تريند 🔥

🤖 AI

النوستالجيا المُدمِّرة… كيف يقتل الحنين إلى الماضي الناجين من الحروب؟

نوستالجيا الحروب
د. بتول محمد
د. بتول محمد

6 د

النوستالجيا أو الحنين للماضي… شعٌور لطيفٌ يعود بنا إلى ذلك الزمن الذي نعتقد فيه دائمًا أننا كنا بحالٍ أفضل، ذلك الزمن الذي عشنا فيه لحظاتنا الجميلة، وحققنا فيه سعادة حقيقية، متناسين كل الأوقات الصعبة التي عشناها على اعتبار أن الحوادث الآنية أشد وقعًا علينا وعلى قلوبنا.

يزداد هذا الشعور لدينا كلما ضاقت بنا الدنيا، إذ يغدو الحديث عن مواقف قديمة بحياتنا بمثابة إحياء للحظات نعتقد أنها كانت وستبقى الأكثر ملامسة لأرواحنا ولن تتكرر.

ويزداد وقع شعورنا بالحنين، مع ازدياد قساوة الواقع الذي نعيشه، ويتفاقم في زمن الحروب، حتى تغدو حياتنا عبارة عن استجرار للماضي، ويأتي ذلك نتيجة فقدان من نحب وموتهم، فقدان بيوتنا والأماكن التي ننتمي إليها وقبل كل شيء فقدان الصور المرتسمة في الذاكرة تدريجيًا.

كل هذا يدفعنا للتساؤل عن معنى الحنين للماضي وتعريفه؟ وكيف عرّف كل مع علم النفس هذا المصطلح؟ وما هي الآثار المترتبة عليه في زمن الحروب؟


الحنين للماضي اصطلاحًا…

يعود مصطلح النوستالجيا (الحنين للماضي) إلى اليونانية ويشير إلى شعور الإنسان بالألم نتيجة بعده عن منزله وبلده، وحنينه إليهما، وعمومًا تعد النوستالجيا ظاهرة نفسية يمكننا جميعًا الشعور بها، تعود في أصلها إلى الشاعر هوميروس الذي كتب في الأوديسة قصة الملك أوديسيوس في رحلته للعودة إلى وطنه بعد حروب طروادة، وحسب الحكاية فإن ما أبقى أوديسيوس على قيد الحياة هي رغبته الشديدة في العودة إلى الوطن.

ويعود اصطلاحًا إلى نوستوس والتي تشير إلى رحلة العودة وألغوس والتي تعني الألم أو الحزن، ليحمل هذا المصطلح معنى الألم الناجم عن البعد، وهو ألم فراق الوطن والغياب عنه.


كيف يُعرّفُ علم النفس الحنين للماضي؟

النوستالجيا هي التسمية العلمية لحالة الحنين للماضي، والتي تمت صياغتها أكاديميًا عندما نشر الطبيب السويسري يوهانس هوفر عام 1688م دراسته التي اعتبر من خلالها هذا الشعور مرضًا، ليعبر عن تلك الحالة التي يعيشها الكثيرون وتكون بمثابة وسيلة دفاعية يستخدمها الشخص للتخلص من التوتر والألم النفسي الذي يعيشه في محاولة منه للحصول على السعادة التي يرغب بها، وكان هذا واضحًا في شعور الجنود المرتزقة السويسريين الذين كانوا يقاتلون من أجل الإمبراطورية الفرنسية في ذلك الوقت، بعيدًا عن أراضيهم وأهلهم.

من ناحية أخرى يُعرف قاموس أكسفورد الجديد مصطلح النوستالجيا على أنه شوق عاطفي أو عاطفة حزينة تجاه الماضي.

ويرد تعريف هذا المصطلح في المعاني لمصطلحات علم النفس كما يبين الدكتور بديع القشاعلة بوصفه الشوق والحنين إلى الماضي، وقد يكون هذا الحنين إيجابيًا عندما يستخدم كطريقة في مواجهة الظروف القاسية التي يمر بها الإنسان، ولكنه يصبح متعبًا عندما يتفاقم في داخل الشخص، ويصبح عبارة عن مجموعة من الأحلام المتكررة لأحداث سبق وانتهت، ولكنها ما زالت تعيش في داخلنا، ففي هذه اللحظات نبقى أسرى للماضي وغير قادرين على اتخاذ خطوات جديدة في حياتنا، إذ تبدو أي خطوة جديدة محض عبث لا ينفع.


أتون الحروب يغرقنا في الماضي…

بينما يعاني الكثير من البشر اليوم من آثار الحروب، يتصدر الحنين إلى الأوطان قائمة المشاعر لدى البشر، فهم إما يعيشون مجبرين على الابتعاد عن بلدانهم، أو يعيشون في بلدانهم كالغرباء، مسجونين في واقع صعب ومدمر.

ومن المعروف أن الكثير من المفكرين عاشوا تحت وقع الشوق والحنين إلى الوطن، فها هو بريخت في حوارات المنفيين يتحدث عن حياة المنفى ويتوق بشوقه إلى الوطن الذي خرج مجبرًا منه، فالحرب قد دمرت كل شيء وهو تحول إلى لاجئ بعيدًا عن وطنه الأم يعيش في حسرة فراقه.

وإن كان المفكرون والأدباء قادرين على التعبير عن شوقهم إلى الوطن وإلى اللحظات السعيدة، فإن الإنسان العادي يعيش أقسى المشاعر ولا يستطيع التعبير، إنه يجبر على هجر بيته وقريته، وترك ذكرياته ليكون في مكانٍ غريبٍ تمامًا عنه، ولأنه لم يتخذ قرار مفارقة الوطن بحرية، تبقى مشاعره مليئة بالحزن واليأس.

