من ذئاب الجبل إلى ممالك النار .. مسلسلات كانت نقطة تحول في الدراما المصرية والعربية

من ذئاب الجبل إلى ممالك النار.. دراما خالدة
0

كل عام يتم إنتاج عشرات المسلسلات المصرية والعربية، ولكن القليل منها للغاية هو ما يرسخ بالفعل في الوجدان المصري والعربي ويرتبط به الجمهور لعشرات السنوات، كما تكون هذه المسلسلات نفسها بمثابة طريق جديد يختلف عن ما قبله.

وصراحة لست على الإطلاق من هواة تحميل الأعمال الفنية سواء أفلام أو دراما أي أهداف أخلاقية أو اجتماعية عميقة، فأنا عن نفسي أشاهد الفيلم أو المسلسل لأستمتع وأمضي وقتًا لطيفًا وأنعزل قليلًا عن هموم الحياة.

فمن وجهة نظري إذا كان للفن رسالة فهي الترفيه، وكل شخص تختلف طريقته في الترفيه عن الآخر، فالبعض يفضل الأعمال الرومانسية والبعض يستهويه الأكشن، وهناك من لا يجدون متعتهم إلا في أعمال يصفها النقاد بـ “الهابطة”.

ورغم ذلك لا أستطيع أن أنكر مطلقًا أن هناك أفلام ومسلسلات يظل تأثيرها ممتدًا معي لفترة طويلة للغاية، ولا أسأم أبدًا من مشاهدتها مرارًا وتكرارًا، وتحمل بالفعل رؤية قوية وقيمة ثقافية حقيقية تتعدى بمراحل مجرد تضييع الوقت أو التسلية والتي هي بالمناسبة ليست شيئًا معيبًا على الإطلاق.

لذا هذه المسلسلات التي بالتأكيد شاهدناها جميعًا على الأقل مرتين أو ثلاثة إن لم يكن أكثر رأيت أنها كانت نقاط تحول حقيقية في الدراما ليست فقط المصرية ولكن العربية أيضًا.

ذئاب الجبل

من ذئاب الجبل إلى ممالك النار.. دراما خالدة

وهي من أول المسلسلات التي أظهرت أهل الصعيد بشكل محترم غير ساخر كما كان سائدًا عن المسلسلات والأفلام عن “الصعايدة” في تلك الفترة وما قبلها، فالقصة والإخراج والأبطال تأخذك تمامًا معها في عالم من الشرف والأصالة حتى مع وجود الطباع الشريرة والموجودة في أي مجتمع، إلا أنها أيضًا تكشف عن طابع المصري الأصيل والمتفتح في الوقت نفسه.

وكان هذا المسلسل بداية لسلسلة أخرى من القصص المبدعة مثل الضوء الشارد والليل وآخره والرحايا وغيرها من مسلسلات غيرت الصورة التقليدية للرجل الصعيدي التي كانت سائدة قبل ذئاب الجبل، كما نبهت في الوقت نفسه إلى التغيرات في هذا المجتمع على أكثر من مستوى.

فارس بلا جواد

من ذئاب الجبل إلى ممالك النار.. دراما خالدة

مسلسل أثار الجدل الكبير عن بداية الحركة الصهيونية وكيفية نجاحها في احتلال فلسطين بأسلوب مشوق ومرح وجذاب لا يخلو من حقائق صادمة للغاية، وكانت الشوارع تخلو تقريبًا من المارة في وقت عرضه وحتى الإعادة كانت تلاقي الكثير من الإقبال.

فهو لم يكن مجرد مسلسل تاريخي ولا جاسوسية بل كان من الحالات الفريدة من نوعها التي تجعلك تشعر بالفخر الشديد لكونك مصريًا وفي الوقت نفسه يسلط الضوء على الكثير من الأمور التي كانت خافية، مع بعض الإسقاطات على الواقع الحديث أيضًا.

ومما يدعو للأسف أن مرات إعادة هذا المسلسل نادرة للغاية وإذا وجدته بالصدفة ستكتشف أن مواعيد عرضه في أوقات ميتة تقريبًا، ويبدو أنه لا يزال يثير السخط اليهودي حتى بعد سنوات طويلة من عرضه.

إمام الدعاة

من ذئاب الجبل إلى ممالك النار.. دراما خالدة

وهو من الأعمال التي كانت بالفعل نقلة نوعية في المسلسلات الدينية والتي كانت قبله مقتصرة على اللغة العربية الفصحى ورغم وجود أعمال دينية قديمة مذهلة، إلا أن الطابع السريع للعصر جعل الإقبال على مشاهدتها يتراجع بشكل كبير.

ليأتي هذا المسلسل والذي لم يشكل فقط عودة للفنان حسن يوسف ولكنه أيضًا تغيير في طريقة تقديم المسلسلات الدينية لتتحدث عن أمور وقضايا حديثة.

