لكل من وجده مبهمًا وكئيبًا… إليك شرح فيلم Nocturnal Animals

مراجعة فيلم Nocturnal Animals
1

بعد تجربته الإخراجية الأولى سنة 2009 في فيلم “A Single Man” الذي حاز على ترشيح للأوسكار، أطل علينا توم فورد السنة الماضية بفيلم جديد يحمل عنوان “Nocturnal Animals” مقتبس عن رواية “Tony and Susan” للكاتب الأميركي أوستن رايت، وهو من بطولة إيمي أدامز، و جيك جيلنهال، وقد حاز بدوره على ترشيح للأوسكار عن فئة أفضل ممثل في دور مساعد للممثل مايكل شانون الذي قدم أداءً رائعًا بالفعل.

وعلى الرغم من أنّ الفيلم قد خلف صدى إيجابيًا عند النقاد، وحظي بعدة جوائز وترشيحات في كل من البافتا والغولدن غلوب بالإضافة إلى جائزة لجنة التحكيم في مهرجان البندقية، إلاّ أنّه قد لاقى بعض الاستياء عند المشاهدين الذين وجدوا أنّ الحبكة مزعجة والنهاية مبهمة وغير مفهومة، بل وذهب البعض إلى القول بأنّه لا يستحق الوقت الذي تم تضييعه في مشاهدته.

لكن، على غرار أفلام أخرى كـ Drive و Enemy، يعد هذا الفيلم من الأفلام التي حتى تفهمها أن يتم مشاهدتها أكثر من مرة واحدة؛ وذلك لأنّها أفلام مليئة بالرموز والإشارات والرسائل المخفية بين السطور، بمعنى أنّ القصة ليست بالبساطة والوضوح الذي تبدو عليه، بل تستدعي شيئًا من التركيز والتفكير للقدرة على التوصل لهذه الرسائل، أمّا إذا كنت لا تملك الوقت ولا المزاج الرائق لمحاولة فهم الفيلم، فدعنا نقوم بهذه المهمة ونقدم لك شرح Nocturnal Animals، لكن أولًا، دعنا نتعرف على عناصره الرئيسية.

قصة الفيلم

ايمي ادمز فيلم Nocturnal Animals

حين نشاهد الفيلم للمرة الأولى نلاحظ أنّه يتكون من ثلاث قصص مختلفة، تتمحور حول شخصية “سوزان”، فنانة ومالكة لمعرض فني معاصر، متزوجة من رجل أعمال خائن ومهمل لها وأم لابنة واحدة تعيش بعيدًا عنها، ويبقى الحال على ما هو عليه إلى أن يصل إلى “سوزان” (إيمي أدامز) من طرف زوجها السابق “إدوارد”(جيك جيلنهال)  رواية مهداة لها ومعنونة بـ Nocturnal Animals، وهي الرواية التي تشرع في قرائتها لتأخذنا إلى قصة الفيلم الثانية التي نشاهد فيها تخيلات “سوزان” لأحداث الرواية الدائرة حول رجل يدعى “توني” (جيك جيلنهال) يتم مهاجمة سيارته أثناء سفره ليلًا ثم اختطاف ابنته وزوجته أمام عينيه دون أن يتمكن من إنقاذهما، وبين القصتين، نعود مع “سوزان” إلى الماضي لنتعرف على كيفية لقائها بزوجها الأول (أيضًا يؤدي دوره جيك جيلنهال) والأسباب المؤدية إلى انفصالهما.

يتمتع الفيلم بسلاسة كبيرة بين القصص التي لا نشعر للحظة باختلاطها، أو ارتباكها؛ وذلك بفضل الماكياج المتقن والديكور المختلف الذي يمكّن المشاهد من التعرف بسهولة بالغة على “القصة” التي تم الانتقال إليها، كما يغلب عليه طابع كئيب جدًا يؤثر على المتفرج بشكل أو بآخر عن طريق إدخاله في حالة نفسية مزعجة بشكل مفتعل، وهو أمر ساهم فيه كل من الإضاءة والموسيقى الكئيبة والجو العام السوداوي للفيلم.

طاقم التمثيل

طاقم تمثيل فيلم nocturnal animals

إيمي أدامز : يمكننا أن نعتبر أنّ “إيمي أدامز قد أدت دورين مختلفين حتى وإن كانت قد قدمت شخصية واحدة هي “سوزان”، لكن هذه الشخصية نفسها قد تحولت بشكل جذري عبر السنوات، حيث نجد أنّ “سوزان” الشابة تعتبر نفسها “واقعية” لكنها تبحث بشكل جدي عن الحب والسعادة بغض النظر عن الماديات، في البداية على الأقل، قبل أن تتحول شيئًا فشيئًا كما شاهدنا لتصير “سوزان” الفنانة البورجوازية المكتئبة التي تختبئ وراء ملابسها الفاخرة ومنزلها الفخم.

من ناحية أخرى، نلاحظ أنّ الحوار الذي أجرته شخصية “سوزان” طوال مدة الفيلم يتمركز بشكل رئيسي في فترة لقائها وزواجها من إدوارد، أمّا بالنسبة لـ”الحاضر”، فإنّ أغلب ما شاهدناه هو تعابير وملامح الشخصية المختلفة أثناء قراءتها للرواية أو التفكير في أحداثها، وقد نجحت النجمة “إيمي أدامز” في جعلنا نلاحظ الاختلاف الطارئ على الشخصية بشكل راقٍ ومثير للإعجاب، حتى وإن اعترفنا أن دورها في فيلم “Arrival” قد كان أقوى وأفضل بعض الشيء.

جيك جيلنهال: قام جيلنهال بأداء دورين هما كل من “إدوارد”، الزوج السابق لـ”سوزان”، والشاب الوسيم الحالم الرومانسي الطامح لأن يصبح كاتبًا ناجحًا، ودور “توني” بطل الرواية التي أرسلها إلى زوجته السابقة، الذي فقد زوجته وابنته أثناء سفرهم لوجهة غير محددة، والذي يتمتع بشخصية ضعيفة لدرجة مستفزة وغريبة جدًا، وإن كان هذا الاستفزاز أكبر دليل على نجاح جيلنهال في أداء دوره، وهو ما يأخذنا إلى شخصية أخرى أكثر استفزازًا وإزعاجًا بدرجات.

آرون تايلور جونسون: حاز آرون تايلور جونسون على جائزة الغولدن غلوب عن فئة أفضل ممثل في دور مساعد، وهو فوز مستحق جدًا بالنظر إلى كمية الغيظ التي خلقها في نفوسنا أثناء مشاهدة شخصية “راي ماركوس” المسؤول عن اختطاف زوجة وابنة “توني” وما حل بهما بعد ذلك، والذي يتمتع بشخصية قوية باردة الإحساس والمشاعر وخالية من الرحمة والمشاعر، لا يظهر أية إشارات للخوف أو القلق حتى في أصعب المواقف وأكثرها رعبًا، بل يكتفي بابتسامةٍ مرتاحة ونظرة ناكرة لكل الأفعال الفظيعة التي قام بارتكابها.

مايكل شانون: ننتقل إلى الممثل الذي تمكن من حيازة ترشيح الفيلم الوحيد لجائزة الأوسكار، على الرغم من أنّني شخصيًا أجد أن تايلور كان الأولى بالترشيح لهذه الجائزة عن فئة أفضل ممثل في دور مساعد، لكن هذا لا يمنع من أنّ شانون قد قدم أداءً جيدًا من خلال دور المحقق “بوبي” المتشبع بدماء تكساس، وطريقة كلام وحركات رجالها المتميزين بشخصيتهم الصلبة.

شرح الفيلم

جيك جلينهال فيلم nocturnal animals

تحذير: تحتوي هذه الفقرة على حرق للأحداث

لكي نحاول فهم الفيلم سنتبع الترتيب الحقيقي للأحداث، وذلك عن طريق البداية من لقاء سوزان وإدوارد أول مرة صدفة في الشارع، حيث كانا لا يزالان متخرجين حديثًا من الجامعة، لكن لقائهما لم يدم طويلًا ولم يتكرر إلاّ بعد أشهر وتحديدًا بعد وفاة والد إدوارد، حيث اعترف كل منهما بالمشاعر التي يكنها للآخر وقررا الارتباط والزواج، وهو الأمر الذي عارضته أم سوزان ساخرة من مبررات ابنتها ووصفها لإدوارد بأنّه رومانسي وحالم وحساس، محذرةً إياها من أنّ شخصيتها تتعارض مع شخصيته، وأنّ هذه الصفات التي تجذبها إليه ستتحول بعد فترة من الزمن إلى الأسباب التي ستدمر علاقتهما، كما قامت بوصف حساسيته بأنّها ضعف شخصية سيؤثر على حياتهما وعلى مسيرته المهنية، وهي النصائح التي تجاهلتها سوزان تمامًا وقررت الزواج بإدوارد على كل حال.

بعد فترة قصيرة، نشاهد محاولة إدوارد لكتابة رواية قام بتقديمها إلى زوجته لإعطاء رأيها، والتي دون مراعاة لمشاعره قامت -بعد سخريتها منه؛ لأنّه قام بكتابة رواية عن نفسه- بنصحه بترك الكتابة والالتفات إلى مجال آخر أو العودة إلى الجامعة لاستكمال دراسته، معللة كلامها بأنّها تفكر بواقعية وأن فكرة تسخير زوجها لحياته في كتابة الروايات فقط مثيرة للسخرية وبعيدة عن الواقع تمامًا، وهو ما يؤدي إلى نشوب شجار بين الزوجين واتهام إدوارد لها بأنّها لا تؤمن بموهبته، وأنّها أصبحت “تتحدث كوالدتها”.

وهكذا، في سبيل بحثها عن “شخص ذي أحلام واقعية”، تتعرف سوزان على “هيوتون”، شاب وسيم يطمح للنجاح في عالم المال والأعمال، والذي تدخل معه في علاقة غرامية قامت على إثرها باتخاذ قرار الطلاق من زوجها لتتمكن من الزواج من “هيوتون”، وعلى الرغم من أنّ إدوارد يمسك بها ويرجوها أن تعيد النظر في علاقتهما بدافع الحب الذي يجمعهما، إلاّ أنّ سوزان ترفض بدعوى أنّها غير سعيدة وأنّه شخص حساس أكثر من اللازم، وهو ما يفاجئ محدثها الذي يسألها إن كانت تقصد أنّه ضعيف الشخصية فتجيب بالنفي، أمّا الحدث الذي زاد الطين بلة وقطع العلاقة بين البطلين فهو إقدام سوزان، بمساعدة ودعم هيوتون، على إجهاض جنينها من إدوارد خيفة أن يجبرها حملها على المكوث في علاقة لا ترغب بها.

ايمي ادمز فيلم nocturnal animals

ننتقل بعدها إلى تسع عشرة سنة بعد هذه الأحداث، حيث أصبحت سوزان سيدةً تعيسةً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فزوجها “الناجح” يخونها ويقضي معظم وقته مسافرًا أو خارج البيت، وابنتها تعيش حياتها المستقلة دون أن تسأل أو تطمئن على أمها، وحتى عملها وافتتاحها لمعرض فني حديث لم يتمكن من منحها جرعة السعادة التي تحتاجها بسبب تجاهل زوجها وابنتها لإنجازها، ولم يشفع لها جمالها ولا مالها ولا ممتلكاتها في أن ترتاح نفسيًا أو حتى تحصل على قسط من النوم، ويستمر الحال على ما هو عليه إلى أن تتوصل برواية قام إدوارد بإهدائها إليها، والتي بمجرد لمسها تتعرض سوزان لجرح على مستوى أصبعها في إشارة إلى أن هذه الرواية ستحمل المتاعب لها.

جيك جلينهال nocturnal animals

تبدأ أحداث الرواية باتجاه أسرة تتكون من “توني” وزوجته وابنته المتوجهين إلى وجهة غير معلومة، في إشارة إلى علاقة الزواج التي كانت تجمع إدوارد بزوجته، حيث تقوم عصابة متكونة من 3 شبان، بقيادة “راي”، بمهاجمة سيارة الأسرة وإجبارها على التوقف على الطريق، قبل القيام باختطاف زوجته وابنته، دون أن يفعل الأب أي شيء غير الصراخ والنواح ودون أية محاولة لإنقاذهما أو الدفاع عنهما، بعد ذلك قامت العصابة باغتصابهما وقتلهما.

هنا، نجد أن “راي” يمثل سوزان، أو طريقة تفكيرها ومنطقها الذي قام بإيقاف رحلة أسرة إدوارد، ثم حرمانه كل ما يملك بما في ذلك زوجته التي يحبها وطفله الذي قتل قبل أن يولد، حيث يمثل الألم الذي أحس به “توني” عندما وقف مكتوف اليدين أمام الفاجعة التي أصابته وعدم تدخله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ثم صدمته بعد اكتشافه فقدان زوجته وابنته إلى الأبد، نفس الألم والإحساس الذي عاشه إدوارد بعد رحيل زوجته واكتشافه خيانتها وإجهاضها لجنينهما، دون أن يتمكن من فعل أي شيء لاسترجاع ما خسره.

ملحوظة: الممثلة التي أدت دور زوجة “توني” ليست إيمي أدامز، بل الممثلة الأسترالية “آيلا فيشر” التي تشبهها كثيرا.

من ناحية أخرى، نجد أنّ المحقق “بوبي” الذي يعاني من سرطان الرئة ولا يستطيع مساعدة “توني” في القبض على الجناة لكنه يحثه على “أخذ ثأره بيده” دون أن يتمكن هذا الأخير من فعل أي شيء ووقوفه عاجزًا كل مرة يقترب فيها من الانتقام من “راي”، يمثل العقل الباطن لإدوارد، الذي يحثه على التحرك وعلى أخذ زمام الأمور بيده والتحكم في حياته، والأهم، التخلص من شبح سوزان والجرح الذي سببته له، لكن دون فائدة، إلى أن نصل إلى نهاية الرواية حيث يواجه “توني” “راي” ومرة أخرى يتردد في إيذائه أو الانتقام منه ويكتفي بالكلام إلى أن ينعته “راي” بأنّه ضعيف الشخصية ويقوم بتكرارها إلى أن يفقد “إدوارد” أعصابه ويقوم بضغط الزناد، أخيرًا، ليقتل “راي”، لكنه يصاب أيضًا على مستوى عينيه مما يتسبب في إعمائه ثم وفاته بدوره متأثرًا بجراحه.

هنا، نستخلص أنّ إدوارد قد تمكن أخيرًا من التخلص من ذكرى سوزان وألمها، لكنه أثناء محاولته للتخلص من هذه الذكرى، قام أيضًا ب”قتل” الجزء الضعيف فيه إلى الأبد، ذلك الجزء الذي يعتبر عاملًا رئيسيًا في ما آلت إليه حياته، والذي يلعب نفس الدور الذي لعبته أفكار سوزان في تدمير حياتهما؛ لأنّ هذه الأخيرة سلبت منه ما يملك، بينما تسبب ضعفه في عدم تدخله لمنع حياته من الإنهيار.

وهكذا، نستنتج أخيرًا أنّ الرواية التي توصلت بها سوزان تحمل رسالة انتقام مفادها أنّ إدوارد قد نجح في حياته، على عكس ما كانت تظن، وأنّه تمكن من نسيانها ونسيان ما فعلت به والاستمرار في حياته الطبيعية بينما بقيت هي حبيسة “واقعيتها” التي لم تتسبب إلاّ في تعاستها، والأهم، أنّه تمكن من كتابة رواية ممتازة لدرجة أدخلت الرعب والتوتر إلى حياة زوجته السابقة، حتى وإن كان، مرة أخرى قد قام بكتابتها عن نفسه، تمامًا كما فعل عندما سخرت منه في البداية.

كان هذا هو الشرح الذي توصلت إليه عن طريق مشاهدة هذا العمل السينمائي وإجراء بعض البحوث والاطلاع على بعض التفاسير، والذي يدلنا على أنّ الفيلم أعمق بكثير مما نظن عند مشاهدتنا له لأول مرة، وهو بالتأكيد شرح يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ.

ما رأيكم في الفيلم؟ وهل يغير هذا الشرح من الطريقة التي شاهدتم بها فيلم Nocturnal Animals ؟ شاركونا في التعليقات.

1

شاركنا رأيك حول "لكل من وجده مبهمًا وكئيبًا… إليك شرح فيلم Nocturnal Animals"