البيرة و ألمانيا
0

منذ أسبوعين تقريباً طلب منّي صديقٌ لي مساعدته في كتابة رسالة الحافز ليضيفها إلى طلب انتسابه إلى أحد الجامعات الألمانية. كما تعلمون، في مثل هذه الرسائل هناك فقرة يجب أن تتضمن السبب الذي اخترت لأجله الدراسة في ألمانيا وبشكلٍ تلقائي وغير مفاجئ وجدتني أعزو الأمر إلى قوة ألمانيا؛ فبالإضافة إلى هتلر وجدار برلين والبيرة، القوة هي أول ما يتبادر إلى الأذهان عند سماع اسم هذا البلد. ولما كانت الأصالة والتفرّد أحد السمات المطلوبة في رسالة الحافز، رغبت أن أبتعد عن الصفات البديهية والمبتذلة التي لابدّ أن يذكرها غالب المتقدمين. بدأت البحث واستكشاف ألمانيا التي لم أزرها قط لأتفاجأ ببعض المعلومات، فهي ليست دولة قوية اقتصادياً وسياسياً فحسب، بل إنها تتمتع بثقافة غنية وسكان يتمتعون باحترام غير عادي للتقاليد والتاريخ والإنسانية وإليكم أهم ما وجدت أو على الأقل بعض من المعلومات التي أذهلتني وفي بعض الأحيان صدمتني.

اقرأ أيضًا: حقائق ممتعة عن ألمانيا .. الملجأ الإنساني الأوّل في العالم

حقائق عن ألمانيا قد تكون جديدة بالنسبة لك كما كانت بالنسبة لي

العمل الجاد لا يعني بالضرورة العمل الشاق

تمتلك ألمانيا أحد أكبر الاقتصادات عالمياً وقد يكون أسرعها انتعاشاً بعد جائحة كوفيد-19، ما يدفعك تلقائياً للاعتقاد أن الألمان يعيشون ليعملوا، أليس كذلك؟ ليس بالفعل، فعلى الرغم من سمعة الألمان بالاجتهاد، ساعات عملهم لا تتجاوز 40 ساعة في الأسبوع. على العكس من ذلك، يعمل المكسيكيون على سبيل المقارنة، أكثر منْ 45 ساعة أسبوعياً، لكن اقتصادهم موضع حسد العالم، فمالسبب؟

من أهم الأسباب الرئيسة لقوة الاقتصاد الألماني الصادرات الألمانية الكبيرة، وانخفاض مستويات الديون الخاصة، ودعم نظام التعليم الألماني للتدريب المهني من خلال البراكتيكوم (Praktikum) الذي يهدف لتوفير الخبرة العملية كشرط من شروط التخرج.

الألمان مجتهدون ولكن…

هل شاهدت يوماً مقاطع الفيديو الواسعة الانتشار لليابانيين يقومون بردم الحفر، إصلاح الطرقات وبناء الجسور بهيكيلية تنظيمية رائعة وسرعة خيالية؟ الأمر لا يشبه ما يحدث في ألمانيا أبداً. على العكس، ألمانيا تشبه في هذه النقطة بلدان العالم النامية التي تستغرق في بناء البنى التحتية سنيناً طويلة. من الأمثلة على ذلك، مطار براندنبورغ (Brandenburg) الذي طال تأجيل بنائه في برلين. كان من المقرر في الأصل افتتاحه في أكتوبر 2011، لكنّه عانى من التأخير وتجاوز ميزانيته بـ 5 مليار يورو. قد تكون هذه المعلومة الأكثر غرابة بالنسبة لي عن ألمانيا و قد يكون في المعلومة التالية،  تفسيراً لها.