وإذا كان أحد أهم أسباب النجاح منقطع النظير لمسلسل إمام الدعاة هو الشعبية الطاغية للشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله، إلا أنه لا أحد يُنكر أن الإخراج والتمثيل والتسلسل المميز للأحداث مع عدم التقعر جعل العمل يحصد مشاهدات بالملايين عند كل مرة يُعرض فيها.

وقد تبعه بالفعل عدد آخر من المسلسلات التي حاولت أن تحذو حذوه، وكان لها نصيب معقول من النجاح، إلا أنه يبقى من العلامات المميزة في الدراما المصرية.

علي الزيبق

من ذئاب الجبل إلى ممالك النار.. دراما خالدة

وهو يعتبر من الأقدم على هذه القائمة، وسر وجوده يعتبر مختلفًا إلى حد كبير، فقد أُنتج في عام 1985، وكان الإنتاج التلفزيوني في ذلك الوقت لا يزال خاضعًا إلى سيطرة الدولة بشكل شبه تام، ومع هذا تم إنتاج هذا المسلسل بكل ما فيه من إسقاطات سياسية تنطبق تمامًا على واقع المجتمع المصري.

فرغم أنه من المفترض أنه يدور في زمن المماليك، إلا أن كل أحداثه تدور حول السُلطة واستغلالها وجشع القائمين عليها، ولا يمكن أن نعرف السر الحقيقي وراء إطلاق مثل هذا المسلسل ليدخل كل منزل، رغم منع الكثير من الأفلام التي كانت تتجرأ وتتطرأ إلى القائمين على السُلطة.

فهل مسؤولو الرقابة لم ينتبهوا إلى تلك الإسقاطات؟ أم أنه تم إنتاجه للإيحاء بوجود مناخ حر للحرية والنقد؟ وأيًا كان السبب فإن هذا المسلسل المكون من 14 حلقة يعتبر من الأمور النادرة في الدراما المصرية والتي تتعرض بجرأة إلى الحكام ربما لم يتمتع بها أي عمل آخر بخصوص الجانب السياسي.

 

ممالك النار

من ذئاب الجبل إلى ممالك النار.. دراما خالدة

وهو الأحدث على هذه القائمة والذي أعاد إلى الدراما العربية قوتها الشديدة بعد سيطرة كبيرة للمسلسلات التركية والهندية والإيرانية أيضًا، ورغم الكثير من الجدل بشأن استخدامه كأداة في الحرب السياسية إلا أنه عمل فريد ومتكامل ونجح بالفعل في جذب كل مشاهد عربي ليقرأ عن تاريخ تلك الفترة المهمة للمنطقة العربية بأسرها.

والمدهش في ممالك النار أنه رغم معرفتنا جميعًا بأن نهاية البطل هي الهزيمة إلا أننا كنا نتابعه بشغف كبير ولا نتنازل عن مشهد منه على الإطلاق، وشعرنا جميعًا أننا نرغب في أن تمتد حلقاته إلى 60 و90 لنستمتع بكل ما فيه من روايات وحكايا.

وسواء كان سبب إطلاق المسلسل هو الحرب الناعمة مع تركيا أو لكونه مجرد عمل فني، فإن القائمين عليه نجحوا فعليًا في إثارة حالة كبيرة من الجدل جعلت الكثير من البيوت العربية تتابعه بشغف، وإن كان من وجهة نظري السياسية البحتة فإن المسلسل هاجم المماليك مثلما هاجم الأتراك، كما أنه لم يقل أشياء لم تتعرض لها المسلسلات التركية نفسها مثل “حريم السلطان” مثلًا.

لذا إذا تحررت من الفكرة السياسية المسبقة عن المسلسل وأنه فقط للهجوم على تركيا ستجد نفسك أمام عمل ممتع بكل المقاييس، وسيتركك وأنت تبحث بشغف عن تاريخ المماليك وكيفية انهيارهم والقراءة أكثر عن الدولة العثمانية، والتي شئنا أم أبينا كانت في وقت من الأوقات من القوى العالمية العظمى.

وفي النهاية يمكن بالطبع أن تختلف أو تتفق معي في رؤيتي لهذه المسلسلات، أو تعتقد أن هناك من هو أحق منها ليكون بمثابة مؤشر على مدى الإبداع الذي وصلت إليه العقول العربية في الفن والسينما، ولكن في كل الأحوال لا يمكن إنكار أن كل مسلسل في هذه القائمة لم يحقق فقط مشاهدات بالملايين ثم أصبح طي النسيان، ولكن استمر وربما سيستمر تأثيره لسنوات مقبلة.

ذو صلة:
0

شاركنا رأيك حول "من ذئاب الجبل إلى ممالك النار .. مسلسلات كانت نقطة تحول في الدراما المصرية والعربية"