إنّ جوهر أيّ تساؤل هو البحث عن المعرفة، هذا المبدأ الذي تقوم عليه وتسعى إليه كل مادة دراسية نتعلّمها بدءًا من التاريخ والعلوم والأدب والفن وحتّى الرياضيات، بالمقابل علينا ألا نغفل ما تعتريه تلك المواد من أبعاد أخلاقيّة ومعنويّة في مضمونها. كذلك الأمر بالنسبة لحاجة الفرد لفهم المجتمع الذي ولد ونشأ فيه، عليه أن يتلقّن ويتعلّم منظومة الأخلاق والفضائل والمبادئ الحميدة لكي يتكيّف ويتعايش مع المعايير المقبولة في مجتمعه. انطلاقًا من خدمة ذلك الهدف تمّ إدخال مادة التربية الدينية والأخلاقية على هيكلية نظامنا التعليميّ.

مع تراجع تصدّر الأسئلة المتعلقة بالدين للعناوين الرئيسية كما في السابق، لكن تظلّ القضية ساحة معركةٍ مهمّة في الصراع الأوسع حول دور الدين في الحياة العامّة.

حاجة ملحّة تستوجب زرع نهج أخلاقي في المدارس

لا يصعب على أحدنا أن يتذكّر تلك الحكمة العابرة التي نطق بها لسان أحد معلّمينا ذات يومٍ قائلًا: "لا يهمّ كم أنت شخص بارعٌ في الرياضيات أو العلوم أو الأدب أو الفن، إذا لم يكن لديك مجموعة من الأخلاق الصحيحة التي تدعم وتخدم موهبتك في النهاية". لقد شهد التاريخ وما زال يشهد ارتكاب الكثير من الأشخاص الأذكياء لأفعالٍ فظيعة وانتهاكات وحشيّة باسم الأفكار والمعتقدات التي تناهض معظم أخلاق البشرية. لكن من أين تولّدت لديهم تلك المفاهيم الخاطئة؟ وهل بالإمكان أن نتجنّب ظهور تلك النماذج البشرية الوحشية بيننا؟

من هنا تنبع أهميّة التعمّق والانغماس في زرع فكرٍ أخلاقيّ سليم مع محاولة تثبيت أعمدة أركانه في نفوس أبنائنا من الطلبة بدءًا من مراحل عمرية باكرة، بدلًا من أن يمرّ ذكر القيم والأخلاق مرورًا عابرًا لن تفقه به عقول الطلبة ولن تستوعبه حواسهم وبالتالي استحالة امتثال سلوكياتهم لسطحية الأخلاق النظرية العابرة.

حتّى لا يستثقل أطفالنا الدّين وشعائره عند الكبر توّجب التدّرج بإدخال الشعائر والمبادئ الدينيّة لمواكبة تطوّر العقل البشري ومجاراته خطوة بخطوة دون التسابق على إظهار نضجٍ سابق لأوانه. لقد جاء إدراج مادة التربية الدينية ضمن المناهج التعليمية في كافّة المراحل الدراسية منذ الصّغر بهدف زرع عقيدة ثابتة أساسها مرونة الطالب مع بداية تفتحه الفكري والذهني والروحي.

محاولة المناهج الدينيّة تحقيق هدفها المنشود

يعدّ التعليم الديني مكوّنًا أساسيًّا لمفهوم التعلّم الواسع والمتوازن، فهو بمثابة ركيزة محورية في المناهج الدراسية لتحقيق تنميةٍ روحيّة وأخلاقيّة واجتماعيّة وثقافيّة، قادرة على محو الأميّة الدينية من خلال تطوير فهم الطالب لمبادئ وأركان وشعائر ديانته التي يعتنقها، بالإضافة إلى إطلاعه بفهمٍ أوسع وأشمل على أديان سماويّة أخرى ذات شعائر وممارسات ومعتقدات مغايرة لما تتبنّاه عقيدته. يتوقّف نجاح تجربة التعليم الديني على تحقيق هدفها الأسمى ولعب دورها الأكبر في استنباط مفاهيم التسامح والإحسان والاحترام المتبادل من نفوس الطلبة والعمل على تعزيزها وفق منهجية تعليميّة مدروسة تتبنّى خلق جوّ يسوده الأمان والاطمئنان بمعزل عن الخوف والانغلاق على الآخر.

