بلاغة الإيجاز السينمائي.. أفضل 10 أفلام قصيرة تمتد إلى أعماقنا

رُواء سيد
رُواء سيد

8 د

بعض الأفكارِ لا تتطلبُ ساعتيْن أو ثلاث لعرضِها، فبعضها يحتاج فقط عدّة دقائق لضمّها بين كنفيها وإذ بها تخرج لنا في أبهى صورِها. وبعضُ الأفلامِ رَغم قِصَرِها لا تنتهي بانتهاء دقائقها المعدودة، بل تمتدّ إلى داخلنا، تتسرّب إلى أعماقنا رويدًا رويدًا دون حتى أن نلاحظ، فإذ بها باتت جزءًا منّا وبتنا جزءًا لا يتجزأ منها.

وبالنظرِ إلى أن معظم صانعي الأفلام في العالم قد خطوا أولى خطواتهم السينمائية بصناعة الأفلام القصيرة، مثل المخرج كريستيان نولان الذي أخرج لنا ثلاثة من أهم الأفلام السينمائية حتى يومِنا هذا؛ Inception ،Interstellar و Tenet.

ولكن رغم ذلك، ظلّت الأفلام القصيرة تأخذ موقعها في الظلّ ولا تخرج منه، ولهذا في مقالي اليوم أردتُ أن أسلّط الضوء على عشرٍ من تلك الأفلام التي قد حملت لنا رسالةً بين ثناياها.


Lost & Found

هل يمكن أن يفقدَ الإنسان نفسَه في سبيل إعادةِ من يحبّه للحياة من جديد؟

في هذا الفيلم الذي لا يتعدَّ الثمان دقائق والذي قد حاز على جائزة الأوسكار عام 2019، يطرحُ علينا هذا السؤال ويُجيب عليه في نفسِ اللحظة. 

ذو صلة
فيديو يوتيوب

ونجميْ هذا الفيلم هما ديناصور وثعلب مصنوعان من الكروشيه، وقد يبدو للوهلة الأولى أنه فيلمٌ كرتونيّ قد صُنع فقط بغرض الترفيه ولكن ما أن تتدفق دقائقه حتى يثبُت لكَ العكس تمامًا.

ومع كل دقيقةٍ تمرّ يفقد الديناصور جزءًا منه، يودعّه خيطٌ تلو خيط في سبيل إنقاذ الثعلب. ورغم أنه فيلمٌ صامتٌ إلا أن المشاعر لا تحتاج في بعضِ الأحيان لأي كلماتٍ كي تصل.

كل شيء في هذا الفيلم مُبهر، من الفكرة إلى التنفيذ وما بينهما من إبداع.


Forget Me Not

هو فيلمٌ عن الأمومة، وأيّ أمومةٍ؟ أمومةٌ مقترنة بتقلبّاتٍ مزاجية وعواصفَ تجتاح أمومتك وتلقي بها عرضَ الحائط. فبطلةُ فيلمنا هذه المرة هي أم مصابة باضطراب ثنائي القطب.

يبدأ الفيلم بصوتِ رنّ جرس الخروج من المدرسة، يهرول جميع الأطفال نحوَ أمهاتهم عدا طفلتيْن، وهما بطلتا فيلمنا الأخرتين، اللتان قد تعودتا على خيبات الأمل تلك، أن تنسى أمهما وقت خروجهما أو تتأخر عليهما، فينتظراها بأعين دامعة، تلتهمهم الحيرة من حالات أمهم غير المتزنة، ولكن يحبونها على أي حال.

فيديو يوتيوب

”لماذا لا يمكنك أن تكوني أمًا طبيعية ولو لمرةٍ واحدة؟“.

جملةٌ تفوّهت بها الابنة الكبرى تجاه أمها آملةً في إجابةٍ تُصمت ثرثرة عقلها، ولكن بقي سؤالها مُعلقًا في الفراغ.

هذا الفيلم الذي يبلغ مدتّه 15 دقيقة قد تم نسجه بمهارةٍ عالية، فبين التصوير المحترف والتمثيل المتقَن، ستشعر وكأنك صرت هناك، بين ثلاثتهن، تعانق الفتاتين بقوة وتؤكد لهما أن والدتهما تفعل أقصى ما لديها وأن كل شيء سيصبح على ما يُرام. 

من السهلِ أن تستوعبَ في هذا الفيلم دراماتيكية الشخصيات التي تمتزج بسردٍ رائع وأداءٍ ساحرٍ للثلاثيّ.


The Other Morgan

بطلة فيلمنا هذه المرّة هي مورغان، تلك الفتاة التي يمكنك وصفها منذ الثواني الأولى للفيلم بأنها ”فتاة عادية“، لا شيء مميز، لا شيء يلمع في الأرجاء، كل شيء في حياتها منغمسٌ في الرتابة، ولعلّ الشيء الوحيد الذي يخفف من وطأة هذه الرتابة هي تلك الابتسامة التي لا تفارق وجهها والتي تؤكد سعادتها بما تفعله وإن رآه كل البشر مملًا.

فيديو يوتيوب

ولكن تبدأ هذه الابتسامة بالتلاشي شيئًا فشيئًا عندما تكتشفُ أنّ لها أخت تحمل نفسَ اسمها، ولكنها مورغان أجمل وأنجح وأذكى، فتبتلعها دوامة المقارنات التي لا تكفّ عن الدوران.

لم تكتف أليسون ريتش بكتابة وإخراج هذا الفيلم القصير وفقط، بل لعبت أيضًا دور البطولة، لتخلقَ لنا مزيجًا من المشاعر المختلطة تموجُ خلالها مورغان ونموجُ معها لنصلَ لنهاية الفيلم حين تتواجه مورغان الأولى والثانية. 

في قالبٍ تغلب عليه الكوميديا، استطاعت ريتش صنع نسيجٍ متجانسٍ من الأحداث يمنحُ المشاهد صورةً متكاملة الأطراف لا تشعر أن هناك جزء مفقود فيها.


 O.I

”لا يمكنك قتل فكرة، ولكن بعض الأفكار تقتل“

ماذا لو نبشت ذاكرتك المتخَمة في يومٍ من الأيام وإذ بك تجد فكرةً تطوفُ فجأة في عقلك، يبدو الأمر عاديًا للوهلة الأولى، ولكن ما أن تكتشف أن فكرتك هذه أصليةٌ بكل ما تحمله الكلمة من معنى حتى يتغير كل شيء. فكرةٌ ما يميزها أنها ليست مزيجًا بين فكرتين أو عدة أفكار ونتجت عنهم مثلما يحدث معنا جميعًا، بل هي فكرة نِتاجك أنت وحدك، بلا أيّ عوامل مساعدة.

فيديو يوتيوب

ولكن ماذا ستفعل عندما تعرف أن فكرتك التي أعطيت نفسك براءة اختراعها للتوّ قاتلة -لا ليس مجازًا- فإنّ كرتك الأصلية تلك كلما ألقيتها على أحدهم وقع قتيلًا أمامك. هكذا تمامًا كان حالُ بطل فيلمنا هذه المرة، ليبدأ الفيلم من بعدِه في كشفِ اللثام عن نفسِه. 

هذا الفيلم عبارة عن فكرةٍ داخل فكرة، وكلتاهما أصليتان بالكامل، فيلمٌ ممتع ويُبقي خلفه بقايا أسئلة كثيرة، سيظلّ يبحث عقلك عن إجابات شافية لها.


Green Luck

كيف لكلمةٍ طيبة صغيرة من غريبٍ ما -ظننتها موجهةً إليكَ- أن تجعلك تحصُل على وظيفةٍ بعد فشلك في سبعة عشر مقابلة عمل؟ فهل يمكن لكلمةٍ واحدة أن تعزز ثقتك بنفسك وتنتشلك من زوبعة اليأس التي تلتف حولك؟ يجيبنا هذا الفيلم بأعلى صوته بأن نعم، يمكن لكلمةٍ واحدة أن تمتلكَ هذا المفعول السحريّ.

فيديو يوتيوب

يبدأ الفيلم بفيليب، ذاك الشاب الثلاثينيّ المدلل من قِبَل أمه، وهي تودعه بدورِها وتذكره بأنه وإن تمّ رفضه للمرة المائة ستظل دومًا بجانبه. 

يُعتبر هذا الفيلم كوميديًّا مع نفحةٍ من الدراما، ستجد نفسك أمام شخصية تُخبرها الحياة بكل الطرق أنه حالة ميئوسٌ منها، ولكنه يقاومها ببدلةٍ غير مهندمة وشعرٍ مُشعّث ونبتةٍ في يدِه آمن أنها ستجلبُ له الحظ، ولم يخبْ أمله.


The neighbor's window

لطالما كان الخطُّ الفاصل بين السينما والتلصصّ غير واضح، تتلصص الكاميرا على حياةِ أحدهم بكل تفاصيلها لفترةٍ قد تطول أو تقصُر، فتتلصص أعيننا معها. تضعُ الكاميرا عدستها على القضايا التي تتجاهلها أعيننا، أو ربما نختارُ أن ننكر وجودها.

في هذا الفيلم، تتلصصُ الكاميرا على زوجين في منتصف العمر ينتظران مولودهما الثالث، ويتلصصان هما من خلفِ الكاميرا على جيرانهما الجدد في العمارة المقابلة وقد استقرت نافذتهما في مواجهة بعضهما البعض مباشرةً.

فيديو يوتيوب

وتبدو من خلال زجاج النافذة أن حياة هؤلاء الجدد غارقة في المتعة والمرح، ولكن مع انسلالِ دقائق الفيلم يتبين لنا أن زجاجَ النوافذ لا يُمرّر دومًا الحقيقة، وأننا إن لم نقترب بما فيه الكفاية لن نستطيع أن نرى الصورة الكاملة -والحقيقية- أبدًا. 

هو فيلمٌ فضفاضٌ رغم قصره، فيلمٌ عن الطرفِ والطرف الآخر، عن الجانب المبتور من الصورة.


?Are You Okay

من منّا لم يتعرض يومًا للتنمر؟ ولأن التنمر بمختلفِ أشكاله قد تم تناوله ومعالجته في عشرات الأفلام، يجيءُ هذا الفيلم لا ليكرر علينا مدى قباحة ذاك السلوك وتأثيره، بل ليلقيَ الضوء على كيفية التعامل مع ضحاياه. وبلمسةٍ مبتكرة يصوّر الفيلم كل كلمة من كلماتهم المشينة ببقعةٍ من مادّة بنفسجية لزجة، بقعة مترسّخة، تزدادُ اتساعًا حتى تكاد تغرق فيها. 

فيديو يوتيوب

 كما يظهر الفيلم تلك الجملة البسيطة المكونة من ثلاثة كلمات ”هل أنتَ بخير؟“ بدورِ المنقذ، وكأنها طوقُ نجاة يلوح في الأفق بعدما ظننت أنك هالكٌ لا محالة، جملةٌ سيظلّ لها بريقها المتفرد مهما بلغت قسوة كلماتهم.

في ثماني دقائق فقط، ستجدُ نفسك منخرطًا في قصةٍ تُصور لك من خلال شخصيات خيالية تروي قصةً واقعية، فبين الخيال والواقع، تولَد القصة وتموت.


Martha

ماذا لو استيقظت يومًا ما لتفاجأ بأنك الشخص الوحيد والأخير في العالم؟ 

يقول كريستوفر هايدون -مخرج الفيلم- أن ما ألهمه لصناعة مثل هذا الفيلم هو تلك الجملة الشهيرة التي تتردد كثيرًا على لسان المراهقين: ”اتركوني وحدي“ فماذا ستفعل مارثا إذا تحققت لها أمنيتها ولم تتركها عائلتها وحدها فحسب، بل تبخر كل البشر!

فيديو يوتيوب

على وتيرةٍ من شعوريْ الحرية والرعب تتأرجح مارثا طُوال الفيلم، تبدأ في التساؤل أين هي الآن؟ وهل لا تزال تتقيد بمعايير الزمان والمكان أم أن العالم ببشره لا يزالون كما هم وهي التي تبخرت؟

فهل كانت مارثا هي الشخص الوحيد الذي بقي على قيد الحياة أم أنها الوحيدة التي لم تبق على قيدِها؟


The Silent Child

بوجودِ أكثر من 78% من الأطفال الصمّ في العالم يضطرون لارتياد المدارس العادية دون دعم متخصص، يأتي هذا الفيلم ليؤكد لهؤلاء الأطفال أن ربما صوتهم ليس مسموعًا ولكنهم مرئيين ولهم وجود يستحق أن يُقدّر.

فيديو يوتيوب

هو فيلمٌ ذو أبعادٍ مُضيئة، يروي قصة طفلة صمّاء تُدعى ليبي، وتُروى قصتها بالتداخل مع وجهات نظر شخصيات الفيلم المتعددة، فبين والدتها التي تريدها أن تتحدث ابنتها بتحريك الشفاه وبين أخصائية ترى أن تعلم ليبي لغة الإشارة أمر مهم، يُعكَس الواقع.

يركز الفيلم على عالم ليبي الصامت والموحش، وكيف يلعب كل من حولها دورًا في تبديدِ تلك الوحشة. هو فيلمٌ ساحرٌ رغم شدّة واقعيته، اسعَ له يا صديقي ودعْ سحره يتخللك ويتسللُ إلى روحك بخفّة، واسمح له بإخراجِ ما فيكَ من إنسانيةٍ مهجورة.


Two Strangers Who meet 5 Times

وأحببتُ أن أختمَ مقالي بهذا الفيلم الذي لم يتعدَّ الاثني عشر دقيقة، حيث ينتقل بنا الفيلم بصحبة شخصيتين أساسيتين. وهما سمير وألستير، هذان الغريبان والمختلفان في كل شيء، كيف لهما أن يتقابلا خمس مرات خلال خمسِ مشاهدٍ مختلفة، في الزمان والمكان والسبب. وفي كل مرةٍ يشعران بألفةٍ غريبة تجتاحهما ولا يعرفان لها سببًا، في كل مرةٍ كانت تتبدل ملامحهما ويحلّ عليها وِشاح الزمن فلا يلحظان بعضهما البعض.

فيديو يوتيوب

من خلال حوار سلِس وتصويرٍ ماهر، استطاع هذا الفيلم أن يوصل رسالته بكل براعة، ويتطرقُ في طريقه لقضايا مثل العنصرية، والتي تظهر منذ لقائهما الأول وهما طفليْن، وكيف لكلمةٍ أن تظلّ محفورةً في الذاكرة وإن مُحيَت ملامح قائلها.

والٱن، صارت بحوزتِك عشرة أفلام مرصّعة بالأفكارِ المختلفة، انتقِ منها ما شئتَ واستمتع بدقائقه لآخرها ولا تنسَ أن تشاركنا رأيك.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات