لا شك أن بطارية الهاتف الذكي هي أهم ما نجده فيه، فما أهمية العتاد القوي في حالة وجود بطارية لا تصمد لنصف يوم مثلًا؟! ولهذا فقد زاد اهتمام المستخدمين بأداء هذا المكون المهم في أجهزتهم، ما أدى إلى ظهور مصطلح «صحة البطارية». والذي يحدد الفترة المتوقعة لعمل البطارية بكامل كفاءتها. وبالتالي، قد تلاحظ تراجعًا ملحوظًا في أداء بطارية هاتفك بمرور الوقت، إذ ستلاحظ حاجتك إلى شحن الهاتف مرات أكثر بعد مرور السنة الأولى على اقتنائك للهاتف، وسيزداد المعدل في السنة الثانية بشكل كبير إلى أن يصبح الأمر مزعجًا لدرجة تضطرك إلى تغيير هاتفك، أول على الأقل تغيير البطارية. 

والمقصود بصحة البطارية هنا هو السعة الفعلية التي يمكنك الاستفادة منها، فعلى سبيل المثال إذا كان هاتفك يأتي ببطارية بسعة 4200 ملي أمبير، مع صحة بطارية 70%، فهذا يعني أن السعة الفعلية للبطارية تساوي 2940 ملي أمبير فقط، وهذا ما يفسر سبب ملاحظة الكثير منا الانخفاض الواضح في أداء البطارية مع الوقت.

وقد لاحظت الشركات المصنعة للهواتف الذكية أهمية هذا الأمر، فرأينا أبل تقوم بالسماح بمعرفة صحة البطارية بداية من إصدار iOS 11.3 في عام 2018، ليصبح جميع المستخدمين على علم بالصحة الفعلية لبطاريات هواتفهم، حتى ولو كانت نسبًا تقريبية.

صحة البطارية في أنظمة iOS

ولكن ما السبب وراء هذه الظاهرة، ولماذا لا يمكن للبطارية أن تحتفظ بصحتها الكاملة، وهل هي خدعة تسويقية لإجبارنا على تجديد أجهزتنا؟ سأختصر عليك الإجابة وأخبرك أنه لا علاقة بالأمر بالخدع التسويقية، وإنما بالعلم، وقبل الدخول في تفاصيل إجابة هذا السؤال، يجب أن نفهم أولًا آلية عمل البطارية لنستوعب أسباب ضعفها!

آلية عمل البطارية

تعمل الهواتف الذكية، مثل أغلب الأجهزة الإلكترونية، اعتمادًا على بطاريات أيونات الليثيوم. تتكون هذه البطارية من قطب موجب (مهبط) من عنصر الليثيوم، وقطب سالب (مصعد) من الكربون المسامي أو ما يسمى بالغرافيت. وعند استهلاك البطارية، يمر التيار الكهربي داخل البطارية من قطبها السالب إلى قطبها الموجب، إذ تتحرك أيونات الليثيوم عبر مادة إلكتروليتية من المصعد إلى المهبط. وعند شحن البطارية، تنعكس هذه العملية مع توصيلها بمصدر خارجي يعمل على تمرير تيار كهربي في البطارية في الاتجاه المعاكس لتتحرك أيونات الليثيوم مرةً أخرى نحو المصعد لتستقر في المسام الخاصة بمادته. 

لهذه الأسباب تنخفض صحة البطارية بمرور الوقت

يتأثر عمر بطارية أيونات الليثيوم عند استخدام البطارية لفترات طويلة، في المتوسط تتراوح بين عام ونصف إلى عامين. ويعتبر العامل الرئيسي لتراجع أداء البطارية هو زيادة عدد دورات الشحن. ويتأثر أداء البطارية بمرور الوقت طبقًا لعدد من العوامل الأخرى كالحرارة، والشحن الزائد، بالإضافة إلى بعض العادات السيئة التي قد تلحق ضررًا بالبطارية عند استخدام الهاتف الذكي كاستخدام الشواحن غير الأصلية.

