الخجل ظاهرةٌ بشرية طبيعية، فلا يوجد شخص إلا وقد شعر ببعض الخجل في موقفٍ اجتماعي معين، كالوقوف الأول أمام الكاميرات، أو إجراء أول مقابلة عمل، أو عند البوح بسرٍ ما، أو أثناء علاقة عاطفية جديدة.

ولكن الخجل الذي سنتحدث عنه مختلفٌ عما سبق، فهو خجلٌ اجتماعي ذو أثرٍ سلبي على السلوك عموماً وعلى التحصيل الدراسي خصوصاً وخاصة عندما يبدأ في سن الطفولة ولا تتم معالجته.

يصاب بهذا الخجل غالباً الشخص الذي يفتقر إلى المهارات الاجتماعية ومهارات التواصل، وبالتالي فالخجل لديه هو آليةٌ دفاعية يبتكرها الدماغ للهروب من سخرية أو رفض قد يتعرض له هذا الشخص نتيجةً لفقره الاجتماعي، وبالتالي نجد هذا الشخص قلقاً حدّ التوتر في أثناء التعامل مع الغرباء، ويفضّل الانطواء والعزلة على حضور المناسبات والاجتماعات.

ويَعدّ علماء النفس والاجتماع الخجلَ المفرط مرضاً اجتماعياً ونفسياً يسيطر على مشاعر الفرد منذ الطفولة، كإحدى ثمار شجرة الخوف والقلق، فيؤدي إلى بعثرة طاقاته الفكرية ويشتت إمكاناته الإبداعية وقدراته العقلية.

أسباب الخجل الاجتماعي

الخجل الاجتماعي

كثيرة هي الأسباب التي تؤدي بالشخص إلى الخجل الاجتماعي الذي يمكن أن يصل للرهاب الاجتماعي، من هذه الأسباب الوراثة؛ فطبيعة الأبوين يمكن أن تنتقل للأبناء مع الجينات، وبالتالي فإذا كان أحد الأبوين أو كلاهما يعاني من الخجل الاجتماعي فعلى الأغلب سيكون عددٌ من الأبناء يعاني ذات الحالة.

أما السبب الثاني فيتعلق ببنية الدماغ؛ فهناك بنية في الدماغ تسمى اللوزة الدماغية مسؤولة عن شعور الخوف والقلق، فإذا كان الشخص مصاباً بفرط نشاط اللوزة الدماغية فسيكون معدل الخوف لديه عالٍ جداً، يصل إلى الخوف من التواصل مع الآخرين الذي يعبّر عن نفسه بهذا الخجل الاجتماعي.

وللبيئة المحيطة أيضاً دورٌ في تعزيز هذا الخجل؛ فقد ينشأ هذا الخجل بعد موقفٍ اجتماعي محرجٍ أو مزعج، أو أن الخوف الزائد من الوالدين يتسببان بنشوء هذه الحالة عند الأبناء.

ويمكن أن تكون طبيعة الشخص ذاته مسبّباً أساسياً لمعاناته تلك؛ فالكثير ممن يعانون الخجل الاجتماعي يضعون لأنفسهم معايير عالية جداً، كما تقول خبيرة علم النفس البريطانية كلوي فوستر، “فهم لا يتوقعون لألسنتهم أن تزل في كلمة، ويعتقدون أن على جميع من يستمعون إليهم الانتباه والانجذاب الكاملين لما يقولونه طوال الوقت، بالإضافة إلى الخوف وما يسببه من عدم الثقة بالنفس وترك ممارسة المهارات الاجتماعية تفادياً للإحراج”.

أعراض الخجل الاجتماعي

للخجل الاجتماعي أعراضٌ سلوكية وأخرى جسدية. إذ تصف الدكتورة فضيلة عرفات أستاذة علم النفس التربوي في كلية التربية بجامعة الموصل ومؤلفة كتاب “التغلب على الخجل الاجتماعي” هذا الاضطراب بأنه نوع من الشلل الذي يصيب الجسد والنفس معاً.

فمن الناحية السلوكية، يعاني المصاب بالخجل الاجتماعي من انخفاض مستوى الثقة بالنفس، وفرط التحسس للنقد، إضافةً إلى الانعزال وضعف المهارات الاجتماعية، كما يميل المصاب لتجنب المواقف التي يكون فيها مركز اهتمام، ويتوقع أسوأ عواقب ممكنة بسبب موقفٍ اجتماعيٍ سلبي، كما أنه يقضي وقتاً بعد أي موقف اجتماعي لتحليل أدائه وتحديد العيوب في تفاعله.

