جيم بوي – تتريس… كيف انتهت الحرب الباردة على يد لعبة؟!

أبـو بكــر سليمـان
أبـو بكــر سليمـان

7 د

ربما لا يخفى على أحد – الآن – حجم صناعة الترفيه في العالم، و خاصة تلك المتعلقة بصناعة ألعاب الحاسوب عبر المنصات المختلفة. فأنت ترى يومياً أرقام فلكية تظهر بعد إصدار كل لعبة، و ترى أيضاً كيف أن الألعاب الجماعية (عبر شبكات الانترنت) ساهمت في خلق مجتمعات إفتراضية بقوة لا يستهان بها.

و لكننا اليوم بصدد رواية قصة، ربما لا نبالغ إن قلنا أن أبطالها هم الرواد الحقيقين لصناعة الألعاب في العالم. فهم لم يحققوا بطموحهم مجرد لعبة حققت أرقام قياسية فقط، بل كسروا أكبر حاجز في التاريخ البشري الحديث أيضاً، الحرب الباردة.


أروع أعوام التكنولوجيا

لمتابعي تاريخ التكنولوجيا، ربما يعرفون حجم العام 1984 في هذه الصناعة. ففي هذا العام نشأت شركات شهيرة، و أُطلق أول حاسوب شخصي رسومي Apple Macintosh في إعلانه الشهير الذي أًسقط على الرواية الشهيرة باسم 1984. ولكن ما يهمنا الآن هو إطلاق لعبتين.

الأولى كانت The Black Onyx، اللعبة التي برمجها الشاب وقتها “هانك روجرز Hank Rogers” وباعت نحو 150 ألف نسخة تحت اسم شركة Bullet Proof Software. وأما الثانية فكانت للروسي “اليكسي باجيتنوف Alexey Pajitnov”، الذي كلفته “الأكاديمية السوفيتيه للعلوم” بموسكو (حيث كان يعمل) ببرمجة لعبة بسيطة لإختبار بعض قدرات أجهزة جديدة لديهم. فكانت لعبته الأشهر “تتريس Tetris”.

alexey-pajitnov
ذو صلة

بالنسبة لـ”اليكسي” لم يكن الأمر أكثر من مجرد مهمة عمل لا بد له من انجازها، ولكنه – أيضاً – كان يريد صناعة شئ مبدع قليلاً. فحاول في بداية الأمر أن يصنع لعبة “قطع Puzzle”. و لكن الأمر بدا أنه سيكون صعباً بعض الشئ, نظراً لإمكانيات نظام الحاسوب الذي يعمل عليه البسيطة، ففكر في صناعة أمر أبسط…

فكانت فكرة “Puzzle” ولكن أشبه ببناء جدار من صفوف. مستخدماً نظامه الحاسوبي الذي لم يكن يدعم غير الحروف النصية في رسم الأشياء. فكان الإصدار الأول من “تتريس” (هل لاحظت في الصورة لأول إصدارات “تتريس”، أن جميع الرسومات عبارة عن حروف؟).

Tetris_DOS_1986


أول الخطوات, لا يمكن توقعها

بعد تجربة اللعبة بنجاح على أجهزة IBM، أعتقد “اليكسي” أن الأمر قد انتهى هنا، لكنه إكتشف أن اللعبة إنتشرت كالنار في الهشيم وسط زملاء الأكاديمية. وفترة قليلة حتى جاء العام 1986 لتصدر اللعبة في إصدار حاسوبي ينتشر بأرجاء الاتحاد السوفيتي ومنه إلى الدول المجاورة.

ربما بالنسبة لـ “اليكسي” و”أكاديمية العلوم السوفييتية”، كان الأمر مجرد فكرة لعبة أعجبت المستخدمون، ولن يمضي الوقت حتى ينساها الجميع. فالإتحاد السوفييتي مليء بالصراعات الداخلية، وسياسات التقشف تضرب بالبلاد، وهناك أعداء يتم لومهم على كل شئ بسبب الحرب الباردة. و على رأسهم العدو الأكبر، الولايات المتحدة الأمريكية. و لكن أمراً ما سيحدث، سيبشر بإنتهاء هذا كله.