دورات الشحن

يعتمد عمر بطارية أيونات الليثيوم بشكل رئيسي على عدد دورات الشحن داخل البطارية. تمثل كل دورة الاستهلاك الكامل للبطارية حتى 0% ثم إعادة شحنها مرةً أخرى بشكل كامل حتى 100%. وبالتالي، فإن كل دورة شحن تمثل استهلاك 100% للبطارية متبوعًا بشحن 100% للبطارية مرةً أخرى حتى وإن لم تكن الدورة متصلةً، أي أن استخدامك للبطارية حتى 50% فقط ثم شحنها مرةً أخرى يعني أنك قد استهلكت نصف دورة. 

تضعف البطارية مع الوقت وينخفض عمرها كلما زاد عدد دورات الشحن. ويعزى هذا الضعف إلى عدد من التغيرات الكيميائية داخل البطارية والتي تؤثر على أيونات الليثيوم النشطة التي تتحرك بشكل مستمر خلال دورة الشحن. فعلى سبيل المثال، تضعف بطاريات أيونات الليثيوم داخل الهواتف الذكية بفعل مجموعة من التفاعلات الكيميائية الجانبية التي تحدث مع مادة الإلكتروليت داخل البطارية، ما يؤدي إلى تكون مجموعة من المركبات التي تعيق حركة أيونات الليثيوم الحرة، وبالتالي تنخفض كمية أيونات الليثيوم التي تتحرك داخل البطارية منتجةً التيار الكهربي حتى نلاحظ انخفاضًا ملحوظًا في أداء البطارية. 

يمكن أن يكون ضعف البطارية أيضًا ناجمًا عن وقوع بعض الأضرار بأقطابها، وتزداد فرص وقوع هذه الأضرار بالأقطاب مع زيادة دورات الشحن بسبب تواتر حركة أيونات الليثيوم بين قطبي البطارية خلال كل دورة شحن. وبالتالي، تنخفض المساحة النشطة المتفاعلة من هذه الأقطاب بشكل يحد من قدرتها الاستيعابية على استقبال أيونات الليثيوم، ما يؤدي إلى انخفاض كمية أيونات الليثيوم المنتجة للتيار الكهربي. 

حرارة البطارية

هناك اعتقاد خاطئ يسود مستخدمي الهواتف الذكية بأن الحرارة الباردة تؤدي إلى ضعف أو موت البطارية. وغالبًا ما ينتشر هذا الاعتقاد بسبب ضعف بطارية السيارات في الطقس البارد، ولكن الأمر مختلف نسبيًا في حالة الهواتف الذكية. يؤثر الطقس البارد بالفعل على حركة الأيونات داخل البطاريات بشكل عام، وفي بطاريات الهواتف الذكية؛ يمكن لتباطؤ أيونات الليثيوم أن يجعل التيار الكهربي الصادر من البطارية منخفضًا لدرجة يمكن أن تعيق عمل الهاتف ليتوقف ويُغلق بشكل مفاجئ. ولكن بخلاف بعض بطاريات السيارات، تتعافى بطاريات الهواتف الذكية بشكل سريع ولحظي بمجرد ارتفاع درجة الحرارة المحيطة، وسيعود الهاتف للعمل بشكل طبيعي تمامًا كما لو أن شيئًا لم يحدث دون وقوع أي ضرر على عمر البطارية.

وعلى النقيض مع هذا الاعتقاد السائد، يمكن للحرارة الزائدة أن تُضعف من عمر البطارية بشكل كبير وملحوظ. ويحدث ذلك بسبب تفكك مادة الإلكتروليت الموجودة بين أقطاب البطارية عند درجات الحرارة العالية، ما يؤدي إلى انخفاض كمية أيونات الليثيوم المنتجة للتيار الكهربي، والتي تحتاج هذه المادة لتتحرك خلالها بين الأقطاب. 

الحرارة هي العدو اللدود لبطارية هاتفك، تأكد من جعل هاتفك في درجات حرارة متوسطة دائما للحفاظ على صحة البطارية

الشحن الزائد للبطارية

يؤثر الشحن الزائد للبطارية على عمرها بشكل كبير، وهو محاولة شحن البطارية بعد وصولها إلى 100%. ترتفع درجة الحرارة داخل البطارية عند شحنها، وهو أمر طبيعي بسبب المقاومة الكهربية، ولكن عند ترك البطارية في الشاحن بعد وصولها لنسبة 100%، يمكن في بعض الحالات أن ترتفع درجة الحرارة داخلها لفترات طويلة تؤثر بالسلب على عمرها.

