التشتت وضياع الحبكة أبرزها.. لماذا فشل الموسم الرابع من Westworld؟

West World
محمد علواني
محمد علواني

8 د

بعض الأعمال يودي بها طموحها الكبير، وكثرة أهدافها، وتشتت خيوطها وتعدد أبعادها، ولعل هذا بالضبط هو ما حدث مع الموسم الرابع من مسلسل Westworld، فأولًا من جهة الموضوعات والقضايا المطروقة فإن هذا الموسم -وكل المواسم الثلاثة السابقة تقريبًا- كان عبارة عن محاولة الجمع بين الفلسفة والتقنية والخيال العلمي والسيكولوجيا.. إلخ.

أضف إلى ذلك أن هذا الموسم لم يحاول أن يتقصّى خطًا سرديًا واضحًا، ليحاول تقديمه من كل أبعاده، وإنما فتح خطوطًا سردية كثيرة ثم تركها على حالها دون تقديم إجابة واضحة أو نهاية مقنعة. العلة هنا في الكتابة بلا شك؛ فأداء معظم الممثلين كان جيدًا للغاية، لكن هذه الكتابة التي تنسج على أكثر من صعيد بحاجة إلى موهبة خاصة، ولا غرابة إذا عرفنا أن قلائل من الروائيين على سبيل المثال هم الذين أفلحوا في تقديم خطوط سردية جمة، والإمساك بها وإيضاح نهاياتها دون أن يُشعر ذلك القارئ بأي قدر من التشويش، من هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر: ديستوفيسكي، كاميلو خوسيه ثيلا، وجابرييل غارسيا ماركيز.

المهم أن طموح هذا العمل وكثرة ما أراد قوله، وفجوة الكتابة هي التي أودت به، لكن كيف ذلك؟

اقرأ أيضاً: مسلسل House of The Dragon.. بداية قوية لسلسلة التنانين المجيدة!


نهايات مفتوحة وأسئلة بلا إجابات

فيديو يوتيوب
ذو صلة

سواءً كنت تابعت المواسم الثلاثة السابقة من مسلسل Westworld أو تابعت الموسم الرابع وحده فسوف تشعر بحالة من التشويش، وعدم الفهم، قد تتهم نفسك بالطبع بعدم التركيز أو منح المسلسل الانتباه الذي يستحقه، لكن الحق أن المشكلة ليست فيك، بل في المسلسل ذاته.

حيث عمد كُتّاب الموسم الرابع من مسلسل Westworld إلى تقديم العديد من القصص في قصة واحدة، دون تقديم نهاية واحدة مقنعة أو حاسمة لأي من هذه القصص، فعلي سبيل المثال لدينا في هذا الموسم قصة كيليب وابنته فرانكي -التي سيصبح اسمها فيما بعد مع الناشزين "سي"- وزوجته وميف، وهو الخط الذي يتطور فجأة ومن دون مقدمات.


فأولًا موقف زوجة كيليب لم يكن واضحًا، في البداية، هل هي تؤيد الحرب أم لا؟ ثم فجأة ألفينا أنها اقتعنت بوجهة نظر زوجها "كيليب" الذاهبة إلى أن الحرب لم تنته. يذهب الزوج رفقة ميف إلى حرب المضيفين وفريق "هيل"، ويترك رجلًا حارسًا لزوجته وابنته، ويفترض بهذا الرجل أن يكون صديقًا، ثم فجأة نرى فرانكي وابنتها قد فرّا منه هاربتين، بعد العثور على جثة في البيت، دون أن نعلم هل هذا الرجل من الأعداء؟ وهل هو المتورط في جريمة القتل تلك؟ أيضًا حكاية ميف على قدر كبير من الإرباك والتشويش؛ فقد ماتت أكثر من مرة، ثم رجعت إلى الحياة، وواضح أنها كانت بمثابة الملاك الحارس لـ "كيليب"، لكن هذا الموسم ينتهي دون أن نعرف مصيرها بشكل واضح.

كل ما هنالك أنها طلبت من برنارد، في الحلقة السابقة تقريبًا، أن يرسلها إلى العالم الحقيقي، وأن يريها ابنتها من جديد، وهي تلك الابنة التي لم يرد ذكرها في هذا الموسم من مسلسل Westworld إلا في الحلقة السابعة؟! والحق أن كل القصص السابقة لا تساوي شيئًا في التشويش والإرباك مقارنة بقصة كريستينا -التي يوجعها سؤال الهوية على ما يبدو- وتيدي، كل ما نعرفه أنها كانت تحب تيدي إلى درجة الولع، فخلقت من ذكرياتها معه نسخة منه، ويبلغ هذا التشويش أقصاه حين يخبرها تيدي -الذي لا نعلم هل هو تيدي الحقيقي أم لا؟- أن هذا العالم غير حقيقي، وأنها، بصفتها كاتبة قصص في أولمبياد إنترتينمنت، هي التي صنعتها.

وعندما تسأل من أنا؟ من نحن؟ يقال نحن انعكاس لصورة الناس الذين صنعونها. وكنوع من الانتقام تقرر كريستينا هدم المعبد على رؤوس من فيه، فتقرر إطلاق سراح المسجونين، وفتح الأبواب.

ويفترض من هنا أن تنتهي الحرب وأن ينتصر فريق البشر، ولكننا نُفاجأ بأن مسار الحرب ماض كما هو دون أن يؤثر صنيع كريستينا في شيء. ولم نكن نعلم هل طموح كريستينا أن تعيش في عالم حقيقي؟ أو أنها تتمنى لو لم تكن وُجدت من الأصل؟

ولن يجيب الموسم الرابع من مسلسل Westworld على الأسئلة من نوعية: ماذا حدث للبشرية؟ ما هو مستقبلها؟ ما هو اختبار كريستينا؟ من المسلم به أن هذا الموسم الرابع طموح جدًا، لكنه ينتهي بطرح المزيد من الأسئلة عما هو قادم، وهو ما يعني أنه من المنطقي أن يكون هناك موسم جديد يُجاب فيه عن كل هذه الأسئلة، وتُوضع فيه كل القصص على السكة الصحيحة.


التشويش.. عودة الموتى إلى الحياة!

أدرك تمامًا، بطبيعة الحال، أن هذا المسلسل برمته محاولة لتغيير مستقبل البشرية، أو على الأقل محاولة جادة للتفكير في هذا المستقبل، وهندسة الجنس البشري على نحو مختلف، ومن ثم فليس صوابًا سحب قوانين الحياة العادية على ما يجري في هذا المسلسل.

لكن لا يعني هذا مجاوزة المنطق، فالمعروف أن الموتى لا يعودون إلى الحياة، وإن كان من الممكن إعادة المضيفين إلى الحياة، فمن المهم أن يُلفت انتباه المشاهد إلى ذلك، وإلى الكيفية التي تتم به، أو حتى الإتيان بمشهد سريع لإعادة البعث تلك.

بيد أن هذا لم يحدث، فكثيرًا ما كان الأشخاص يموتون ثم يعودون إلى الحياة ثانية، ميف، على سبيل المثال، أكثر من مات وعاد إلى الحياة من جديد، كذلك النسخ الكثيرة جدًا والمكررة من دولوريس في أجسام بشرية ونسخ متعددة. كيليب أيضًا حدث معه الأمر ذاته، مات وأعيد إلى الحياة مرارًا وتكرارًا، كذلك رأينا في الحلقة السابعة سقوط كل من ميف وهيل برصاصة في الرأس من قبل ويليام "إد هاريس"، ثم سرعان ما رأينا هيل تعود إلى الحياة ثانية، وتحاول بناء عالمها من جديد؟!


فرانكي ومستقبل البشرية

آخر ما نراه من البشر، فرانكي (أورورا بيرينو) وأودينا (مورنينغستار أنجيليين) يهربان من المدينة على متن قارب. إذا نجوا، فهم من البشر القلائل المتبقين الذين لم يمسسهم الفيروس، وبالتالي لن يتأثروا برسائل البرج التي أدت إلى كل هذا العنف من قبل عالم لا يميزه شيء أكثر من كونه مجنونًا. لكننا لا نعثر على إجابة واضحة: هل سينجو البشر؟ هل يمكن إعادة إسكان الكوكب؟ هل يعني هذا أن هناك أملًا للبشرية وأنه لا تزال هناك حياة بشرية بيولوجية على الأرض؟ لا إجابة عن كل هذه الأسئلة.

على الرغم من أن المسلسل قدم بعض المشاهد التي ترجح أن لا مستقبل للبشرية، فقد قال برنارد لميف، على سبيل المثال، "لا توجد طريقة لإنقاذ هذا العالم. الجميع هنا سيموت". ناهيك عما فعله ويليام، وسعيه الحثيث إلى تدمير كل شيء والإتيان على بنيانه من القواعد.

ولكن ثمة فكرة مهمة تقدمها هذه المشاهد مفادها أن البشر ابتكروا نوعًا آليًا جديدًا، وأساؤوا معاملتهم، وقد كان هلاك البشرية على يد هذه الآلات التي صنعوها، إنها فكرة الاغتراب الماركسية ولكن مع مزيد من التحوير لتناسب المسلسل.


ما هي خطة هيل؟

كانت رؤية وخطة هيل مربكة بعض الشيء، لكنها نشأت عن فقدان الثقة في الإنسانية والرغبة في منح المضيفين خيارًا آخر. فلما لم تكن قادرة على الوصول إلى Sublime، اختارت حماية المضيفين (وعالمها بالطبع) من خلال وضع خطة شيطانية؛ لإيقاع البشرية بالخضوع لسيطرتها مع السماح للمضيفين بزيارة الأرض واللعب بحرية حتى يقرروا "السمو".

مُنيت خطة هيل بالخسارة طبعًا، وفي أعقاب فشلها، قامت بضرب المفتاح الكبير لتقرر تدمير الكوكب بعد أن يبدأ المضيفون في اختيار الإنهاء الذاتي. في البداية اعتقدت أن البشر يصيبونهم بالعدوى، وبدأت تقبل أن المضيف يفضل الموت على العيش في عالمها. ما زلنا لا نعرف ما إذا كان هذا هو السبب الحقيقي لاتخاذ القرار من قبل المضيفين؟ كما أننا لا نعرف بالضبط ما الذي أرادتهم هيل أن يفعلوه؟


الحضارة التي تحمي الصراصير أو سردية نقد التقدم

أهم ملامح ومزايا هذا المسلسل أنه يشير إلى أهمية التقدم لكنه يحذر -وإن من طرف خفيّ- من مغبة الإفراط فيه؛ فنجاح البشر في خلق آلات بشرية محاكية لهم تمامًا لم يكن في صالح أحد، ناهيك عن أن هذه الحياة التي يمكن التحكم فيها ودمارها بالضغط على زر واحد حياة غير جديرة بالعيش أصلًا.

فضلًا عن سحق الخصوصية، والإشارة إلى أن هذه الأتمتة ستحيل الناس إلى دمى لا حول لها ولا قوة. وفي محاورة لـ ويليام مع شبيهه الرابض في قفص، قال له هذا الشبيه الجميع سيهلك، البشر والمضيفون على حد سواء، ولن يبقى إلا الصراصير! أهذه إذًا الحضارة التي لم تستطع حماية أحد؟ أهذا هو مآل كل هذا التقدم والماكينات الجبارة التي تعمل ليلًا ونهارًا، والتي فرحت بها الحداثة وانتشت بها أيما انتشاء؟! لا ينجو إلا الصراصير وليتها تنجو!

تلك هي أكبر سردية لنقد الحضارة، لكن المؤسف أن هذا المسلسل لم يتابع في هذا الخط السردي، ولم يوفّه حقه، كما أنها مرّت على سؤال الهوية -سؤال البشرية الأقدم والأعمق- مرور الكرام.


موسم خامس!

إلى حد ما لم يكن فشل الموسم الرابع من مسلسل Westworld مفاجئًا؛ فقد عانى الموسم الثالث من انخفاض خطير في التقييمات، كما فشل في إحداث أي تأثير في حفل توزيع جوائز Emmy. وعلى عكس الموسمين الأولين، لم يتلق الموسم الثالث ترشيحًا لأفضل مسلسل درامي. ومن ثم كان الموسم الرابع استكمالًا لهذه المسيرة من الفشل. ولا شك أن منطق الأشياء يقول إنه لا بد من موسم خامس وأخير يفك هذا الاشتباك ويجيب عن كل هذه الأسئلة ذات النهايات المفتوحة. ولنعرف بالضبط ما هي مستجدات الأحداث المهمة التي تُركت بدون تفصيل أو نهاية مقنعة.

صحيح أن هذا الموسم بدا وكأنه قُداس جنائزي أخير، فقد راحت الشخصيات تسقط واحدة تلو الأخرى، كما وصل البشر إلى الرمق الأخير، ويبدو أن دولوريس كانت تحاول أن تمنح البشر فرصتهم الأخيرة. لكن هذا يعني أنه لا بد من وضع نقطة عند نهاية السطر، ومن ثم لا بد من تقديم موسم خامس جديد. ولذلك، قد تكون هذه مقدمة للنهاية تمامًا كما كان الموسم الأول بمثابة مقدمة.

ومع ذلك، لم يتم تجديد العرض بعد ولا تحديد موعد إصداره، وإن كان إد هاريس قد لاحظ أنه يُعتقد أن الموسم الخامس يمكن أن يتم إطلاقه في الربيع المقبل، لكن HBO تشتهر بأنها قاسية في إلغاء العروض الشعبية، لا سيما تلك التي انخفضت في التصنيفات.

وإذا لم يتم تجديد Westworld، فهذا ليس نتيجة مرضية تمامًا. قدم العرض العديد من التوقعات الجريئة حول طبيعة البشرية، ولكن اختبار دولوريس سيحدد بشكل أساسي ما إذا كان المضيفون قادرين على صنع عالم أفضل؟

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة