السينما و"الميتافيرس"
0

في الأيام الأخيرة أعلن مارك زوكربيرج عن تغيير اسم شركة “فيسبوك” إلى “ميتا”، وخلال المؤتمر الصحفي لهذا الحدث أعلن “مارك” عن تقنية “الميتافيرس”  Metaverse، والتي ستندرج تحت تقنيات الشركة وستنضم إلى تطبيق فيسبوك، وفكرتها ببساطة هي أن مستخدم التطبيق سيتمكن من خلق عالم افتراضي خاص به، يصبح هو الوحيد المتحكم فيه، وفي كل ما يحتوي عليه.

كانت السينما وستبقى دائمًا هي البوابة الأولى للخيال والتنبؤات بكل ما يمكن أن يحدث في العالم، كما أنها -منذ أن نشأت- تعتبر الفن الأقرب لعامة الناس، وبناءً على هاتين الركيزتين، أصبحت الأفلام التي تناقش أحداثًا خيالية أو لم تحدث بعد، دائمًا هي محط الأنظار والاهتمام لكل محبي السينما وما يندرج تحتها.

تنبؤات السينما بـ “الميتافيرس”

سبق وأن ناقشت الأفلام والمسلسلات العديد من الأفكار التي تتنبأ بقدوم عوالم افتراضية سيتم خلقها بواسطة التكنولوجيا، وبدأت هذه الموجة بأفلام الخيال العلمي التي تنبأت بصناعة الروبوت ووجود الكائنات الفضائية وإمكانية التواصل معها، ثم تطورت الأفكار حتى وصلت لما يمكن أن تفعله التكنولوجيا في البشر.

يعتبر فيلم “Blade Runner” في نسختيه هو أشهر مثال على ذلك الأمر. ولكن في العقد الأخير جاء المسلسل الشهير “Black Mirror” الذي يعتبر هو الأجرأ بين كل ما صُنع لمحاكاة ما يمكن التطور التكنولوجي أن يفعله في العالم.

عالم  Black Mirror وعلاقته بما يحدث الآن

شارلي بروكر السيناريست والمخرج البريطاني الذي تنبأ بـ "الميتافيرس"

في عام 2011 جاء المخرج والسيناريست شارلي بروكر “Charlie Brooker” بأول ثلاث حلقات من عالمه الخاص “Black Mirror” الذي تنبأ فيه بالعديد من الأشياء في كل المجالات، لم يُحصر المسلسل في زمنٍ ما في المستقبل تاركًا للمشاهد وضع الزمن المحدد لما يحدث خلال كل حلقة، فلم يكن تحديد الزمن هو المهم بل كان تحديد الأثر الواقع من التكنولوجيا في المستقبل هو العامل الرئيسي في كل حلقات المواسم الخمسة.

الموسم الأول وحلقة Fifteen Million Merits

في الموسم الأول هناك حلقة بعنوان “Fifteen Million Merits” وكان بطل هذه الحلقة هو الممثل دانييل كالويا “Daniel Kaluuya” في أدواره الأولى الأشهر على الإطلاق. في هذه الحلقة ناقش بروكر فكرة تحويل الإنسان إلى مجرد رقم، ففي عالمها هناك مكان افتراضي يوجد به العديد من الأفراد باعتباره المكان الأمثل في العالم، وكل فرد يصنف كمتسابق في برنامج للمواهب، لا يحصل منهم على فرصة عرض لموهبته إلا من يصل إلى رقم معين مفروض من قبل الشركة الراعية للبرنامج ولهذا العالم، والأرقام لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال التمارين الرياضية فقط!

حلقة Fifteen Million Merits تنبأت بعالم "الميتافيرس" لدى مارك

ربما الفكرة تكاد تكون بعيدة عن عالم “الميتافيرس” الذي يصنعه مارك، ولكن الأقرب منها هو ما جاء في هذه الحلقة من صور تم تداولها بعد الإعلان عن شكل العالم الافتراضي بداخل “الميتافيرس”، مما يجعل الأمر أقرب إلى الحقيقة!

الموسم الثالث وحلقة Nosedive

في الموسم الثالث جاءت حلقة بعنوان “Nosedive” أو “منحدر” والتي تُعتبر هي الأقرب لما نعاصره اليوم في مواقع التواصل الاجتماعي، ففي هذه الحلقة تنبأ بروكر بأزمة كانت الأقرب في التحقق وهي تحكم مواقع التواصل الاجتماعي في حياة الإنسان وفي مصيره.

جعل بروكر الناس على هذه المنصات عبارة عن طبقات يتحكمون في بعضهم البعض من خلال تقييمهم لبعضهم في كل نواحي الحياة. كل الحيوات متاحة للجميع ليشاهدها. كل السلوكيات يراها الجميع. فأصبحت الآلة تتحكم في مصير صاحبها وليس العكس، مما يجعل كل فرد يزيف حقيقته حتى يراه الآخرون بصورة أفضل. فكلما زاد عدد نجومك وأرقامك على مواقع التواصل الاجتماعي، زادت شهرتك وثقلت مكانتك بين أفراد المجتمع.

Nosedive black Mirror

في هذه الحلقة نرى “ليسي” وهي فتاة جميلة مهتمة بتقييم الناس لها وعدد ما تحصل عليه من نجوم، تتعرض “ليسي” إلى صدفة في زفاف إحدى صديقاتها “ناعومي” مما يجعلها تفقد أعصابها وتتلفظ بألفاظ خارجة فيصورها كل المدعوين، وبالتالي تفقد العديد من النقاط على ملفها الشخصي بمواقع التواصل، وكلما أرادت أن تصلح ما أفسدته تفقد أكثر وأكثر حتى يصل بها الأمر لنهاية مأسوية إثر ما فعلته، أو بالأحرى إثر ما فعلته مواقع التواصل بها وبغيرها، وعندما تدرك “ليسي” الأمر تفرح لأنها ولأول مرة رأت نفسها بصورة حقيقية تفعل فيها ما يحلو لها دون الخوف من رد فعل الناس.

الموسم الرابع وحلقة USS Callister

USS Callister

وفي الموسم الرابع جاء بروكر بحلقة مفصلية جريئة خلط فيها بين العالم الافتراضي المخلوق من قبل التطور التكنولوجي وبين عالمنا الحقيقي. ففي حقلة “USS Callister” نرى مصمم الألعاب الذكي “روبرت دالي” الذي يخلق عالمًا كاملًا يحاكي ما كان في برنامجه المفضل بالصغر “Star Trek” في هذه اللعبة يلعب روبرت دور القائد الذي يتحكم في طاقم سفينته، وهو الشيء الذي لا يستطيع روبرت فعله في عالمه الحقيقي؛ وهذا لأنه مكروه من زملائه لانطوائه الشديد وذكائه الذي جعله مغرورًا بينهم.

طاقم سفينة الكابتن روبرت هم حفنة من زملائه في العمل بالفعل، ولكن مجرد شخوص لا حقيقة لهم، عرائس يتحكم بها لأنه صانع العالم بأكمله، وحينما يتعجب زملاؤه من اندماجه المطلق أمام جهازه تقرر واحدة منهم استكشاف الأمر، ثم تنقلب اللعبة على خالقها رأسًا على عقب.

أغلب الأفلام والمسلسلات التي تنبأت وعرضت المستقبل التكنولوجي كانت ذات نهايات مأسوية لأبطالها، فهل هذا ما سنؤول إليه حينما يتم تطبيق “الميتافيرس”؟ هل ستزيد التكنولوجيا من انعزالنا حينما نختلق عوالمنا الخاصة؟ أم ستفتح طرقًا جديدة للعولمة والتقارب بين الناس في كل أنحاء العالم؟ المستقبل يكاد يكون مجهولًا الآن ولكن لدينا مؤشرات له بناءً على ما تعرضه لنا صناعة السينما وكتب الخيال العلمي.

ولكن سيبقى السؤال بلا إجابة إلى أن نعاصر الأمر بشكل رسمي. هل سنعيش المأساة نفسها التي خلقها شارلي بروكر لأبطال حلقات مسلسله؟ أم سيكون الواقع أفضل حينما يُنجز “الميتافيرس”؟

اقرأ أيضًا: ما المقصود بمصطلح “ميتافيرس”؟ ولماذا يرغب مارك زوكربيرغ في تغيير اسم فيسبوك للدلالة عليه؟

0

شاركنا رأيك حول "السينما و”الميتافيرس”.. ماذا سيفعل التطور التكنولوجي بنا؟"