في ذكرى ميلاد سامية جمال… حقائق لا تعرفها عن حياتها

ذكرى ميلاد سامية جمال
0

على الرغم من عدم النظر للرقص الشرقي كفن له تقديره في بلداننا إلاّ أنّ سامية جمال استطاعت أن تصعد إلى منزلة عالية في هذا الفن، أن تجمع بين الرقص الشرقي المعتاد والاستعراض المدروس، غير أنّني لا أريد أن أرجع أسباب سطوع نجم سامية جمال في الرقص الشرقي إلى أسباب منطقية، هناك شيء فيها لا تستطيع أن تغفله، هذه الخفة والتحكم التلقائي العفوي في جميع أجزاء جسدها، لا تركز سامية على خصرها فقط، ترقص بكل جزء في جسدها ليصبح مثل سيمفونية تتناغم جميع آلاتها لإخراج لحن بالغ التأثير.

بدايات سامية جمال الفنية

سامية جمال في شبابها

خرجت سامية جمال من “كازينوهات” الرقص في وسط القاهرة في الثلاثينات لتدخل إلى عالم السينما الرحب، يغني فريد الأطرش فتأسر سامية جمال برقصها القلوب والعقول والأبصار، وجودها في أي فيلم دليل على البهجة الغامرة التي ستشعر بها لمجرد مرورها في الفيلم، فما بالك برقصها الممتع.

حتى أكثر الأشخاص نفوراً من الرقص الشرقي لا يستطيع إنكار موهبتها، أقل الناس تعلقاً بالرقص الشرقي لا يستطيع ألاّ يثبّت عينه عليها بمجرد ظهورها.

نشأت سامية في ظروف صعبة، هربت من بيت أهلها في سن صغيرة بعد اضطهاد زوجة أبيها لها، ذهبت إلى أختها في القاهرة لتتهاوى أحلامها الوردية عن القاهرة؛ بسبب ضيق العيش الذي تعيش فيه أختها مع زوجها، غير أنّه حتى مع الفقر الذي عاشت فيه لم تسلم من معاملة زوج أختها القاسية لها، وهي التي هربت من قسوة زوجة الأب، لتلاقي قسوة زوج الأخت لتقرر الهرب ثانية، ويبدو أنّها كُتِبَ عليها أن تعيش مطاردة، لينتهي بها المطاف في صالة بديعة مصابني، التي لطالما أخرجت نجوم وأهم من أخرجت هذه الصالة كانت سامية جمال، لتنتقل بعد ذلك إلى السينما، وبالتحديد أداءها لرقصة استعراضية فيلم “انتصار الشباب”.

فريد الأطرش و سامية جمال

ومن بعدها اتجهت للتمثيل، وصنعت دويتو رائع مع فريد الأطرش الذي أحبها فيما بعد وحال بين زواجهما وضعهما الطبقي، حيث من المعروف أن فريد ابن أمير من أمراء الجبل في سوريا، لا يناسب سامية ذات الأصل المتواضع.

نجاح في السينما ثم زواج طويل

سامية جمال ترقص

توالت فيما بعد أدوار سامية في السينما لتقدم أفلام عديدة مع نجيب الريحاني، وأنور وجدي، ومحمد فوزي وغيرهم، وحتى أنّها عملت في فيلم “وادي الملوك” الأمريكي الذي تم تصويره في مصر، إلاّ أنّ النقطة المفصلية في حياتها عندما التقت بالدون جوان رشدي أباظة في فيلمهما الشهير “الرجل الثاني” الذي تزوجها بعد هذا الفيلم.

سامية جمال ورشدي أباظة

وتعد هي الزوجة الأطول عمراً في حياة رشدي أباظة الزوجية، إلاّ أنّ نهايتها أتت على يد صباح بعد أن تزوجها رشدي على سامية ولم يكن بوسع سامية سوى طلب الطلاق، وبالفعل تطلقت بعد أكثر من 10 أعوام من الحياة الزوجية تركت فيها سامية الفن، والشهرة، والأضواء، دافعة كل ذلك وراء ظهرها، من أجل عيون رشدي أباظة.

اعتزلت سامية جمال في أوائل السبعينيات؛ لأنّها أرادت أن تترك أثراً طيباً لدى الجمهور، إلاّ أنّني أرجح أنّ انفصالها عن رشدي أباظة قد هزها هزاً وجعلها أميل للعزلة، ولكنها عادت مرة أخرى في أوائل التسعينيات للرقص في عروض استعراضية مع الفنان سمير صبري، وكانت تمر بضائقة مالية فلم يكن خيار الاعتذار محبّذاً لديها، غير أنّها استطاعت أن تسوي أزمتها المالية وبمجرد ما حدث هذا تركت الاستعراض أيضاً، وفضلت أن تعيش حياة هادئة مستقرة، ولكن النظام الغذائي القاسي الذي كانت تتبعه للحفاظ على رشاقتها أدى إلى انخفاض نسبة الهيموجلوبين في الدم، وبعدها بأيام تم استئصال أمعائها إلاّ أنّها دخلت في غيبوبة وفارقت الحياة في العام 1994.

سامية جمال… كوكب الرقص الشرقي الساطع

تنظر في عينيها فتجد حزناً لا يمكن إخفاؤه، أحببتُ سامية جمال صغيراً، رأيت في عينيها ألفةً ومودةً أدركهما بمجرد ما تظهر على الشاشة، تشعر برابط عجيب بينك وبين هذه الفتاة التي تتمايل بخفة وفن.

أحببتُ الرقص الشرقي بسبب سامية جمال، وعلى الرغم من أنّ الرقص الشرقي ينطوي بشكل متواري على شيء من الإثارة، إلاّ أنّ سامية غيرت هذا المفهوم تماماً، كانت جميلة وهي ترقص، بريئة، تشعر أنّ قلبك يكاد يقفز فرحاً لمجرد رؤيتها، ابتسامتها ساحرة، عفوية، ضحكتها تداعب الوجدان، تدغدغ الأحاسيس، حضورها كان بديعاً خفيفاً، وعميق التأثير رغم ذلك.

لا أعتقد أنّ هناك من يستطيع أن يكره سامية جمال، وأنا أحببتها منذ الطفولة، ربما كان الدافع لذلك هي أمي التي كانت تحبها أيضاً رغم عدم ميلها للراقصات، ولكن كان حبها لسامية وانبهارها برقصها وبشخصيتها عموماً استثناءً، وربما كان هذا الاستثناء سببه كما ذكرت ذلك الرابط العجيب الذي يربطك بسامية.

ذلك الشيء الذي يجعلك تشعر بانتماء لهذه الفتاة، تشعر أنّها قريبتك أو أنّها ليست غريبة عنك على أي حال، وعندما كبرت ورأيت لقاءات قديمة لسامية جمال، سواء في برنامج “سينما القاهرة” الذي كانت تقدمه ميرفت أمين عندما كانت مذيعة، أو برنامج “اتنين ع الهوا” الذي كان يقدمه طارق حبيب.

عرفت ما السر في حبنا لهذه الفتاة، سامية فنانة منا جميعاً، قروية عادية، تربت في ظروف صعبة وفي طبقة فقيرة، عانت من حياة قاسية، لم تنشأ مرفهة ولم تولد وفي فمها ملعقة من الذهب، تحمل سنين الشقاء الأولى في ابتسامتها التي تحاول عاجزةً إزالة الأسى منها، ونشعر بالتعاطف معها من نظرتها الطيبة الحنونة التي لا تخلو من حزن، نجدها في البرامج التلفزيونية بنفس الضحكة ونفس التلقائية، بنفس الخفة أيضاً، هذه الراقصة التي ملأت قلوبنا بالجمال والبهجة لسنوات، ستظل دائماً إحدى أهم رموز الاستعراض في العالم العربي، وسنظل نفخر بها دائماً، وسأظل دائماً أحبها ما حييت وأسعد كلما رأيتها من جديد على الشاشة.

0

شاركنا رأيك حول "في ذكرى ميلاد سامية جمال… حقائق لا تعرفها عن حياتها"