مفارقة أخلاقية يعكسها الواقع

تدفعنا الرغبة في الاستحسان والخوف من الاستهجان كأطفالٍ صغار إلى التعلّم من آبائنا وأقربائنا وبيئتنا ما هو صحيح وما هو غير صحيح. وفقًا لبعض المجتمعات لا يمكن للطفل أن يكتفي بذلك، فإذا لم نحاول التحكّم وترويض السلوك الجماعي للبشرية، سيظلّ الفرد قادرًا على تركيب منظومة أخلاقه الخاصّة التي نجهل مسار تطوّرها. لهذا السبب بدأت معظم المدارس -إن لم يكن كلّها- في غرس الفضائل الأخلاقيّة داخل طلابها من خلال تلقين دروس مادة التربية الدينية. لكن يبدو أنّ ما اكتسبه الفرد من تعلّم أخلاق ومبادئ تستند على قواعد السلوكيات المقبولة دينيًا لم يعد رادعًا كافيًا لمجاراة صراع البشر القائم بين دوافعهم الغريزيّة ومتطلّبات المجتمع.

لقد باتت مظاهر التعصّب والنبذ ​​والعدوانيّة والتنمّر التي قلّما يخلو منها مجتمع عربيّ أو غربيّ، عرضًا مسرحيًا يخترق بيئاتنا التعليميّة التي نتغنّى بتصنيفاتها العالميّة والمحلّية. أشرارُ تلك المشاهد اللاأخلاقيّة هم ذاتهم ما ندعوهم اليوم ببناة الوطن والمجتمع، لكن مهلًا لا حاجة لافتراءٍ أو إطلاق لأحكام مسبقة على أجيال ناشئة يصعب كبح جماح اندفاعها وطيشها. مع كلّ إشراقة يومٍ جديد ينهمر على طلابنا وابلٌ من الأسئلة الوجودية والخلافية المحيّرة لعقولهم وسط ضجيج وتخبّط أفئدتهم بحثًا عن إجابات تروي ظمأهم وتنير طريقهم.

أين تكمن المشكلة في الأسلوب التعليمي أو المبدأ الأخلاقي؟

يتم تدريب معظم المعلّمين على تعليم وتلقين حقائق ومفاهيم مجهّزة بقوالب محدّدة ضمن إطارٍ يمنع الخروج عن محوره، فليس هناك أدنى محاولة لإشراك الطلاب في مناقشات حول مفاهيم كالصواب والخطأ، والإنصاف والعدالة، والقيم والمسؤولية الأخلاقية. غالبًا ما ينتاب المعلمين قلقٌ وخوف بشأن لمس الأعصاب الحسّاسة أو تجاوز الخطوط الحمراء أو حتّى محاولة الاقتراب منها. في بقعة جغرافيّة مجاورة، تشهد بعض المدارس ترهيبًا وغرسًا لمشاعر الخوف والإحساس بالذنب عند مخالفة الطالب لأيّ بندٍ من مبادئ التربية الدينية مع تفعيل لنظام العقوبات الصارمة. ما يحدث أحيانًا هو تحريف لجوهر الدين لتحقيق رغبات مخفية ترضي بعض السماسرة والمتاجرين بعقول الطلبة تحت لواء خدمة الأمّة.

من ناحيةٍ أخرى، تشهد بعض المدارس تكريسًا لمسألة التربية الأخلاقية كشكل من أشكال تعليم وبناء الشخصية. مع ذلك، فقد تراجع التعليم الأخلاقي في تلك المدارس مع تهميش أهدافه ودوره على اعتباره مسألةً ثانوية غير ضروريّة.
قد لا تكمن المشكلة الرئيسية بالمنهج الديني المدخل على بيئة غير علمانيّة، بل بنوعيّة الأخلاق المتطرّفة والمتعصّبة التي تتم برمجة عقول الطلاب وفقها، فمهما تمّ تزيين صفحات الكتب وأغلفتها بالعناوين الأخلاقية يبقى المدلول الديني المتحيّز قابعًا بين صفحاتها.