الإلتزام بالقوانين أمرٌ جيّد ولكن الكثير الكثير من القوانين يدعى بيروقراطية

إذا كنت تعيش في بلدٍ عربيّ بيروقراطي وتعوّدت على إجراءات المعاملات القانونية الطويلة التي لا تنتهي، فألمانيا ستشعرك كما لو كنت في أحضان الوطن. ألمانيا مجتمع تقوده الكثير من القواعد والقوانين التي غالباً ما تعمل على تعزيز الحياة المجتمعية على حساب الحرية الفردية؛ فإجراءات الحصول على خط إنترنت وتوصيله مثلاً، قد تطول لتصل إلى ثلاثة أشهر. كما أن القيود المفروضة على التعاملات التجارية يوم الأحد تجبر الناس على التسارع إلى محلات البقالة صباح السبت لشراء حاجياتهم. بالإضافة إلى القوانين التي تفرض على اليد العاملة المؤهلة والمتخصصة التي لا تنحدر من دول الاتحاد الأوروبي عدة عقبات في طريقها إلى سوق العمل في ألمانيا؛ لهذا ستجد في كثير من المصانع في ألمانيا وظائف عديدة شاغرة بينما يحلم  الكثير من الأجانب بشغل تلك الوظائف.

Massenkommunikationsdienstleistungsunternehmen  ليس هناك خلل في لوحة مفاتيح حاسوبي إنها كلمة ألمانية واحدة

هل تعلم أن أحد أكثر الأسئلة المتعلقة بألمانيا التي يطرحها الناس على جوجل هي: لماذا الكلمات الألمانية طويلة جدا؟ و لماذا اللغة الألمانية صعبة للغاية؟ كيف لا وهذه Sozialversicherungsfachangestelltenauszubildender هي كلمة ألمانيّة واحدة تعني: متدرب مساعد وسيط التأمين الاجتماعي! وعن هذه الكلمات المركبة والمعقدة قال مارك توين ساخراً في كتابه مشرّدٌ في الخارج (A Tramp Abroad) عام 1880: “بعض الكلمات الألمانية طويلة جداً بحيث يجب أن يكون لها وجهة نظر”. بالمناسبة، معنى الكلمة الواردة في العنوان الفرعي هو  “شركة خدمات الاتصال الجماهيري”.

صعوبة اللغة الألمانية
صعوبة اللغة الألمانية

ألمانيا ليست على خرائط جوجل

في الحقيقة تغيب معظم الأماكن السكنية عن جوجل ستريت فيو (Google Street View) لأن الألمان غضبوا في عام 2010 عندما بدأت جوجل في عرض صور لمنازلهم عبر الإنترنت واختار 3% منهم إخفاء عقاراتهم. تم تصوير أكبر المدن الألمانية فقط بينما لا تزال معظم البلاد غير مصوّرة من قبل جوجل ويعود ذلك إلى قوانين الخصوصية الصارمة في ألمانيا.

البيرة الألمانية الأكثر شهرة وتنوعاً في العالم

الصورة النمطية للرجل الألماني في أفلام هوليوود، رجلٌ أبيضٌ طويل القامة عريض المنكبين يحمل قدحاً من البيرة ويتلفظ بكلماتٍ أوضح حروفها الخاء. الحقيقة ليست بعيدة عن هذه الصورة، فيقدر أنّ الألماني العادي يستهلك حوالي 140 لتراً من البيرة سنوياً. لا يشربونها فحسب، بل لديهم حوالي 1300 مصنع بيرة ألماني و 5000 علامة تجارية ويحمون صناعتها بقانون عمره أكثر من 500 عام يسمى قانون النقاء (Reinheitgebot)  الذي ينص على استخدام الشعير والجنجل والماء فقط في تخمير البيرة.

البيرة و ألمانيا
البيرة الأشهر في العالم

الألمان لا يدعون أنفسهم ألماناً

أصل تسمية ألمانيا: الاسم الإنجليزي جيرماني (Germany) مستمد من الكلمة اللاتينية جيرمانيا (Germania) التي دخلت حيز الاستخدام في عصر يوليوس قيصر، وقد اعتمد ذلك المصطلح للإشارة إلى الشعوب القاطنة شرق نهر الراين. بينما الاسم باللغة الألمانية هو دويتشلاند ( Deutschland) أي أرض الدويتش (diutisc) التي تعني الشعب في الألمانية القديمة، أما اسم ألمانيا الذي نتداوله نحن الأجانب فأصله فرنسي (Allemagne)‏ مشتق من اسم قبائل الألامان.