في هذا السياق تبدو رواية رسول حمزاتوف (داغستان بلدي) إحدى أهم ما كتب في تجسيد الحنين إلى الوطن، إذ يجعلنا الكاتب نعيش فيضًا من الذكريات التي لا تنتهي، وربما يجعلنا نتذكر أدق التفاصيل حول ماضينا، وحتى نشتم الروائح ونتذوق الطعوم، وقد يكون من أجمل ما قاله في هذه الرواية (أنت وجهي يا داغستان، ولن أسمح بأن يمسك أحد).

وعمومًا تظهر أكبر الآثار لترك الإنسان لوطنه في زمن الحروب من خلال عدة أمور:


مشكلة الهوية

يبدو الحفاظ على هوية الأفراد عند الابتعاد عن الوطن أمرًا في غاية الصعوبة، فأول ما يفقده الإنسان هو شعور الانتماء إلى هوية محددة ترتبط بتاريخه وثقافته وذكرياته التي جمعها عن حياته.

وتبدأ تدريجيًا الهوية بالتلاشي كلما اشتد وطيس الحرب، التي تمحي ملامح أي وجود كان، فمع دمار البيوت واختفاء ما يذكرنا بمكان النشأة، يبدأ الإنسان بعيش مشكلة حقيقية مع الهوية، فهو لا يمتلك عنها إلا ما يتذكره، والذاكرة غير قادرة على إعادة إحياء تلك الصور القديمة، إذ تحل محلها صور جديدة مليئة بالخراب والدمار.

تتفاقم هذه المشكلة أكثر مع الجيل الجديد، الذي لم يستطع العيش في وطنه لفترة طويلة، ولم يمتلك ذكريات تجعل هويته محددة، ولم يعرف ما يكفي عن هذا الوطن، إنه يعيش في مكان جديد، يتقبله ولكن لا يقبله، إنه مكان يشعره بأنه غريب، ولكنه لا يعرف بديلًا عنه، فيعيش حالة من الضياع لا تنتهي.


مشكلة التأقلم مع المكان الجديد

لا يتوقف شعور الإنسان عندما يهجر وطنه على الاشتياق، فأقسى ما يعانيه المرء هو محاولته في التأقلم مع المكان الجديد الذي انتقل إليه، وهذا يجعله يعيش حالة من اليأس والاكتئاب، وتبدأ الذكريات القديمة بالظهور، وفجأة تتحول أقسى المواقف التي مر بها في حياة إلى أجمل المراحل، ويغدو الماضي أجمل من الحاضر، وهذا ما يدفع الكثيرين للعزلة في المكان الجديد وأحيانًا قد يعانون من الإدمان وقد تصل الأمور لاتخاذ قرار في الانتحار.


النوستالجيا...طيف من الذكريات لا ينتهي

تقول إحدى السيدات اللواتي تركن بيتهن في الحرب: ليتني أعود إلى بيتي وقريتي، فقد كانت أيامي مليئة بالسعادة واليوم أنا مضطرة للعيش في بيوت مستأجرة بعيدًا عن كل ذكرياتي، ولكنني ما زلت احتفظ بذاكرتي عن تلك الأيام، إنها ما يبقيني اليوم على قيد الحياة، ففكرة العودة إلى بيتي هي ما يجعلني أستمر، ولذلك يجب أن أحتفظ بذاكرتي لأنها ستساعدني على العودة.

في هذه الحالة ومن أمثلتها الكثير، تتدفق الذكريات معلنة عن رغبة شديدة بالعودة إلى الماضي، وفي كثير من الأحيان قد لا يكون الماضي جميلًا كما نحاول تصوره، حتى أننا نبدأ بتذكر أحداث ربما لم تحدث فعلًا، فقط كي يغدو الماضي أجمل من الحاضر الذي نعيشه.


رائحة الموت تجتذب الذكريات..

كلما خسرنا أشخاصًا مقربين، تبدو الحياة الحاضرة مؤلمة، ويغدو الماضي جميلًا حتى بألمه، فالحروب مليئة برائحة الموت، ورائحة الموت تسبب لنا شعورًا مؤلمًا، ونبدأ بتذكر كل اللحظات التي جمعتنا مع من نحب، ويغدو أحد سكان الحي الذي كنا فيه صديقًا لنا وتجمعنا معه الكثير من الذكريات، ذكريات نسيناها ولكنها تأتينا على شكل فيض من الذكريات التي لا تنتهي، فنعيش أسرى لها.

في النتيجة: الشوق إلى الماضي، إلى الوطن، أمرٌ مشروع وإيجابي إذا استطعنا عيشه بطبيعية، ولكنه يتحول ليصبح أمرًا سلبيًا إذا طال قدرتنا على الاستمرار، وإذا أثر على رغبتنا في العيش، وعلى الإنسان أن يبحث دائمًا عن طريقة يستطيع من خلالها التحرر من وطأة اليأس المرافق للشعور بالحنين.

ذو صلة

ورغم كل ما سبق لا بد لنا من التفكير مطولًا، أنه وبالرغم من كل ما نشعر به من أسى وألم، من شوق وحنين، يبقى هناك معنىً لهذه الحياة، نتمسك لأن هناك دائمًا من يحيطون بنا، ولأننا نمتلك القدرة على النجاح، وهذا ما يدفع الإنسان دائمًا للاستمرار.

اقرأ أيضًا: هل تساءلت يومًا كيف ينظر الطغاة إلى أنفسهم في المرآة؟ تعال وانظر بعيونهم

أحلى ماعندنا ، واصل لعندك! سجل بنشرة أراجيك البريدية

بالنقر على زر “التسجيل”، فإنك توافق شروط الخدمة وسياسية الخصوصية وتلقي رسائل بريدية من أراجيك

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة