضاً، فقد حذر المشرفون عليها من إهمال الأطفال للأنشطة الضرورية لنموهم، كالعلاقات الاجتماعية والحركة، وانشغالهم معظم الوقت بالأجهزة الذكية.

الإدمان الرقمي أحد الاضطرابات النفسية

إدمان استخدام الإنترنت

تقول شيمي كانغ، وهي طبيبة نفس كندية متخصصة في تأثير الإدمان على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين: “ربط الكثير من الأطباء في الآونة الأخيرة بين الاكتئاب والقلق وعدم الرضا عن شكل الجسم وبين الإفراط في استخدام الأجهزة والتقنيات الرقمية، وباتوا يشخصون الإدمان الرقمي كأحد الاضطرابات النفسية”.

إلا أن الأجهزة والتقنيات الرقمية، كشأن الأطعمة، منها المفيد ومنها الضارّ. وإذا أردنا أن نتجنب أضرارها ونجني فوائدها، فعلينا أن نفهم أولاً كيف تؤثر هذه الأجهزة على أدمغتنا.

كيف تؤثر الأجهزة الذكية على أدمغتنا؟

تقول كانغ إن الدماغ يتفاعل مع الأجهزة الإلكترونية بما يشبه عملية التمثيل الغذائي، إذ يعمل على إفراز أنواع مختلفة من المواد الكيميائية العصبية -أي المواد الكيميائية التي تنشط الجهاز العصبي- في أجسامنا، وهي:

  • السيروتونين: الذي يُفرز عندما نكون مبدعين أو عندما نشعر أننا نسهم بدور إيجابي في المجتمع.
  • الإندورفين: أو “مسكن الآلام” الطبيعي في الجسم، الذي يُفرز عندما نمارس التأمل والرياضة.
  • الأوكسيتوسين: ويفرز الجسم هذا الهرمون عند التفاعل الوجداني مع الآخرين في ظل علاقات اجتماعية إيجابية.
  • الدوبامين: ناقل عصبي يرتبط بالمتعة والمكافأة الفورية، إضافة إلى ارتباطه بالإدمان. وقد صممت التقنيات والأجهزة الرقمية لتنشيط إفراز الدوبامين تحديداً.

إلا أن التقنيات والأجهزة الرقمية ليست كلها سواء، بل إن استخدامنا للأجهزة التكنولوجية هو الذي يحدد مدى انتفاعنا أو تضررنا منها. وهذا يعني أن الضرر المذكور في الدراسات إنما يحدث عند الاستخدام المفرط غير المدروس للإنترنت من حيث المدة الزمنية، أو أنواع التطبيقات التي نعمل عليها.

تقنيات رقمية نافعة وأخرى ضارة

استخدام الإنترنت تطبيقات جيدة وأخرى سيئة

تقول كانغ إن الأجهزة والتقنيات الرقمية الصحية هي أجهزة تحث الدماغ على إفراز السيروتونين أو الإندورفين أو الأوكسيتوسين.

وتعدّ تطبيقات التأمل والتطبيقات الإبداعية وتطبيقات التواصل التي تساعدنا على إقامة روابط اجتماعية مجرد أمثلة على التقنيات الصحية.

لكن إذا زادت جرعة الدوبامين الذي يلعب دوراً في اكتساب العادات الجديدة، فقد تدخل دائرة الخطر التي قد تقودك إلى الإدمان.

وتضيف: “ربما لا يصنف هذا التطبيق ضمن التطبيقات التي لا طائل منها، مثل لعبة ‘كاندي كراش’، التي يتفاعل معها الدماغ بإفراز الدوبامين فقط، لكن يتعين عليك أن تتوخى الحذر وأن تضع لنفسك حدوداً زمنية عند استخدامه”.

ومن جهة أخرى، ترى كانغ أن ثمة تقنيات قليلة الجودة وعديمة النفع قد نستخدمها لإيذاء أنفسنا فقط. وتشبهها كانغ بالأطعمة منخفضة القيمة الغذائية التي يتناولها البعض لتهدئة ما يعتريهم من مشاعر سلبية، كما هو الحال عندما نتعرض لضغوط نفسية.

وتقول: “ما يثير مخاوفنا هو المواد الضارة أو المسيئة للآخرين على الإنترنت التي قد تنشط مراكز المتعة والمكافأة في الدماغ، مثل المقاطع الإباحية أو التنمر الإلكتروني، أو المراهنة أو ألعاب الفيديو المصممة على غرار آلات الألعاب بالعملات المعدنية والتي قد تسبب الإدمان”.

وعلى غرار الحمية الغذائية، تقول كانغ إن الاعتدال في استخدام الأجهزة والتقنيات الرقمية يقتضي الابتعاد عن المواد الضارة عند استخدام الإنترنت. لكن لا مانع من مخالفة بعض القواعد بين الحين والآخر.

إذ ينصحنا الأطباء، على سبيل المثال، بالابتعاد عن الأطعمة المصنعة والمشروبات الغنية بالسكريات، لكن لا بأس في تناول البيتزا والفشار مع الأطفال عشية عطلة نهاية الأسبوع.

وبالمثل، لا مانع أيضاً من تصفح حسابك على تطبيق إنستغرام أو ممارسة ألعاب الفيديو في فترات الراحة القصيرة.

لكن لو كنت مصاباً بمرض السكري، فإن كمية السكريات التي سيسمح لك الأطباء بتناولها ستكون أقل. والأمر نفسه ينطبق على التقنيات الرقمية فيما لو كنت معرضاً لخطر الإدمان.

وتقول كانغ إن المراهقين أكثر عرضة من غيرهم للإدمان الرقمي، وقد كشفت لنا الأبحاث العلمية أن الأطفال واليافعين هم الأكثر عرضة لمواجهة مشكلات عند استخدام الإنترنت.

تخلّص من السموم الرقمية بين الحين والآخر

تخلص من سموم استخدام الإنترنت

وفي ظل التوسع المتواصل لشبكة الإنترنت وزيادة قاعدة مستخدميها وانتشار الهواتف الذكية في أنحاء العالم كافة، يبدو أن البعض يرفضون هيمنة التكنولوجيا على حياتنا.

وذكر تقرير أعدته مؤسسة “غلوبال ويب إندكس” أن سبعة من كل 10 من مستخدمي الإنترنت في المملكة المتحدة والولايات المتحدة حاولوا الاعتدال في استخدام الأجهزة الإلكترونية؛ فقد ذكر بعضهم أنهم أغلقوا حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وحذفوا بعض التطبيقات من هواتفهم، بينما ذكر البعض الآخر أنهم أصبحوا يمضون وقتاً أقل بمراحل على الإنترنت.

وتقول كانغ إن استخدامنا للأجهزة الإلكترونية يجب ألا يطغى على احتياجاتنا الإنسانية الأساسية الأخرى.

وتضيف: “نحن نحتاج للنوم لثمان أو تسع ساعات يومياً، كما نحتاج لتخصيص ساعتين أو ثلاث ساعات لممارسة الأنشطة البدنية، ونحتاج للخروج في الهواء الطلق والتعرض للضوء الطبيعي. فإذا كان استخدامك للأجهزة الإلكترونية يجعلك تهمل أنشطتك الأساسية الأخرى، فهذا يعد إفراطاً في استخدام التكنولوجيا”.

جيل التقنيات الرقمية: متحولون حقيقيون ينتظرهم المستقبل

استخدام الإنترنت جعل الناس متحولين حقيقية

إن تطور وسائل الإعلام ووجود الإنترنت على رأسها أدى إلى ثورة في “التدفق المعلوماتي” فشبكة الإنترنت أحدثت تغييرات جذرية في كل سبل التواصل تقريباً؛ فمن لديه اتصال بالإنترنت بإمكانه التحدث وإنشاء محتوى للمشاركة وتبادل المعلومات والأفكار بكل حرية، وبالتالي زادت معدلات سرعة الابتكار والتطور في جميع أنحاء العالم، ومن جهة أخرى أثّر تدفق المعلومات على نمط التفكير وطريقة عمل الدماغ ومعالجته للمسائل الحياتية والمعرفية بشكل عام.

يقول أحد الخبراء: “بما أن الدماغ البشري مرن، وله قابلية على إعادة تشكيل نفسه طبقاً لنشاطاتنا اليومية، فإن استخدام الحاسوب لفترات طويلة يظهر تأثيره جلياً عبر ردة الفعل السريعة تجاه المؤثرات الصورية التي تظهر أمام شاشتنا الذهنية دقيقة تلو الأخرى، فضلاً على تحسين أشكال التيقّظ والانتباه بالإضافة إلى تطويره القدرة على تمحيص كم هائل من المعلومات فإما أن تزداد ثقة المرء بها أو يدحضها”.

نيكولاس كار كاتب ألّف كتاباً بعنوان: “هل يجعلنا الإنترنت أغبياء؟” قال فيه معتمداً على أبحاث علمية، بأن الأدوات التكنولوجية الحديثة تقوم بتغيير عمل ذاكرتنا وانتباهنا وطريقة فهمنا وتفكيرنا. هذا التغيير سينتج تحولاً في بنية أدمغتنا. وبالتالي فإن مواليد العصر الرقمي سيكونون نموذجاً لهذا التحول (متحولون حقيقيون) الذي سيظهر فيما بعد.

ويقول نيكولاس كار في كتابه إن قضاء وقت كبير في تصفح واستخدام الإنترنت يؤثر بشكلٍ سلبي على نشاط المنطقة المجاورة لقشرة الفص الجبهي، التي تكمن فيها المواهب الدقيقة والقدرة على الانتباه والتحليل المنظّم.

وعلى جانب آخر، نشرت جريدة نيويورك تايمز مؤخراً أن فريقاً من علماء الأعصاب في جامعة كاليفورنيا وجدوا أن عملية البحث عن طريق غوغل، وهو ما يدحض ما أشار إليه نيكولاس كار في كتابه.

في ظل تضارب الآراء، هل التكنولوجيا الحديثة تجعلنا أكثر ذكاءً أم أكثر غباءً؟

ربما يبدو للبعض أن ثمة تضارباً بين الدراسات التي تتناول أثر التكنولوجيا الحديثة (وعلى الأخص الحواسيب والإنترنت) على الدماغ، لكن هذا التضارب يفتح الباب على مصراعيه أمام السؤال التالي: هل تجعل التكنولوجيا البشر أكثر ذكاءً أم أكثر غباءً؟

إن الإجابة على هذا السؤال ليست بهذه السهولة لأن الإجابة لا تتعلق بتأثير ثابت للتكنولوجيا على أدمغة البشر جميعهم، لكن المسألة تتعلق بمدى تطويع التكنولوجيا لخدمة الإنسان. فمن المهم أن نفهم كيف ندخل في فضاءات التعلم المثلى اعتماداً على التدفق المعلوماتي لشبكة الإنترنت، فحتماً عندها سنصبح أكثر ذكاءً من ذي قبل، أما الذين يتعرضون لتدفق معلوماتي عشوائي فحتماً سيصبحون أكثر غباءً من ذي قبل.

اقرأ أيضاً: لا تقترب كثيرًا ولا تبتعد أيضًا… كيف تؤثر منصّات التواصل الاجتماعي على السلوك البشري؟