عن التربية الدينية وكيفية مقاربة القضايا الأخلاقية في الصفوف الدراسية

بناء حجر الثقة بين الطالب والمعلّم

كنقطة انطلاق، يتوّجب على المدرّس تثبيت القواعد الأساسيّة للاحترام عمليًّا من خلال الاستماع إلى الطلبة ومجاراة سيل أفكارهم وتساؤلاتهم. بالإمكان تطوير لغة خاصّة من أجل الاستفسار الأخلاقي انطلاقًا من التعرّف على الفرق بين الشعور بالأمان والراحة، يجب أن يشعر الطلاب بالأمان، ولكن الشعور بقليل من الاستفزاز وعدم الراحة سيساعدهم على التعلم والتبصّر. إذًا يكمن حجر الأساس في إقامة حوار فعّال قادر على تطوير محو الأميّة الدينية عن طريق اكتساب ونشر المهارات اللازمة لفهم وتفسير وتقييم النصوص ومصادر الحكمة والسلطة والأدلة الأخرى، بالتزامن مع تفعيل مشاركة الطلبة بشكلٍ إيجابي في المجتمع بأديانه ومعتقداته المتنوعة، بمنحهم المساحة الآمنة في التفكير والتعبير بوضوحٍ واتساق عن معتقداتهم الشخصية وأفكارهم وقيمهم الخاصّة بهم.

بالطبع، تقع المسؤولية الكبرى على المدّرس، فمحاولات الإرشاد والتوجيه ذات طريق صعب ووعرٍ ليسير فيه بمفرده. لذا يجب أن يجتمع المعلّمون معًا لاكتساب نفس النوع من الخبرة التي يحصل عليها الأطباء في رحلتهم الدراسية الشاقّة. سيتعيّن عليهم مناقشة قضايا العرق والهوية والتحيّز بكامل حكمتهم وحنكتهم بعيدًا عن سياسة التجنّب والإقصاء.

إطلاق العنان لأفكار الطلبة وأسئلتهم الملتبسة

يظهر شباب اليوم اهتمامًا جدّيًا بالعالم الذي يعيشون فيه، تتملّكهم رغبةٌ حقيقيّة في الانتماء، وشغف جامح لإحداث تغيير ملموس. يتوجّب علينا مساعدة الطلاب في إظهار ذكائهم ليس فقط لأساتذتهم أو زملائهم في الفصل ولكن أيضًا لأنفسهم، من خلال التشجيع على طرح الأسئلة الخلافية حول قضية الصراع الأخلاقي، وأخذ فضولهم على محمل الجدّ. قد لا تكفي مدة الحصّة الدراسية للإجابة على أسئلة القلب والعقل المطروحة لكن بكلّ تأكيد ستنشّط جوّ الفصل الدراسي وتساعد الطلاب على النمو والتفكير والتحدّث بعيدًا عن الرتابة والنمطية المعتادة.

عالمنا اليوم لا تحكمه قواعدٌ أخلاقيّة مطلقة أو معصومة من الخطأ، لذا ستكون عملية الاستفسار الأخلاقي رحلةً طويلة يتعيّن على طلابنا التحلّي بالكثير من الصبر والمرونة لمواكبة تجدّدها. قد ينجح زرع الإحساس بالقيم الأخلاقية في المجتمع البشري بإجراء مقاربة ودراسة عمليّة عن كيفية نجاح بعض المدارس في تحقيق مجتمع أخلاقيّ، يتمّ فيه تقدير الجميع وتمكين إسهامهم لتحقيق الجوهر الأساسي للإنسانية المتمثّل بنزعتها نحو الخير.

اقرأ أيضًا: التعليم المدرسي.. ما بين تعليم الأطفال وتعليب عقولهم!