ومن الأعراض السلوكية عند المصاب بالخجل الاجتماعي، صعوبة بعض الخبرات اليومية العادية حيث يحاول الهروب منها، مثل الدخول إلى غرفة فيها أناسٌ جالسون، وبدء المحادثات، والأكل أمام الآخرين، وإرجاع المشتريات إلى المتجر، وغير ذلك من الخبرات التي تبدو طبيعية للإنسان العادي لكنها تسبب ارتباكاً لمن يعاني هذا النوع من الاضطراب.

أما من الناحية الجسدية فإن اضطراب الخجل الاجتماعي يترافق باحمرار الوجه، والخفقان السريع للقلب، والتعرق، والارتعاش اللاإرادي، واضطراب المعدة أو الغثيان وصعوبة في الأنفاس، والدوار، إضافةً للشعور بفراغ في العقل والتوتر العضلي.

الخجل الاجتماعي يبدأ في سن الطفولة

الخجل الاجتماعي

الطفل الخجول عادةً انطوائيٌ ولا يشارك الآخرين، وهذا يسبب له مع الوقت شعوراً بالدونية والنقص ومشاعر سلبية أخرى.

كيف نعرف الطفل المصاب بالخجل الاجتماعي؟

الطفل الذي يعاني من اضطراب الخجل الاجتماعي عادةً يخاف بسرعة ولا يثق بنفسه، وهو مترددٌ في الالتزام بأيّ شيء، ولا يقوم بأي مبادرةٍ أو تطوّعٍ مهما كان بسيطاً، وهو في أغلب الأوقات يتكلم بصوتٍ منخفض ويتجنب التقاء العيون.

العلاج منذ الصغر يمنع الوصول إلى الاضطراب المرضي في الكبر

في هذه المرحلة العمرية يمكننا بسهولة وقاية الطفل الخجول من الوصول لمرحلة الخجل المرضي، وذلك بمشاركته في الأنشطة الاجتماعية في المدرسة كالأنشطة الرياضية والموسيقية، وكذلك مشاركته مع العائلة باستمرار كالمشاركة برحلةٍ عائلية، أو مساعدة الوالدين والإخوة بأعمالٍ منزلية بسيطة ومكافأته عليها.

كما أن إشعار الطفل بالدفء والمحبة والتقبّل يدعم ثقته بنفسه، ويزيد من قدرته على المشاركة، إضافةً إلى المكافآت والإيحاءات الإيجابية التي تلي كل نشاطٍ اجتماعي يقوم به، وكل عمل يعتمد فيه على نفسه، حتى لو كانت نسبة النجاح فيه ضئيلة.

الخجل الاجتماعي والتحصيل الدراسي

الخجل الاجتماعي والتحصيل الدراسي

حين يتطور الخجل الاجتماعي في مرحلة الطفولة والمراهقة، فلا بد أن يكون له تأثير سلبي على الأداء المدرسي،

فالطلاب الخجولون يميلون إلى الصمت أو التحدث بصوتٍ خافت، أو تجنب الالتقاء البصري في مواقف الاتصال الاجتماعي، كما أنهم لا يحسنون التعبير عن أفكارهم أو حقوقهم لذلك فهم أقل مشاركة في الأنشطة الصفية واللاصفية. هذه المشكلة منتشرة بين صفوف طلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية.

وفي نشرة توعوية وتثقيفية أصدرتها الإدارة العامة للتربية والتعليم بمنطقة تبوك، أرجعت الخجل الاجتماعي إلى مجموعة من الأسباب، أهمها أساليب التنشئة الاجتماعية القائمة على الحماية الزائدة، التي تحرم الطفل من الثقة بنفسه في مواجهة المواقف المختلفة، إضافةً إلى تعرض الأطفال إلى مواقف النقد والسخرية والإغاظة من الآباء أو الأصدقاء ما ينمي لديهم شعور الخجل. وهذه الأسباب لا تخرج عن إطار ما ذكرناه سابقاً من أسباب لهذا الاضطراب سوى أن هذا الشعور يتعزّز من خلال المدرسين أحياناً حين يعتبرون هذا السلوك من الالتزام بالأدب، فبدونه سيعدّ الطالب مشاغباً في المدرسة.

وقد عددت النشرة جملة من الأساليب التي يمكنها معالجة الخجل الاجتماعي عند الطلبة، منها منح الطلاب مكافآت عند نجاحهم في أي اتصالٍ اجتماعي، وإشراك الطلاب الخجولين في مجموعاتٍ للعب مع تقديم العون لهم بمساعدة بعض الأشخاص المقربين منهم، وعرض أفلام يرى الطلاب خلالها أطفالاً يتصرفون بجرأة أمام الآخرين، ولعب الأدوار حيث يقوم المعالج بأداء الدور المطلوب ويطلب من الطالب التعبير عن آرائه وانفعالاته بشكلٍ طبيعي من خلال هذا الدور.

ماذا إن كبرتَ وما زال الخجل الاجتماعي يرافقك؟

في هذه الحالة بات التخلص من المشكلة هو مسؤوليتك أنت، وحدك تستطيع حلّها دون اللجوء إلى أخصائيٍ نفسي أو طبيبٍ معالج، وذلك من خلال عدد من الاستراتيجيات:

تصرف بثقة

كي تكتسب الثقة بالنفس، عليك أن تتصرف على هذا الأساس، ومع الوقت ستصبح الثقة جزءاً من شخصيتك. فهو أشبه بركوب الدراجة، ستتعثر في البداية، لكنك فيما بعد ستكتسب المهارة بالتدريج وتصل إلى مرحلة التمكّن.

لذلك وبنفس الطريقة، امض لما تريد فعله أو قوله بثقة، وستعرف بعد ذلك أن الأمر لم يكن يستحق كل هذا التردد والخجل.

شارك في النشاطات الاجتماعية

المقصود بالنشاطات الاجتماعية هو ما يجعلك تتواصل مع الغرباء، يمكنك أن تبدأ بالتحدث مع الغرباء في محلات تجارية أو في موقف الباص، فإن تعرضت للرفض فلا أحد سيعلم، وعليك ألّا تضيع وقتك بالتفكير بالمحادثات المحرجة التي تعرضت لها، فهذا يحدث مع الجميع، ولكنك ترى أنهم لا يعيرونها اهتماماً، فلماذا تعيرها هذا الاهتمام؟

هذا سيؤهلك للمرحلة التي تليها بأن تتحدث مع الغرباء في نشاطاتٍ اجتماعية أوسع، وأن تتقرّب من أصدقائك الذين لو تشاركت معهم النشاطات، لكانوا خير عونٍ لك على تجاوز ما تعانيه من خجل.

لا تهرب من الأشياء الجديدة التي قد تثير توترك

قد تشعر بشيءٍ من الخوف لدى الانتساب إلى نادٍ جديد أو فرقةٍ رياضية جديدة، لكن هذا سيجعلك مضطراً لمواجهة خجلك. لذلك عليك أن تختار مشروعاً جديداً لك، أو تتعلم مهارةً جديدة حتى لو كان هذا على حساب أمنك الذي تشعر به حين تكون وحدك.

فالتغلب على الخجل الاجتماعي يتعلق في جزءٍ كبيرٍ منه بالتخلي عن الروتين الآمن في الكثير من نواحي حياتك، فلا تتردد، وامضِ قدماً.

مارس التعبير عن نفسك أكثر

عليك أن تستغل كل فرصةٍ تتاح أمامك لمحادثة الآخرين أو تقديم العروض، ورواية القصص، أو حتى إلقاء النكات.

مهارة التحدث بانفتاحٍ أمام الجميع، سواءً في العمل أو مع الأصدقاء وحتى مع الغرباء ستكتسبها حين تجبر نفسك على ممارستها.

وتذكر دائماً أن الواثقين بأنفسهم لا يلقون بالاً إن كان حديثهم سيعجب كل من يسمعونه أم لا.

لا تخفِ ضعفك

لكل منا نقاطُ ضعف، وهذا الضعف قد يكون محل انتقاد من الآخرين لو تجنبنا إظهاره وخفنا من انكشافه. بل إن هذا سيعزّز الضعف ويزيده تفاقماً.

لذا عليك أن تُظهر هذا الضعف للآخرين، ولا تتركه عرضةً للنقد والسخرية.

أظهره في البداية للمقربين، ثم انفتح في هذا الأمر على كل من تعرفهم، فإتاحة الفرصة للآخرين أن يروك على حقيقتك، ستقرّبهم منك وستزيد من ثقتهم بك، وهذا بدوره سيعزّز ثقتك بنفسك ويجعلك تتغلب على الخوف والقلق الناجمين عن الخجل الاجتماعي الذي تعانيه.

استخدم لغة جسدٍ توحي بالثقة

وأهم ما عليك فعله هو التواصل البصري مع الشخص الذي تتحدث إليه، انظر إليه بعينيك وأنت تحادثه فهذا يكسر حاجز الخوف والخجل.

إضافةً إلى العديد من مظاهر لغة الجسد التي تنمي الثقة لديك، منها ألّا تمشي مطأطئاً رأسك، بل ارفعه عالياً، واجعل صوتك واضحاً وموجّهاً بشكلٍ فعّال، وابق دائماً على مسافة من الآخرين. ولا تنس أن الابتسامة تفتح القلوب وتكسر كل جليد.

ستبذل جهداً في البداية، لكن هذا الجهد سيتحول إلى مهارة مكتسبة في وقت قصير.

اقرأ أيضاً: خجول ولا تثق بنفسك؟! إليك أهم 10 أفلام تحفزك وتستعيد معها ثقتك بذاتك