الانتصار للحلم والانتقام من الرفض على طريقة الكاتب إدغار آلان بو

إدغار آلان بو
نور الهدى بن الحاج ابراهيم
نور الهدى بن الحاج ابراهيم

6 د

أن تظلّ وحيدًا في قاعة الانتظار بالمستشفى الجهوي بمدينتك، بينما يجلس الأب حذو ابنته، ويحتضن الرجل حبيبته ويواسي الصديق صديقه، أن تواجه عتمة الليل وبرد الشتاء وقسوة الزمن وحيدًا، أن تقضّي أعياد رأس السنة ملقًى على سريرٍ بارد تشاهد التلفاز، وتسمع دقّات ساعة لم يبقَ لك رفيق سكن غيرها. كلّها تجاربٌ يعيشها الإنسان، ذاك الكائن الذي قيل عنه إنه مدني واجتماعي بطبعه، في أي حيّز مكاني أو زماني كان. يمرّ بها فتسلبه ضحكاته أحيانًا وتلبسه وشاح الهمّ واليأس أحيانًا أخرى. تدفع به نحو المعاناة أو تدفع عنه المعاناة. تضعفه أو تصقل عضلاته وتأجج نيران الحلم فيه. تخيفه أو تخيف الكون من صوت الإرادة الذي تفضحه نظراته.

الوحدة مرعبة والهجر موجع والفقد قاتل. هذا ما كنت أردده في قرارة نفسي حتى لحظة كتابة هذا المقال، أو قبلها بفترةٍ وجيزة حين اعترضتني صورة “إدغار آلان بو” وكلماته وبعض أعماله، وهذا محور حديثنا الذي من شأنه أن ينفخ فيك من روح آلان بو فيحييك ويهديك حياةً تستحق الحياة. كيف واجه هذا الكاتب الهجر والفقد وكيف استحالت هذه التجارب بين يديه محرّكًا للقوّة والنجاح والأمل؟ 

إدغار آلان بو

حياة قاسية جعلت من إدغار آلان بو الكاتب العظيم الذي نعرفه اليوم:

تقسو الحياة على الحالمين. تؤرّقهم وتبكيهم. لا أدري إن كانت تنتهج هذا الأسلوب الجاحد لتشجيعهم ولكنه أسلوب مفرط في جحوده وقبحه ومآسيه، وخير دليل على كلامنا هذا حياة إدغار آلان بو.

ولد إدغار في التاسع من يناير سنة 1809 في مدينة بوسطن وعاش منذ تلك اللحظة الخيبة تلو الأخرى، إذ توفي والده ديفيد بعد سنة واحدة من ولادته ثم مرضت والدته إليزابيث لتستقبله عائلة ميسورة الحال تعمل في مجال بيع التبغ. كان لإدغار من عائلته البيولوجية أخ وأخت وبما أنها عائلة حطّت عليها الأقدار لعناتها فقد توفي الأخ ويليام بداء السلّ وعاشت روزالينا بإعاقة لازمتها طيلة حياتها.

ذو صلة

لم ينصف القدر كاتبنا حتى برفقة العائلة التي تبنته كما لم ينصف هو نفسه، فقد كان ولدًا شقيًا ثم مقامرًا خسر أموالًا كان عليه دفعها لدخول الجامعة.

ظلّت علاقته بجون آلان علاقة مدٍّ وجزرٍ تعكس شحّ هذا الرجل وخياناته المتتالية لزوجته ولا مبالاة الابن وحبّه الشديد لأمه بالتبني، ولم تغيّر كل هذه المشاكل والمصاعب إدغار آلان بو الذي ظلّ شابًّا صعب المراس، وقرر ترك جامعة فرجينيا للالتفات نحو حلم الصغر والعيش بين الكتب والجرائد والمجلّات.

رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة ورحلة آلان بو بدأت سنة 1872 بديوانٍ شعريٍ صغير، تلته خيبات عديدة، وتجارب فشل وصدٍّ لا تحصى ولا تعد. الرواية الوحيدة الكاملة له تقابل بالفشل والحبيبة التي ظنّ أنها ستنسيه ماضيه تتركه وحيدًا كما تركه أخوه بعد الإصابة بمرض السلّ.

هجرٌ وإفلاس وطردٌ وكتبٌ تلتهمها خيوط العناكب، هذا ما عرفه كاتبٌ ما زال يحتلّ إلى يومنا هذا مكانةً هامّة عند القرّاء، خاصة أولئك الذين يحبّون قصص الرعب والخيال العلمي، وهذا ما دفعنا إلى الوقوف عند طريقته في رسكلة هذه التجارب البائسة وجعلها مفتاحًا للنجاح والاستمرارية.


الانتقام من الحياة وللحياة على طريقة إدغار آلان بو

إدغار آلان بو

لِمَ لم يستسلم هذا الشاعر لحظه السيئ علّه يجد في استسلامه هذا فرحًا مخبأ في مكان ما؟ ألم يكن من السهل ترك الكتابة بما تحمله من مغامرات وعواصف والبحث عن مهنة أخرى أكثر استقرارًا وهدوءًا؟ ما الذي دفعه إلى استكمال مسيرته تلك ولم لا أكون مثله، فأؤمن أن لي شيء في هذا العالم رغم تتالي الكدمات والصدمات؟ كنت أجهل السبب وراء هذا الإصرار ولكنّي بمجرد مطالعة بعض قصائده التي اخترت لكم من بينها هذه الأبيات التي يقول فيها:


“لم أكن كالآخرين

ما كنت أرى مثلما يرون

لم أستطع أن أجلب آلامي من نبع معروف

وما كنت أنهل أحزاني من نفس الينبوع

ما كان بمقدوري أن أبعث في قلبي البهجة بنفس النغمة

وكل ما أحببت كنت فيه منفردًا”

علمت أنه على حقّ وأن الحلم ملاذ القويّ والخضوع والرضوخ مركب لا يستهوي سوى الفاشلين والضعفاء. حياة إدغار آلان بو كما تحدثنا عنها ونشره لأول ديوان له بأموال قليلة تسكن جيوبه، إضافة إلى كلماته وحكاياته كفيلة ببثّ الأمل والحلم فينا وموسوعة ليس لنا إلّا أن نستخلص منها دروسًا نتعلّم فيها كيف نتعامل مع الرفض.


الدرس الأول: أرهم ما أنت قادرٌ على صنعه وانتقم لنفسك بالنجاح

لا ترتبط فكرة الانتقام ضرورة بمعانٍ وأفعالٍ شريرة أو شرسة ولا تأخذ حصرًا صورة دموية أو مظلمة، فهي مفهوم كبير تتغير استعمالاته بتغيّر مستعمله والهدف منه وهذا ما نجده متجسّدًا في حياة آلان بو وفي ردود أفعاله كلّما اعترضه فشل أو حزن أو معاناة.

وجدناه يبحث عن حلٍّ آخر مثلًا كلّما رفض جون آلان مساعدته ولم يجب على رسائله ووجدناه ينبش في عقله ووجدانه ليكتب نصوصًا أخرى كأنه يقترض من نيلسون مانديلا عباراته حين قال: “أنا لا أهزم أبدًا، إمّا أن أنتصر أو أتعلّم” بالرغم من فشل بعض أعماله وعدم رواجها. ثابر وتعلّم واجتهد وسيكون لمن رفضك وقلل من شأنك نصيبٌ كبيرٌ من الحزن والحسرة والقلق حين يرونك ترتدي ثوب الكاتب أو الطبيب أو المدرس أو المحرر الناجح، فالانتقام بمواصلة الحلم وبالمشي في دروب العمل والإرادة هو انتصار لذاتك ولقدراتك ولإنسانيتك ومواجهة لعيوبك ومخاوفك وعثراتك.

ما الذي كان سيحدث لإدغار لو سمح يومًا للخوف بأن يقيّده ولو قبل بأن يكون تاجر تبغ مثل والده بالتبني؟ أكنّا سنتذكره اليوم وسنتحدث عنه ونشيد بتجاربه ونمدح كتاباته؟ لا يا عزيزي القارئ، كان ليكون فريسة سهلة للنسيان، يولد ويفنى دون أن يترك أثرًا لوجوده ومروره عبر هذا العالم.


الدرس الثاني: إن لم تنجح هنا، ستنجح حتمًا هناك

لا أحد ينجح حين يظل ساكنًا في مكانه. تكاد تتحول هذه الجملة إلى حقيقة مطلقة، فَجُلّ من عرفناهم قد هاجروا فنجحوا. أما من بقوا ماكثين في أماكنهم فقد قتلتهم روتينية الحياة وأنهكتهم خيباتهم التي ارتبطت في أذهانهم ببقاع معينة لا مفرّ منها. كونديرا وزفايغ وميللر وإدغار آلان بو وجدوا خلاصهم في السفر وفي المضي نحو المجهول وترك المألوف بما فيه من قيود وسجون وعراقيل وقصص فشل، وقد نجحوا في الخارج بينما كانوا فاشلين في الداخل لتتأكد بذلك أطروحتنا التي صغناها في الجملة الأولى.

قد يخيّل لك أنّ الرحيل صعبٌ ولكن الحقيقة هي أن البقاء أصعب، فإمّا المغامرة أو الفناء وإمّا التجربة أو الرتابة. تذكّر أن الأديان ظلّت تسافر لتعيش وتستمر وأن الدول ظلّت تنتشر على حساب غيرها من الدول والرقع الجغرافية لتبقى وتقاوم وأن الإنسان قد قتل أخاه الإنسان لينعم وحده بالحياة. كلها أحداث تاريخية وواقعية مؤسفة تأكد ضرورة التنقل والتجدد لضمان حتمية الوصول. ولأن السكون موت ولأن الرجوع هزيمة، يقول ابن بطوطة: “ومن عادتي في سفري ألا أعود على طريق سلكتها ما أمكنني ذلك”.

فيديو يوتيوب

ربّما كان لإدغار آلان بو أن يكون جنديًا يحارب في صفوف القوّات العسكرية الأمريكية، أو رياضيًا عالميًا نذكره كما نذكر العديد من الرياضيين الأبطال، أو راقصًا رائعًا خاصة وأنه كان يتقن الرقص ويحبه كثيرًا، لكنّه اختار أن يحقّق حلمه وأن يكتب ويكتب ويكتب حتّى يرى العالم في كتابته ويرى الفرح فيها وهذا ما نجح في فعله.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة