الهواتف المحمولة
0

مما لا شك فيه أنَّ الهواتف المحمولة قطعت شوطًا طويلًا في التطوّر خلال زمنٍ وجيز، حيث أحدثت نقلة ثورية في عالم الاتصالات من خلال إنجاز المهام والوظائف اليومية بطُرق سريعة ومبتكرة تعجز حتى الحواسيب القديمة عن مجاراتها؛ بل وصل الأمر إلى منافسة بعض أحدث الحواسيب من ناحية المواصفات الفنية والعتاد!

وبجانب مهمتها الأساسية والبسيطة التي استمرت لعقودٍ من الزمن وهي إجراء المكالمات الهاتفية عن بعد لاسلكيًا ومن ثمَّ أضيف إليها لاحقًا خاصية إرسال الرسائل النصية القصيرة، أصبحت الهواتف المحمولة اليوم عبارة عن حواسيب مصغّرة لها القدرة على إنجاز مئات الوظائف بالإضافة للاتصالات بأشكال متطورة مثل مكالمات الفيديو عبر الإنترنت لأي مكان ومجانًا. جعلت تلك الأجهزة الصغيرة في كف يدك العالم افتراضيًا مجرّد قرية صغيرة بحق.

لنلقِ نظرة سريعة على أهمّ لحظات تاريخ تطور الهواتف المحمولة وأوجه الاختلاف مع تطور الهواتف الذكية التي نشهدها اليوم.

بداية تطوير الهواتف المحمولة

الهواتف المحمولة
هاتف Motorola DynaTAC 8000x أول هاتف محمول عملي من شركة موتورولا الأمريكية.

إنَّ البداية الفعلية لتطوير الهواتف المحمولة§ تعود لأواخر الستينات وحتى السبعينات، وقد كانت في تلك الفترة ثقيلة الوزن وكبيرة الحجم وليست عملية جدًا، كما أنها تحتاج إلى محرّك داخلي للعمل.

ويعتبر هاتف Motorola DynaTAC 8000x الذي أُطلق في فترة الثمانينات هو أول هاتف محمول عملي تمَّ صنعه بواسطة شركة موتورولا الأمريكية بوزنٍ يبلغ 1 كيلوجرام!، وكانت وظيفة الهاتف تقتصر على إجراء المكالمات الهاتفية والرد على المتصلين فقط؛ في مدة زمنية تبلغ 30 دقيقة كأقصى حد ويعمل بالشبكات التماثلية.

حقبة التسعينات – بداية دخول نوكيا كمنافس ثانٍ في سوق الهواتف المحمولة

الهواتف المحمولة
هاتف 3310 أيقونة هواتف نوكيا المحمولة.

مع حلول فترة التسعينات -جيل الألفية- بدأت الكثير من الأجهزة المحمولة تدخل السوق، حيث أطلقت موتورولا هاتف MicroTAC 9800x الذي يتميّز بصِغر حجمه ويمكن إدخاله في جيب القميص ووزنه أقل بنصف كيلو جرام من أخيه 8000x، وتستطيع هواتف تلك الحقبة تخزين حوالي 30 جهة اتصال في ذاكرة الجهاز. كما تمَّ تصميم النماذج الأولى للهواتف المحمولة القابلة للطي للمساعدة في تقليل طول الهواتف.

وعلى الرغم من أنَّ شركة موتورولا كانت رائدة الهواتف المحمولة في الفترة الماضية، دخل منافسٌ آخر غنيٌّ عن التعريف مع بداية التسعينات وهي شركة نوكيا. أطلقت نوكيا هاتفها 1011 في عام 1992 ويعتبر أول جهاز يعمل بالشبكات الرقمية بدلًا عن التماثلية عن طريق النظام العالمي للاتصالات المتنقّلة (GSM) مما سمح بإضافة خاصية إرسال الرسائل النصية القصيرة (SMS) لأول مرة في الهواتف المحمولة بطول 160 محرفًا كأقصى حد وتخزين حوالي 99 من أرقام جهات الاتصال.

استطاعت نوكيا حمل راية الريادة بفضل النقلات الثورية التي أحدثتها في هاتفي 5110 و3210 حيث أصبحت الهواتف أكثر من مجرّد هواتف محمولة لإجراء مكالمات هاتفية! وتضمّنت هذه الهواتف بعض التطبيقات مثل تطبيق الحافظات الذي يحتوي على خلفيات عديدة يمكن إضافتها على شاشة الهاتف، واختيار نغمات الرنين وحتى تضمين بعض الألعاب. إلا أنَّ هاتف نوكيا 3310 والذي أُطلق في عام 2000 يعتبر أيقونة هواتف نوكيا المحمولة وأكثرها شهرة على الإطلاق، خصوصًا لدى محبّي لعبة الثعبان الشهيرة – Snake ولعبة غزو الفضاء سبيس إمباكت – Space Impact.