ما هي لغة ألمانيا؟

بينما يبدو السؤال سخيفاً، فالإجابة مفاجئة. فاللغة الألمانية ليست الوحيدة المستخدمة في ألمانيا؛ هناك عددٌ قليلٌ من اللغات المعترف بها التي تتحدّثها الأقليات وهي: الصوربية العليا، الصوربية السفلى، الفريزية الشمالية وفريزية ساترلاند. كما يتحدث 56% من الألمان اللغة الإنجليزية.

المطبخ الألماني سيء ولكنه يشتهر بالخبز والنقانق

الخبز هو أحد الأطعمة الرئيسية في كل مطبخ في ألمانيا. يشتهر الألمان بتقاليدهم العريقة في خبز الخبز، ويتغير مذاقه وطريقة طهيه من جزء في ألمانيا إلى آخر. هناك الكثير من الأنواع المختلفة من الخبز والأرغفة واللفائف الداكنة والخبز الأبيض والحلو والناعم والعادي. كما تعتبر النقانق، التي تسمى (Wurts) في ألمانيا بنكهاتها المختلفة جزءاً مهماً من المطبخ الألماني.

كرة القدم والبيرة والألمان ثالثهما

كرة القدم أحد سمات المجتمع الألماني الأبرز فعندما تجري مباراة للمنتخب الألماني، أو أحد أندية كرة القدم الألمانية مثل بايرن ميونخ، فإن الكافيتريات والمطاعم وحتى البلديات تضع شاشات كبيرة لعرض اللعبة. يتجمع الناس أمام هذه الشاشات، من الجدات إلى الأطفال ليشاهدوا اللعبة كنشاطٍ شعبيٍ جماهيري بينما يقرعون أقداح البيرة ويأكلون النقانق.

القلاع والقصور في كلّ مكان

تجوّل في ألمانيا وستجد حوالي 25 ألف قلعة منتشرة في جميع أنحاء البلاد. إذا كنت في ألمانيا وفشلت في رؤية قلعة واحدة وقصراً واحداً على الأقل من مسافة قريبة، فأنت لم تزرها حقّاً. من أهم هذه القلاع والقصور: قصر سانسوسي، قصر شفيرين وقلعة نويشفانشتاين. تشتهر ألمانيا أيضاً بالكاتدرائيات والآثار مثل كاتدرائية كولونيا وبوابة براندنبورغ.

قصر سانسوسي
قصر سانسوسي
قصر شفيرين
قصر-شفيرين
قلعة نويشفانشتاين
قلعة نويشفانشتاين
كاتدرائية كولونيا
كاتدرائية كولونيا

ألمانيا بلدٌ أعراق، أهم وأجمل من أن يتم تلخيصه واختصاره بصورة نمطية أو مقال. البلد الذي استطاع أن يعيد بناء نفسه من قطع الطوب للمعامل المتهدمة هو نفسه موطن أودي، فولكس فاجن، بي إم دبليو ومرسيدس بنز وهو البلد الشهير بالكرنفالات والمهرجانات التي تحتفل بجميع مجالات الحياة والفرح. إن سنحت لك الفرصة وتعرّفت على ألمانيا عن كثب وعرفت عن ألمانيا وجهاً لم نعرفه وعن الحياة العامة فيها، فلا تبخل علينا بمشاركة تجربتك في التعليقات.

اقرأ أيضًا: حقــائق تاريخية مُدهشة لا تعرفهـا عن ألمانيا النازية

0

شاركنا رأيك حول "مطبخ غير شهي، لغة معقدة وكلمات طويلة وأشياء أخرى يجب معرفتها عن ألمانيا 😐"

أضف تعليقًا