الحديث عنها دائمًا ما ترافقه ابتسامة ترتسم على الشفاه من تلقاء نفسها، ربما لأنها ارتبطت بالكوميديا ولكن بالمقابل قدمت عشرات الأدوار في التراجيديا عززت نجوميتها، فحضورها مبهج بقدرِ ما تمتلك من موهبة، هي الفنانة شكران مرتجى بدون منكهاتٍ اسمية تدعى ألقابًا فنية تسبق اسمها، فسنوات العمل المتراكمة وما اختبرته في مهنة التمثيل، أثقل اسمها في مجال الخلق والإبداع، وصنع تواجدها كواحدة من أيقونات الفن السوري، دون المبالغة في قول ذلك، ما قدمته من موروثٍ فني على صعيد الأداء الاحترافي العالي ستتركه للأجيال المتلاحقة. ولأنها مضرب مثل عن الفنان المجتهد والذكي، في طريقة تعاطيها مع حرفة التمثيل بمسؤولية وأمانة.

اقرأ أيضًا: أشهر الممثلات السوريات على شاشات التفاز

نجومية صنعتها الأدوار الصغيرة

لم تتحقق نجومية الفنانة شكران مرتجى لأنه أسند لها أقوى الأدوار، أو أدوار البطولة حتى (كما نقول بالعامية من الجلدة للجلدة)، بل من خلال مساحات لعبٍ صغيرة خلقت لنفسها بواسطتها حالة فنية خاصة متفردة ومختلفة عن ما هو مألوف، مساحة مهمة أجادت فيها صناعة وبناء تواجدها الفني ونافست بها ممثلي الشخصيات الرئيسية، أدوارٍ نادتها فلبت النداء بحبٍ وشغف، شغف من يعشق مهنته ويرغب بترك بصمةٍ خاصة، تمامًا كما فعل من قبلهم الذين أسسوا لهذا الفن وصاروا فيما بعد أعلامًا فنية وأسماءً يحتذى بها.

لم تلتفت يومًا لحجم الدور، هذا ليس فقط مع بدايتها وهي تثبت نفسها بشق الأنفس مع كل فرصة، وإنما أيضًا في أثناء اعتلائها درجات التميز وبعد أن غدت من أبرز الوجوه النسائية الدرامية في سورية، فعبوس شركات الإنتاج في وجهها لم ينتهِ إلا فيما ندر، لم تكترث لها بطلة أولى في أعمالها، لم تحقق أبدًا مقاييس الجمال وفق معاييرهم، لكن النجومية ابتسمت لها بفعل الموهبة والاشتغال على ما لديها ودراستها الأكاديمية سابقًا ضمن المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، وبناء مسيرتها طوبة طوبة، ونتيجة حب الناس لها وقربها منهم. غالبت الصعاب لإثبات نفسها، وحلمها.

اقرأ أيضًا: مسلسلات رمضان 2022 السورية.. قائمة بأهم الأعمال المعروضة والقنوات الناقلة

شكران مرتجى.. طبعت في الكوميديا حتى في أصغر مشاركاتها

معرفة الذات أمر مهم للممثل الحقيقي، يخدمه في نواحٍ عدة في المهنة، فعندما يدرك أدواته جيدًا ومكامن قوته ويعي ما ينقصه وما هو بحاجته لكي يتطور يكون قد ضمن جزءًا من النجاح في مجاله. عمومًا أي مجال في الحياة بحاجة للبحث والاستكشاف من أجل عملية التطور المهني.

وهذا ما تحرص عليه الفنانة شكران مرتجى ابنة مدينتي غزة ودمشق، فهي لم تستأنس يومًا بما لديها، بل كانت ولا زالت تواقة للبحث والتجريب في عالمٍ يكسوه الإبداع.

وبالعودة إلى بداياتها الجلية للكل، ما حقق لها الانتشار سوريًا وعربيًا، مشاركاتها في المسلسلات الكوميدية، فعلى الرغم من أن هذه الأعمال لا تلقى الكثير من الدعم في سورية تحديدًا من قبل شركات الإنتاج، ولا يتم أخذها على محمل الجد ضمن جوائز التكريمات، إلا أنها تترك أثرها عند المتلقي العربي الذي يعدها متنفسًا لما يعيشه ويمر فيه، لذلك نجد أن التكريمات يتحصل عليها الممثل من الجمهور.

من الأعمال المهمة التي قدمتها للناس بشكل صحيح ولاقت استحسانًا كبيرًا، مسلسل يوميات جميل وهناء (إخراج: هشام شربتجي، تأليف: زياد الريس، إنتاج: 1997) بشخصية الآنسة أمل سكرتيرة الأستاذ جميل الحمصي “أيمن زيدان” والمتيمة به لدرجة رغبتها الارتباط به، كان شكلها حينها عاملًا رئيسيًا لنجاح الدور فأمل جمال لا تمتلك مقومات الجمال التي تمتعت بها باقي موظفات السكرتارية اللاتي عرفناهن في الدراما بأحجامهن السيليكونية، خصوصية شكلها لم يربك موهبتها بل كان دافعًا للأمام، وهذا ما صرحت به مرارًا، فالله منحها إلى جانب ملكة التمثيل قبولًا وجد ضالته في قلوب المشاهدين.