حقبة العقد الأول 2000 – تراجع نوكيا ودخول المنافسين وبداية ظهور الشاشات الملوّنة

الهواتف المحمولة
هاتف Sony Ericsson k700i إصدار 2002

بدأت شعبية نوكيا بالتراجع قليلًا مع بدايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كما دخلت شركات عديدة منافسة§ مثل سوني اريكسون -وهي شركة ظهرت نتيجة تحالف العملاقين سوني اليابانية وإيركسون السويدية- وإل جي وسامسونج في سوق الهواتف المحمولة.

وتعدّدت الهواتف ذات الشاشات الملوّنة في التصاميم والأشكال مثل الهواتف السحّابة المشهورة من نوكيا، ولعل أبرز ما شهدته هذه الحقبة هو انتشار الهواتف القابلة للطي من شركات عديدة كسامسونج وإل جي.

زُودت هذه الأجهزة أيضًا بالراديو وكاميرات مدمجة -على الرغم من دقتها الضعيفة جدًا مقارنةً بهواتف اليوم- وإضافة متصفّح بروتوكول التطبيقات اللاسلكية (WAP) التي تمكّن المستخدم من الولوج إلى الإنترنت بواسطة بعض الهواتف المحمولة لأول مرة! بالإضافة إلى مشغل الـ mp3 الخاص بالموسيقى والمقاطع الصوتية في بعض الطرازات. وبفضل هذه التقنيات الثورية أصبحت الهواتف المحمولة أكثر شعبيةً وبدأ سوقها في التوسّع أكثر فأكثر مع دخول شركات جديدة في كل مرة.

حقبة بداية مفهوم الهواتف الذكية – إطلاق أول آيفون

ستيف جوبز يعرض أول هاتف آيفون من آبل في مؤتمر Mac World عام 2007.

استمرّت الهواتف المحمولة في التطوّر وإضافة وظائف جديدة لم تكن موجودةً من قبل، مثل نظام تحديد المواقع الجغرافية العالمي (GPS) لتحديد موقعك الجغرافي واستكشاف مواقع المدن والأماكن حول العالم وإمكانية تصفّح بريدك الإلكتروني ومتابعة منصّات التواصل الاجتماعي والدردشة مثل فيسبوك وتويتر ونيمبوز، كما أصبح بالإمكان تنزيل المحتويات المرئية بعد إدخال مشغّلات الـ MP4. ومع إضافة هذه الخصائص والوظائف في كل مرة؛ بدأت الهواتف المحمولة تتخذ منحىً آخر تدريجيًا وتتحوّل إلى مفهوم جديد يدعى الهواتف الذكية.

في أواخر عام 2007 أطلق الرئيس التنفيذي لشركة آبل حينها الراحل ستيف جوبز في مؤتمر Mac World أول آيفون وهو هاتف يعمل بشاشة كاملة ومن دون لوحة مفاتيح. وقد قال عنه جوبز أنه أول جهاز يعمل كآيبود -مشغل الوسائط المتعددة- وهاتف لإجراء مكالمات ويتصل بالإنترنت ويقوم ببعض الوظائف المماثلة للهواتف الذكية الحالية مع محدودية التطبيقات فيها، مما جعلت آبل الرائدة الأولى في النقلة الثورية لمفهوم الهواتف الذكية، بينما استمرت شركة بلاك بيري على نهج الهواتف القديمة بتضمين لوحات مفاتيح حقيقية متطوّرة على أجهزتها.

حقبة العقد الثاني 2010 – انتشار الهواتف الذكية والمنافسة المحتدمة بين نظامي iOS وأندرويد

نظامي iOS وأندرويد.

بحلول عام 2010 تطوّرت الهواتف المحمولة بسرعةٍ أكبر مع دخول شركاتٍ بارزة مثل سامسونج وإل جي وإتش تي سي والتي تعمل هواتفها بنظام أندرويد من جوجل، بينما استقرّت آبل على نظام iOS الخاص بها في إصدارات هواتف الآيفون. واستطاعت جوجل في هذه الحقبة حمل راية القيادة في الهواتف المحولة بفضل نظام تشغيلها السلس والمفتوح المصدر حيث استحوذت طيلة العقد الماضي إلى هذه اللحظة على سوق الهواتف المحمولة.