وبعد إدراك الشركات المصنعة للهواتف الذكية لهذه المشكلة، طور المصممون آلية أمان تعمل على فصل التيار الكهربي عن البطارية عند وصولها إلى نسبة 100%، وبالتالي قد يقلل هذا من خطر الشحن الزائد. ولكن رغم اعتماد هذه الآلية في جميع الهواتف الذكية تقريبًا، إلا أننا لا ننصح تمامًا بترك الهاتف متصلًا بالشاحن بعد وصول البطارية إلى 100% بسبب ظاهرة تُعرف باسم الشحن المتذبذب (Trickle Charging). 

تؤدي ظاهرة الشحن المتذبذب إلى ثبات الهاتف عند نسبة 100% طوال فترة اتصاله بالشاحن، ويحدث ذلك بسبب تذبذب في شحن البطارية لإمدادها بالتيار الكهربي كلما أوشكت على الانخفاض عن نسبة 100%. تؤدي هذه الظاهرة إلى ارتفاع كبير في حرارة البطارية ما يؤدي إلى ضعف عمرها على المدى الطويل.

يمكن للشواحن غير الرسمية أيضًا أن تسبب ضررًا على عمر البطارية، وذلك من خلال إمداد البطارية بتيار كهربي أعلى من التيار التي صُممت على احتماله، ما يؤدي على زيادة حرارة البطارية بشكل كبير قد يؤدي في بعض الأحيان إلى احتراق البطارية أو انفجارها. ولذلك، تحذر الشركات دائمًا من استخدام الشواحن غير الأصلية أو غير الموثوقة. 

إذًا، كيف يمكنك الحفاظ على صحة بطارية هاتفك الذكي قدر الإمكان؟

بعد أن أوضحنا أسباب ضعف بطارية الهواتف الذكية، سنبدأ في ذكر بعض الطرق البسيطة التي ستساعد في الحفاظ على صحة بطارية هاتفك، وربما تحسين أدائها أيضًا، ونحن لا نتحدث هنا عن الحلول البرمجية، وإنما مجرد عادات شحن يجب أن تبدأ في اتباعها، قد تتمكن من تخمين بعضها بعد أن فهمت أسباب المشكلة، ولكن لا ضرر من الاسترسال في هذا الموضوع الذي يعتبر نقطة مهمة لكل إنسان على كوكب الأرض تقريبًا، أليس كذلك؟

 توقف عن دورات الشحن الكاملة (0% - 100%)، واستخدم فلسفة الشحن الجزئي

أحد الأساطير القديمة التي كنا نسمعها دائمًا هي أن تفريغ البطارية وشحنها بالكامل صحي حيث يقوم بمسح “ذاكرة البطارية”، هذه الأسطورة كانت صحيحة في السابق عندما كانت تصنع البطاريات من حمض الرصاص، أما مع بطاريات الليثيوم آيون التي نتعامل معها الآن، فدورات الشحن الكاملة قاتلة، وتقوم بالعكس تمامًا فيما يتعلق بالحفاظ على صحة البطارية!

والسبب في تفضيل الشحن الجزئي هو أنه يحمي البطارية من الجهد المرتفع الناتج عن دورات الشحن الكاملة، ما يسبب زيادة عمرها الافتراضي، كما أنه يقلل من استهلاك دورات الشحن الكاملة التي تحدثنا عنها سابقًا.

ووفقًا للأبحاث التي قامت بها Battery University، فكل انخفاض بالجهد الكهربي بمعدل 1 فولت يُضاعف فعليًا عمر البطارية.

وبناءً عليه، فننصحك بشحن هاتفك دائمًا ما بين 30% إلى 80% والذي سيسبب فارقًا كبيرًا في الحفاظ على صحة البطارية

تجنب الشحن الليلي (idle charging)

وهو ما تحدثنا عنه في أسباب ضعف البطارية سابقًا، وللأسف فهي عادة منتشرة بين الكثيرين، حيث يتم ترك الهاتف في الشاحن والخلود إلى النوم، وتعتبر تلك واحدة من أكثر العادات التي تسبب قتل البطاريات، وذلك لأكثر من سبب.

الأول هو أنه حتى بعد وصول البطارية لسعتها الكاملة 100%، يستمر تيار خفيف في التدفق داخلها -الشحن المتذبذب- ممّا يتسبب في إلحاق الضرر بمعدن الليثيوم ومن ثم يقلّل من استقرار البطارية على المدى البعيد. أما السبب الثاني فقد ذكرناه سابقًا وهو أنه يترك البطارية على جهد مرتفع، وأخيرًا.. الحرارة الزائدة الناجمة عن تبديد الطاقة الضائعة!

الاستمرار في شحن الهاتف ليلًا ليس إلا وسيلة لزيادة الجهد الكهربي والحرارة، أو بمعنى آخر تدمير بطاريتك!

وفي الحقيقة فقد قامت بعض الشركات بدعم هذه الخاصية في هواتفها الذكية، فرأينا سامسونج على سبيل المثال تضيف خاصية اسمتها بـ "حماية البطارية" والتي تقوم بإيقاف الشحن عند وصول الهاتف لسعة 85%، كذلك رأينا سوني -وهي أول من انتبه لخطورة هذا الأمر- تضيف خاصية “Battery care” في أجهزتها، والتي تقوم فكرتها على دراسة روتين المستخدم ومواعيد شحنه للهاتف ومن ثم إطالة وقت شحن البطارية بحيث تصل إلى 100% وقت استيقاظه.

لا تستخدم هاتفك قدر الإمكان أثناء الشحن

من العادات المنتشرة بين المستخدمين أيضًا استخدام هواتفهم الذكية أثناء الشحن، فإذا كنت على وشك الحصول على وجبة عشاء في لعبة PUBG، فأنت بالتأكيد لن تضحي بذلك من أجل الشحن وستقوم باستكمال الحرب مع وضع الهاتف على الشحن، وها أنت قد كسبت اللعبة، ولكن خسرت صحة البطارية، أو قتلتها بمعنى أصح!

تتيح بعض الشركات خاصية الشحن المنفصل (Charge Separation) والتي تتيح لك استخدام الهاتف أثناء الشحن دون مرور التيار الكهربي بالبطارية نفسها، ما يجعل هاتفك أشبه بجهاز لابتوب منزوع منه البطارية، وهي خاصية ننصحك بشدة بتفعيلها إذا كنت في منتصف مباراة ولا تستطيع التضحية بخسارتك. وجدنا هذه الخاصية في هاتف Red Magic 7 أثناء مراجعتنا الحصرية له!

لا تضع الهاتف في ظروف ترفع من حرارة البطارية

طبعًا فقد أصبح واضحًا أهمية عامل الحرارة على طول عمر البطارية والحفاظ على سعتها، فتعريض البطارية لدرجات حرارة عالية يسبب ضغطًا لها ممّا يؤدي إلى فقدان سعتها بشكل أسرع من تعريضها لدرجات حرارة أقل.

وفقًا للدراسات فإن وضع البطارية في درجات حرارة تتراوح بين 25 – 30 درجة مئوية (77 – 86 فهرنهايت) يحافظ على 80% من سعتها بعد أول سنة حتى لو تم الشحن على دورات كاملة طيلة هذه السنة (بالطبع ستكون السعة أكبر لو كان الشحن على دورات جزئية -غير كامل- كما ذكرنا في أول نقطة)، بينما إذا تم رفع درجة الحرارة لـ 40 درجة مئوية (104 فهرنهايت) فإن ما سيتم حفظه من سعة البطارية سيكون 65% فقط.

ولهذه الأسباب، يسعى المطورون إلى ابتكار تعزيزات جديدةً على المواد المستخدمة في صناعة أقطاب البطاريات للحفاظ عليها من التلف، بالإضافة إلى زيادة مقاومة مادة الإلكتروليت لدرجات الحرارة الزائدة. ولكن ننصح المستخدمين أيضًا بضبط استخدامهم للهاتف حفاظًا على حرارة متزنة مع تجنب الشحن الزائد للبطارية قدر الإمكان للحفاظ على صحة البطارية لأطول فترة ممكنة.