يذكر أنه في عام 2001 تم تقديم الجزء الثاني منه حمل عنوان “ألو جميل ألو هناء” (إخراج: محمد الشيخ نجيب، كتابة: زياد الريس).

وأيضًا هناك طرفة العبد أشهر طباخة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والسند القوي لشريكتها وصديقتها دنيا “أمل عرفة” ضمن مسلسل دنيا بجزأيه الأول عام 1999 (كتابة: أمل عرفة وعمار مصارع، إخراج: عبد الغني بلاط) والثاني عام 2015 (كتابة: أمل عرفة، إخراج: زهير قنوع).

وشخوص أخرى متعددة في سلسلة بقعة ضوء (عدة كتاب ومخرجين) الشهيرة، وعيلة 7 و8 نجوم (إخراج: هشام شربتجي، كتابة: ممدوح حمادة) وأعمال أخرى جسدت فيها الدور الثالث، والثاني، والأول.

شخصيات تقبلتها الأعين ولاطفتها الأرواح، بفضل هالتها الساحرة، فشغلت حيزًا من الذاكرة، وصارت ورقة رابحة يستخدمها كل من يرغب بصناعة فن كوميدي جميل.

الفنانة شكران مرتجى.. بقدر ما أضحكتنا أبكتنا، بحرفية مؤلمة

بقدر ما أضحكتنا، أبكتنا، لعبت عشرات المسلسلات والشخصيات الدرامية التراجيدية، شخوص تلتقي ولا تتصادم، فالممثلة واحدة تجسد باستفاضة وإحساس عالٍ في أدوارها كافة، لكن الحالة الشكلية والجوهرية حول ما تتقمص وتتبنى تختلف. شكلت علامتها الفارقة في عدة أعمال نذكر منها : (خان الحرير، عصر الجنون، على حافة الهاوية، الصندوق الأسود، نساء من هذا الزمن، بانتظار الياسمين).

ولعل أبرز ما قدمت كان عبر مسلسل “مذكرات عشيقة سابقة” (إخراج: هشام شربتجي، كتابة: نور الشيشكلي، إنتاج: 2017) من خلال هدى امرأة روحها مثقلة بالخيبة والوجع والانكسار، كسرتها الحرب وأهلها.

ومسلسل آخر عرض في رمضان 2022 “مع وقف التنفيذ” (إخراج:سيف السبيعي، كتابة: علي وجيه ويامن الحجلي) كانت سكر امرأة لم تبخل عليها الحياة بكفوفها، ظلها رجلها، كالكثير من النساء اللواتي نشأن على ذلك في مجتمعاتهن.

حيوات شخصياتٍ جسدتها بحرفية مبهرة ومؤلمة، نساء لا شيء يضاهي تعقيداتهن النفسية واحتياجاتهن الإنسانية والعاطفية.

شكران مرتجى.. البيئة الشامية وبحر النفسيات المختلفة

يقال إن أسعد لحظة في حياة الإنسان عندما يرحل إلى أرضٍ لا يعرفها. ما بالك في حالة الفنان الذي يحيا حيوات عدة، ويرتحل لأزمان مختلفة بفعل اللعب والتقمص الدرامي، ينسلخ عن حقيقته شيئًا من الوقت ليدخل في عوالم شخوصٍ أخرى، لا تشبه روحه ومعتقداته.

تنقلت مرتجى في أنماط مختلفة من الدراما، ومنها نمط دراما البيئة الشامية التي ذاع صيتها مع تسعينيات القرن الماضي، أدت فيها أدوار تراجيدي وأخرى قريبة للكوميدي، غاصت في بحر النفسيات المختلفة، أبرز أدوارها هنا رغم تفاوت حجم مساحات الأداء كانت في (باب الحارة، الحوت، الأميمي، سلاسل دهب، حارة القبة، الكندوش).

لعل أهم أدوارها وأكبرها من حيث حجم الدور ليس في البيئة الشامية فقط وإنما في مسيرتها الفنية ككل، شخصية شامية ضمن مسلسل “وردة شامية” (إخراج: تامر إسحاق، كتابة: مروان قاووق، عام 2017) امرأة دمشقية ظلمتها الحياة وذاقت مرارتها، فتحولت إلى جلاد انتقامًا منها، دون إدراك تام لذلك في البداية.

‏لا خوف على الشخصية معها، هي دائماً في مأمن. تلعب وتلعب وتغوص كل مرة في الدور حتى الامتلاء، لتقدم الإمتاع والبهاء.

تعرف الفنانة ‎شكران مرتجى كيف تحبب الناس بفنها، هي قريبة لدرجة لا تصدق، لأن الصدق السمة الأبرز لكل هذا الأداء الذهبي. هي نجمة من طرازٍ خاص مهما اختلفت المكانة داخل العمل الفني.. وهل يمكن حجب نور الشمس؟