صراع الحقوق

ما إن بدأت اللعبة بالظهور، حتى سعى العديد لنيل حقوق إصدار اللعبة على المنصات الحاسوبية المختلفة. فتمكنت شركة Spectrum Holobyte من نيل حق إصدار اللعبة على أجهزة IBM، وتأتي بعدها شركة MirrorSoft عام 1987 من نيل حقوق التوزيع لأجهزة “أتاري Atari” و “أميجا Amiga”.

ولكن يبدو أن الأمر كله كان أصعب على “أليكسي” المبرمج أن يديره. ونظراً لخوفه من تداعيات الأمور، و لربما لظنه أن الأمر أخذ أكبر من حجمه. فقد قرر أن يبيع حقوق اللعبة بالكامل “للحكومة السوفيتية” لعشر سنين بالكامل، ليتفرغ هو لعمله.


أن ترى المستقبل قبل حدوثه

كل هذا كان يتم، و لكن بمنتهى البطء إذا ما تحدثنا عن العلاقات بين المعسكرين الشرقي و الغربي (الإتحاد السوفييتي و أمريكا). فاللعبة أخذت وقت طويل حتى تنزل الأسواق الأمريكية. و كان يتم التعامل معها بحذر، حيث كان إذا تحدث عنها أحد التقنيين الأمريكيين، كان يدعوها بـ”اللعبة الشيوعية بالكامل“. لأنها كانت لا تتحدث إلا عن البناء والأيدي العاملة.

ولك أن تعلم أن أول عرض للعبة في أمريكا كان في “مؤتمر لاس فيجاس” عام 1988 بواسطة شركة Spectrum Holobyte التي قررت خوض السوق الأمريكي، رغم سمعة اللعبة “الشيوعية”.

حتى هذا الوقت، فالقصة تبدو عادية. من حيث لعبة نجحت، فتسابق الكثير لنيل الحقوق. ولكن ماذا عن الذي لم يتم إصداره بعد، وهناك من يسعى خلفه!!

عودة إلى صانع لعبة The Black Onyx، المبرمج “هانك روجرز”. الذى رأي اللعبة لأول مرة في المؤتمر، فخطرت في باله فكرة. هذه اللعبة لا تصلح لما هي عليه الآن، إنها تحتاج لمن يعيد إكتشافها، ليس للسوق الأمريكي فحسب، بل للعالم أجمع.


أنت لا تقدر ما بين يديك

henk-rogers-0782613-304

الكثيرون منا لا يقدرون ما بين أيديهم، و هكذا كان الأمر مع الشركة اليابانية “نينتيندو Nintendo” التي كانت أزمعت إطلاق جهازها الثوري الجديد “جيم بوي Game Boy” (ومن منا لم يحظ باللعب عليه صغيراً؟). و كان “هانك” على علم بذلك، ولكنه تواصل مع مدير الشركة الياباني “أراكاوا Arakawa” و أخبره أن جهازه العظيم ينقصه أمر ما!

كان من المخطط أن يتم دمج لعبة “سوبر ماريو لاند Super Mario Land” ليتم إطلاقها مع أول إصدارات “الجيم بوي”. و لكن منذ رأي “هانك” اللعبة “تتريس”، كان يؤمن أن هذه اللعبة صممت من أجل “الجيم بوي”. و قد كان التفاوض على إقناع “أراكاوا” عن التنازل عن “سوبر ماريو” لصالح “تتريس”. وهو الأمر الذي أعجبه بالفعل. و لكن عن ماذا نتفاوض هنا؟! أننا لا نملك حقوق اللعبة، ولا نستطيع مجاراة الشركات الضخمة في نيل الحقوق !!


مرحلة الوحش

حاول “هانك” في بداية الأمر أن يحصل على الحقوق من خلال وساطة الشركات الأمريكية المتواجدة حوله، ولكنه فشل لضيق الإمكانيات وصعوبة الفكرة. وتأخر الوقت حتى تفاجأ بأن هناك شخص آخر قد فتح الموضوع مع “أراكاوا” حول نفس فكرة إصدار “جيم بوي – تتريس”. مما يعني أنه إذا لم يحصل على الحقوق الآن، سيسبقه أحد آخر إليها وتضيع الفرصة.

ولذا، فقد قرر “هانك” أمراً مثيراً. لما لا يذهب ويفاوض الحكومة السوفيتية نفسها؟! و بالفعل حصل على تأشيرة دخول وانطلق نحو البلاد الباردة لمفاوضة الحكومة على نيل الحقوق لأجهزة “جيم بوي”.


المصادفات تخدمك أحياناً

كانت شركة “نينتيندو Nintendo” قد أقتنعت بأنه لابد من وجود “تتريس” على أول إصداراتها، فخاطبت شركة Spectrum Holobyte للحصول على الحقوق أيضاً. بدلا من دخول وسيط كـ “هانك”. و اقتنعت أن “هانك” (الذي لا يعلم أحد أين اختفى!) لن ينجح وحده في نيل الحقوق.

فما كان من الشركة Spectrum Holobyte إلا أن خاطبت الممثل السوفييتي “كيفين ماكسويل Kevin Maxwell” لتعرض عليه الأمر. فأخذ هو القرار بالسفر إلى الإتحاد السوفيتي لمطالعة الأمر مع الحكومة. في الوقت الذي لا يعلم أحد أن “هانك” كان هناك بالفعل.

وفي أول أيامه هناك، بدأ “هانك” بتصوير مقاطع فيديو للبلاد الباردة التي حكوا له الكثير عن نظمها الشمولية والشيوعية في بلاده. وبالفعل نال مقابلة سريعة مع ممثلي الحكومة بشأن اللعبة.

لم يكن ممثلي الحكومة يدركون ماذا كان “هانك” يسعى إليه بشأن “حقوق الملكية”!!. فالأمر المكتشف هنا، أن كل من حصل على الحقوق كان قد حصل عليها من “أليكسي” المبرمج نفسه. و لكن بالنسبة للحكومة البيروقراطية، فلم يسع أحد للتفاوض معها بهذا الشأن، الذي لا تعلم هي عنه شئ أصلاً!!

لذا فما كان منها إلا أن أرسلت فاكس إلى الممثل السوفييتي “ماكسويل” تسأله عن رأيه بهذا الشأن. ولكنهم لم يعلموا أن “ماكسويل” لم يكن في مكتبه بانجلترا، بل في طريقه إليهم بالفعل. ولما مر الوقت و لم يرد “ماكسويل” على الخطاب (والذي بالتأكيد كان سيحول دون تمام الأمر). اقتنعت الحكومة أن عليها أن تريح دماغها من هذا الشاب الأمريكي “هانك”. أعطوه تلك الحقوق التي يريدها. بمنتهى البساطة.


نهاية الحرب الباردة, مبكراً

tetris

بالتأكيد جن جنون الشركات الأخرى حول الفعل الغبي الذي إرتكبته الحكومة السوفيتية حول “تتريس”. و في النهاية أعلن “هانك” مع “أراكاوا” إصدار أول أجهزة “الجيم بوي – تتريس” في مارس 1989، (تأخر إصدار اللعبة لشهور لوجود مشاكل قانونية)، محققة أعلى رقم قياسي تم تحقيقه في زمن قصير، و هو بيع 35 مليون وحدة. وعلى بعد شهور من نهاية الحرب الباردة. حيث كانت ضربة قوية في صناعة التكنولوجيا، بشرت بأنه يمكن لتلك التكنولوجيا أن تزيل كل الحواجز بين البلاد التي كانت الحرب بينها دموية بالأمس القريب.


و قال “اراكاوا” حينها جملته الشهيرة (تتريس هي من صنعت الجيم بوي، والجيم بوي هو من صنع تتريس). و لم يدر الرفقاء الثلاثة “اليكسي”  المبرمج، و “هانك” صاحب الحقوق، و “أراكاوا” صاحب الجيم بوي. أنهم صنعوا أكثر من ذلك بالفعل!

rogers_yamauchi_edit-copy

مقطع شهير، حين قابل “هانك” – لأول مرة – المبرمج “اليكسي” في شوارع موسكو. وهو ذاهب للقاءه الأول مع الحكومة للتفاوض بشأن “تتريس”.

فيديو يوتيوب

الفيلم الوثائقي عن القصة Tetris – From Russia With Love

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

بينها جمجمة لزعيم عربي… وقف بيع رفات بشرية في مزاد بلجيكي!

بينها جمجمة لزعيم عربي... وقف بيع رفات بشرية في مزاد بلجيكي!

2 د

قررت دار دور وفاندركيندير للمزادات العلنية ومقرها العاصمة البلجيكية بروكسل، إيقاف عمليات بيع ثلاث جماجم بشرية تعود لأفارقة، بعد الكثير من الانتقادات التي واجهتها بعد إعلانها عن مزاد بيع الرفات البشرية.

وبحسب صحيفة تايمز البريطانية، فإن الدار البلجيكية، عرضت الجماجم الثلاث وإحداها تعود لزعيم عربي، تم تزيينها بالجواهر والأحجار الكريمة، وتعود لحقبة الاستعمار البلجيكي للكونغو، وكان من المقرر أن يبدأ السعر بين 750 وحتى ألف يورو.

وذكرت دار المزادات البلجيكية في بيان لها، أنها لا تدعم ولا بأي شكل من الأشكال، إذلال ومعاناة البشر خلال فترة الاستعمار، وأضافت مقدمة اعتذارها من كل شخص شعر بالسوء أو الأذى جراء ما حدث، وقامت بسحب الجماجم الثلاث من المزاد.

يأتي هذا، بعد تقديم منظمة ذاكرة الاستعمار ومكافحة التمييز غير الربحية، شكوى إلى السلطات في بلجيكيا، لإيقاف المزاد المعلن عنه.

منسقة المنظمة، جينيفيف كانيندا، قالت في تصريحات صحيفة لوسائل إعلام محلية، إن المزاد المعلن عنه، يجعلك تدرك بأن أولئك الضحايا تم قتلهم مرتين، الأولى حين ماتوا أول مرة والثاني من خلال المزاد، مضيفة أن العنف الاستعمار هو ذاته يعيد نفسه بشكل مستمر.

والجماجم الثلاث تعود للقرن الثامن العشر، جين استعمرت بلجيكا، إفريقيا، ما تسبب بموت أكثر من 10 ملايين شخص بسبب المجازر والفقر والأمراض.

إحدى تلك الجماجم، تعود للزعيم العربي موين موهار، قتل على يد جندي بلجيكي عام 1893، وتدعى "جوهرة الحاجة الأمامية"، لوجود حجرين كريمين ملتصقين بها.

بينما تعود الجمجمة الثانية لشخص مجهول، وصف بأنه آكل لحوم البشر، والأخيرة أحضرها طبيب بلجيكي، بعد انتزاعها من شجرة الموت والتي يبدو أن صاحبها لقي حتفه نتيجة طقوس دينية وثنية كانت سائدة في إفريقيا.

وبحسب المعلومات فإن تلك الجماجم من المفترض أن تعاد للكونغو، بناء على توصية من لجنة برلمانية تسمح بإعادة الرفات البشرية الموجودة في كل المتاحف والهيئات الرسمية البلجيكية.

وقالت الباحثة ناديا نسايي، إنه ينبغي على السلطات البلجيكية، إصدار تشريع جديد يجرم كل أفعال محاولة بيع رفات بشرية.

وأضافت واضعة كتاب "ابنة إنهاء الاستعمار"، إن بيع الرفات البشرية شيء غير مقبول إطلاقاً، ويجب على بروكسل إعادة الرفاة البشرية إلى أصحابها الحقيقيين، بعد أن سرقوها واعتبروها غنائم حرب.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.