في 27 نوفمبر 1895، وقع ألفريد نوبل على وصيته التي تقرّ بذهاب 35 مليون كرونة من ثروته إلى أولئك الذين قدموا فوائد ملموسة للبشرية خلال العام السابق للإعلان عن الجائزة، وذلك بعدما خلطت إحدى الصحف بينه وبين أخيه الذي توفي، ووصفت ألفريد قائلة: "رحل تاجر الموت"، لأنه كان يمتلك مصانع أسلحة تسببت في حروب ودمار للبشرية. بعد أن أفاق من غفلته، قرر مكافأة العلماء في بعض العلوم الأساسية وهي: الطب والكيمياء والفيزياء، إضافة إلى الأدب والسلام. وفي عام 1968، أُضيفت جائزة نوبل في الاقتصاد، ليصبح مجموع الجوائز الممنوحة كل عام 6 جوائز. 

لكن، عند التدقيق في هذه الجوائز، نلاحظ وكأنّ جائزة ليست موجودة، رغم أنها أساسية في عصرنا هذا، ولا يمكن غض الطرف عن أهميتها في الماضي أيضًا، إنها التكنولوجيا أو الرياضيات. سمعنا عن عباقرة أثقلوا السجل البشري بآلات وتقنيات متطورة، ساعدت البشرية على الصمود وبناء القيام بالحضارات. مثلًا، عند النظر في القرون السابقة، نجد أنّ التطور كان يسير ببطء مقارنة بالثورة العلمية التي حدثت مؤخرًا بفضل التكنولوجيا التي تدخلت في جميع نواحي الحياة تقريبًا. 

لماذا حرم نوبل التقنيين من جائزته؟

ألفريد نوبل

تتكهن إحدى القصص الشائعة بأنّ ألفريد نوبل رفض وضع جائزة في الرياضيات بسبب كرهه لعالم رياضيات كان على علاقة بزوجته، لكنها قصة خاطئة تمامًا، وذلك ببساطة شديدة، لأنّ ألفريد نوبل لم تكن لديه زوجة أصلًا! ما يعني أنّ هناك أسباب أخرى، حرمت رجلًا مثل نيكولا تيسلا أو توماس إديسون من الحصول على جائزة مرموقة مثل هذه. 

الأولوية للعلوم الأساسية

رأى نوبل عندما صمم جائزته، أنه من الأفضل ذهابها للابتكارات والاكتشافات الفكرية في العلوم الأساسية التي تُحدث تقدمًا حقيقيًا في حياة البشر. أما الابتكارات المرتبطة بالتكنولوجيا فهي غير مؤهلة لجائزة كهذه. ربما لم يدرك نوبل ما يمكن للتكنولوجيا إحداثه أو أنه أراد تصميم جائزته للعلوم الأساسية فقط. كلا الاحتمالين موجودان. ولا أحد يعلم ماذا كان يدور في رأس ذلك الرجل العبقري.

تطور لا يقف

توفي السيد "ألفريد نوبل" في عام 1896، ومُنحت جائزة نوبل الأولى في عام 1901، أي بعد وفاته بـ 5 سنوات. والآن مرّ أكثر من قرن على منح أول جائزة، لكن خلال هذه الفترة، حدثت ثورة في العلوم بفضل التكنولوجيا التي أخذت بيد العلوم الأخرى نحو التقدم. في نفس الوقت، زادت الابتكارات التكنولوجية، فأصبح أكثر من نصف العالم متصل بالشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، حتى أنه صار ضرورة لا بد منها، وما زالت التكنولوجيا تفاجئنا كل يوم. بالطبع لم يرَ نوبل هذا التطور. 

مجرد أداة

يُقال إنّ الرياضيات هي لغة الكون، وكان لها فضل كبير في رحلة الإنسان الأولى إلى القمر في مهمة أبولو 11، من بعدها بدأت الأنظار تتجه نحو الفضاء الغامض، وذهبت العديد من الرحلات، لكن هل كانت ستتم هذه الرحلات دون تكنولوجيا؟ الإجابة القاطعة هنا لا. وهنا أيضًا ربما لم يدرك نوبل ما قد تفعله التكنولوجيا من أجل البشرية. مع ذلك اعتبر التكنولوجيا مجرد أداة مساعدة لإحداث التقدم في العلوم الأساسية، ما يجعلها ليست مؤهلة من وجهة نظره. بالرغم من تذمر علماء الرياضيات وطلبهم لإضافة جائزة للرياضيات منذ عقود، إلا أنّ اللجنة المشرفة على الجائزة ما زالت رافضة هذا الأمر حتى الآن. كما أعلنت أنه لا نية لها بإضافة المزيد من الجوائز. 

لماذا يسعى التقنيون للحصول على نوبل؟

ربما لم تسمح نوبل للتكنولوجيا الدخول تحت تنورتها، لكن هناك العديد من الجوائز الأخرى القيّمة في مجال التكنولوجيا مثل: جائزة تورنغ وماركوني وتشارلز ستارك درابر وغيرهم، إلا أنّ لجائزة نوبل طابع خاص، حتى إنّ جمعية آلات الحوسبة ACM، عرضت على مؤسسة نوبل تمويل جائزة خاصة بالتكنولوجيا، لكن المؤسسة رفضت. بالرغم من أنّ جوائز جمعية آلات الحوسبة لها قيمة عالية، لكن إضافة اسم نوبل لها نكهة مميزة، وتُشرف أي جائزة يُضاف اسمها إليها. 

في محاولة للتحايل على جائزة نوبل

بالرغم من عدم وجود جائزة صريحة من نوبل للتقنية، إلا أنّ هناك عدد من التقنيين الذين تسللوا إلى جائزة نوبل، لكن ليس تحت مسمى التقنية، وإنما الفيزياء. أبرز الأمثلة على ذلك: 

  • غولييلمو ماركوني، الذي حصل على نوبل في الفيزياء عام 1909، بسبب ابتكار جهاز الإرسال اللاسلكي. 
  • ويليام شوكلي وجون باردين ووالتر براتين، الذين حصلوا على نوبل عام 1956، لتصنيع الترانزستور
  • تشارلز تاونز ونيكولاي باسوف وألكسندر بروخروف، الفائزون بنوبل في الفيزياء عام 1964، لعملهم في الإلكترونيات الكمومية.
  • جورس ألفروف وهربرت كرومر وجاك كيلبي، حصلوا على نوبل في الفيزياء عام 2000، لعملهم في تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من خلال تطوير أشباه الموصلات والدوائر المتكاملة. 

وهناك عدد آخر من الفائزين بنوبل في الفيزياء، لكن جوهر أعمالهم قائم على التقنية. ولا شك في أنّ لهذه الابتكارات أثر ملموس على تطور البشرية، مع ذلك، لا تعترف نوبل بجائزة خاصة بالتقنية. 

وأخيرًا.. تتمتع جائزة نوبل برونق خاص، يكفي ذكر اسم نوبل على أي جائزة، سترتفع قيمة هذه الجائزة، لكن هناك سؤالًا مطروحًا في الساحة، ماذا إذا عاصر السيد ألفريد نوبل عصر يبزغ فيه نجم التكنولوجيا مثل عصرنا هذا؟ هل كان سيخصص جائزة خاصة بالتقنية حقًا؟ أم ستبقى نظرته ثابتةً وسيراها مجرد أداة مساعدة للعلوم الأساسية ولا داعي لأن تكون لها جائزة خاصة؟ عمومًا، إجابة هذه الأسئلة عند رجل رحل منذ أكثر من قرن، لكن لا أحد يعرف ما يمكن أن يحدث في المستقبل، ربما تقرر مؤسسة نوبل إضافة جائزة خاصة بالتكنولوجيا. في هذه الحالة، من تتوقع حصوله على جائزة نوبل في التكنولوجيا؟