برزت أيضًا منافسة أخرى، تتعلّق بقيام المطوّرين تصميم تطبيقات برمجية في شتّى مجالات الحياة من تطبيقات الأدوات المكتبية إلى التعليم والصحة والعلوم والرياضة والترفيه وإتاحتها على متجر جوجل بلاي الخاص بالهواتف الذكية التي تعمل بأنظمة أندرويد أو متجر آب ستور الخاص بهواتف الآيفون. ونظرًا لهيمنة جوجل على قطاع أنظمة الهواتف الذكية يُعد متجر جوجل بلاي الأكبر والأضخم من بين كل متاجر التطبيقات الأخرى. بجانب المنافسة بين شركات الهواتف الذكية سواء في التصميم أو دقة الكاميرات والشاشات.

وعلى الرغم من محاولة نوكيا الرجوع إلى المنافسة مرة أخرى، لكن بثوب الهواتف الذكية بعد استحواذ شركة مايكروسوفت عليها § عام 2013 بصفقة بلغت أكثر من 7 مليار دولار أمريكي، إلا أنَّ الأخيرة لم يشفع لها تفوّقها وريادتها في سوق أنظمة وبرمجيات الحواسيب من النهوض بنوكيا مجدّدًا.

في النصف الثاني من العقد الماضي، دخلت العديد من الشركات الصينية§ في المنافسة على سوق الهواتف الذكية بقوة مثل هواوي وشاومي وأوبو وون بلس وغيرها، بفضل خياراتها العديدة للهواتف والأسعار المتنوّعة التي تُرضي جميع المستهلكين. وبلغت الهواتف الذكية ذروتها في نهايات العقد الماضي حيث اتّخذت أشكالًا وفئات متنوّعة لا سيما عودة مفهوم الأجهزة القابلة للطي من سامسونج وهواوي -لكن هنا يتم انحناء الشاشة- والهواتف الدوّارة والمزدوجة من إل جي وظهور الشاشات الكاملة – Full Screen بفضل الكاميرات الأمامية المنبثقة التي تقدّمها بعض الشركات.

هاتف سامسونج جلاكسي زد فليب القابل للطي.

كما أصبحت الشاشات أكثر طولًا ودقةً مع تعددية الكاميرات الخلفية، فبدلًا عن الكاميرا الواحدة أصبحت الهواتف المحمولة اليوم تمتلك كاميرات ثنائية أو ثلاثية أو رباعية بوظائف مجتمعة سواء من حيث الدقة والتقريب البصري للصور عشرات المرات! بالإضافة إلى امتلاك هذه الهواتف مقاييس حيوية مثل استخدام بصمة الأصابع أو التعرّف على وجوه المستخدمين لتأمين الهواتف.

ومع تطوّر التطبيقات، صارت الهواتف المحمولة اليوم تقدّم كل شيء تقريبًا أكثر من أيِّ وقتٍ مضى ابتداءً من الخدمات المصرفية وتطبيقات الطلبيات سواء للتسوق أو طلب الأطعمة أو سيارات التاكسي عن بُعد، وتطبيقات مكالمات الفيديو الجماعية لغرض التواصل والعمل والاجتماعات بعد أن أخذت شهرتها في فترة جائحة كوفيد-19 الحالية. تطور الأمر حتى أصبحت مقولة “هناك تطبيق لذلك” شعبية للغاية، لأن كل ما تحتاجه ستجد تطبيق ما يفعله أو يعمل عليه مطور ما ليدرجه في المتجر.

في الأخير

من المتوقّع مع بداية العقد الحالي، أن تستمر الهواتف الذكية بنفس هذا المنوال من التشّبع وبالأخص مفهوم الشاشات الكاملة والقابلة للطي بجانب الكاميرات المتعدّدة، وامتلاكها لمقاييس حيوية أكثر دقةً مثل إغلاق الهاتف بواسطة العينين وغيرها من الإيماءات الحديثة. بالإضافة إلى مقاييس صحية أكثر تقدّمًا مثل نبضات القلب ونسب الأكسجين وحتى ربما قياس السكر في الدم بشكلٍ مشابه لما تقدّمه بعض الساعات الذكية الحالية.

0

شاركنا رأيك حول "الهواتف المحمولة: كيف تحولت من أجهزة لإجراء المكالمات إلى حواسيب كاملة في راحة يدك"