تقول الحكايات منذ قديم الزمان وسالف العصر والأوان أن باريس عاصمة النور ومدينة الحبّ، وأن هذا الشعور الذي يضبط إيقاع الحياة فيها يتجسّد في أقفال المحبّة التي يعلّقها العشّاق القادمون من كل حدب وصوب فوق جسر الفنون، وفي بورتريهات تملأ حي مونمارتر الذي تغنّى به وغنّى عنه الأرمني شارل أزنافور وفي أفلام مثل Moulin Rouge و2days in Paris ثم مؤخرًا في مسلسل Emily in Paris.

يوميات إيميلي الأمريكية في باريس

توافق إيميلي كوبر (ليلي كولينز) على عرض عمل يخرجها من شيكاغو ويحملها إلى باريس بعد أن اشترت الشركة الأمريكية التي تعمل بها شركة تسويق فرنسية مرموقة تدعى Savoir، وتنطلق بذلك رحلة تلك الفتاة الجميلة والمقبلة على الحياة في بلد لا يشبه بلدها الأم ومع زملاء عمل (لوك وجوليان) وأصدقاء (مندي وكامي وإلفي) وجيران (غابرييل) لا يشبهون أولئك الذين تركتهم في شيكاغو.

تواجه طيلة تلك المغامرة الفرنسية عوائق ومشاكل كثيرة أهمّها مشكلة اللغة والتواصل، إذ لا تجيد إيميلي الفرنسية كما لا يفضل الفرنسيون استعمال اللغة الانجليزية وتتفاقم أزماتها في أولى الحلقات بانتهاء علاقتها مع حبيبها دوغ الذي لم يشأ أن يترك شيكاغو لزيارتها في عاصمة الأنوار، هذا إلى جانب الاختلاف الثقافي والمجتمعي الذي قد يجعل من تصرفات عفوية لفتاة أمريكية تصرفاتً غير لائقة في نظر الفرنسيين، كل هذا في جوّ يغطيه غرور سيلفي (فيلبين ليروي)، مديرة شركة Savoir، وتنظمه قواعد وبروتوكولات عيش فرنسية.

تسير الحياة الباريسية عكس خطوات إيميلي ولكنها لا تنفك تفاجئها وتسايرها وتربت على كتفيها بين الحين والآخر. تنطلق المفاجآت المبهجة حين تسرّ سيّدة فرنسا الأولى، بريجيت ماكرون، بفكرة ومضة تسويقية تقدمها إيميلي على منصة إنستغرام فتعيد نشرها مما يفتح أبواب الشهرة في وجه إيميلي التي ستوثّق أجمل لحظاتها في باريس وستثبت نجاحها على تلك المنصة.

في هذه المدينة، تعيش إيميلي الحبّ والهجر والعلاقات العابرة والرفض والتنمر والفشل والسمر والسهر وفي 20 حلقة مقسمّة على موسمين تلطّف الأجواء في بيوتنا خاصة في ظل جائحة عالمية مرعبة وتحملنا إلى فرنسا وشوارعها وحاناتها.

كليشيهات وأخطاء كثيرة تحكم هذا العمل!

بالرغم من جمال صوره ودفء موسيقاه التي تتراوح بين أغانٍ فرنسية كثيرة، يظلّ هذا العمل محكومًا بكليشيهات فرنسية تضيّق زوايا معالجته لتقحمه في خانة العمل الترفيهي اللطيف المناسب للمراهقين. تدعم هذا الطرح أفكار ومشاهد عديدة منها تلك التي تمرّ فيها البطلة في شوارع باريس المزهرة والمضاءة والهادئة دون أن نرى متسوّلًا واحدًا في مدينة تعج بالمتسولين أو حين تنتقل من حي باريسي إلى آخر في غضون لحظات، جاعلة من التنقل في مدينة كبيرة أسهل من تناول فطور الصباح. يصوّر أصحاب هذا العمل الفرنسيين على كونهم روادًا للجنس ومرضى به، يدخنّون السجائر في المكاتب ويخافون المختلف ويشربون "الشامبانيا" صباح مساء ويوم الأحد.

يتواصل هذا التعميم ويستمر تسطيح المسائل حين تخون الأمريكية صديقتها وتضاجع حبيبها ثم تحاول الحفاظ على علاقة الصداقة تلك، مرددة جملًا وأحكامًا عن الفرنسيين وعن الحياة في فرنسا عمومًا مما يثير غضب المتابعين ويدفعهم إلى انتقاد العمل في موسمه الأول والثاني على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة على تويتر إذ تقول تغريدة انتقدت هذا العمل إنه قد جعلها تتمنى العيش في باريس في حين أنها في الحقيقة تعيش هناك، بينما أشار آخرون إلى أخطاء عديدة كانت حاضرة في نص هذا المسلسل.
لم يقف ذاك النقد اللاذع للأحكام والصور التي هاجم فيها هذا المسلسل الأمريكي الآخر المختلف عنه في صفوف الفرنسيين، إذ أثارت شخصية اللصّة الأوكرانية التي ظهرت في الجزء الثاني غضب رواد مواقع التواصل الاجتماعي في أوكرانيا.

بالرغم من كل تلك الآراء السلبية، ظلّت هذه الكوميديا الرومانسية المصوّرة في 20 حلقة والتي أخرجها دارين ستار وأنتجتها نتفليكس سنة 2020 ملجأً دافئًا يختبئ فيه كل من أرهقته فكرة الحجر الصحي وكبّلته حبال الأرق والضغط، وكان وقعها على المشاهد العالمي إجمالًا وقعًا إيجابيًا جعله يفكّر في حزم أمتعته والذهاب إلى جنوب فرنسا، حسب موقع Hotels.com الذي قال إن التوجه نحو هذه المنطقة من خلاله قد تضاعف بعد عرض الموسم الثاني من المسلسل، كما تأكد ذلك بتقييم إيجابي على منصة IMdB بلغ 6،9 من أصل 10.

إيميلي عائدة في موسم ثالث ورابع

شاركت ليلي كولينز متابعيها على إنستغرام فرحتها، معلنة بقاء إيميلي فترة أطول في شقتها الصغيرة بالعاصمة الفرنسية وعودة مسلسلها في جزء ثالث ورابع وقد أعلنت هذا الخبر أوّلًا نتفليكس فرنسا بتغريدة قالت فيها على تويتر: "لا يمكنها أن تتركنا هكذا. Emily in Paris ستعود في موسم 3 و4!" دون أن تحدد تاريخًا للعرض أو للتصوير.

بين الصدّ والإعجاب، حقّق مسلسل Emily in Paris نسب مشاهدة عالية وأثار ضجة إعلامية في صفوف المشاهد الفرنسي والعالمي دون أن يتحوّل إلى عمل تلفزي قائم على نص مدهش وأحداث كثيرة، ودون أن يتقرّب في حواراته من الصوابيّة التي باتت اليوم تحكم الشاشة، وقد جاء في سياق ظلّ يبحث فيه الإنسان عن فسحة من اللطف والراحة وحكايات المراهقين.

اقرأ أيضًا: مسلسل Landscapers.. جريمة حقيقية عن الإنسانية والمأساة