نقدت ما بعد الكولونيالية المتجليّة في كتابات أنطونيو غرامشي، وفرانز فانون، ثم إدوارد سعيد، سياسات امتداد الدول الأوروبية أو دول الشمال طيلة قرون، على حساب ما يسمى بدول الهامش، وفضحت محاولاتها في سلب سيادة هذه الدول، وثرواتها وهويّاتها المركّبة، من خلال بناء تعليم كولونيالي أنجب نخبًا تابعة للمستعمِر، ومناشدة لقراراته وخلق حالة اغتراب ذاتي وجماعي في صفوف أصحاب الأرض.

لئن قام هذا التيار الفكري على ثلاث أفكار، هي الوعي أولًا بالدونية الاجتماعية والثقافية للمستعمَر، لكونه جزءًا من هذه الدول الضعيفة تليه فكرة النضال من أجل الاستقلال والسيادة ثم المراكمة لوعي ناقد ومفكك للمركزية الفكرية، فإننا ما زلنا اليوم واقفين عند عتبة الباب الأول بما فيه من شعور بالنقص والدونية أو ما يصطلح عليه بعقدة الخواجة.

تظهر هذه العقدة في شاشاتنا وتنعكس على كتاباتنا في المسرح وفي الأدب والسينما. تعريها اختياراتنا ويفضحها لاوعينا حتى تكشفها في نهاية المطاف كلمات أغنية جديدة لعمرو دياب.

عقدة الخواجة في أغنية "رايقة" لعمرو دياب

نشر المغنّي المصري والعالمي عمرو دياب منذ ثلاثة أشهر تقريبًا أغنية جديدة و"رايقة" حملت نفس هذا الاسم متزينة بإيقاع موسيقي مبهج ولطيف أدخلها إلى قلوب جماهيره ومتابعيه.

تقول بعض كلمات هذه الأغنية التي نالت إعجاب 299 ألف مشاهد على منصة يوتيوب:" آه يا نور حياتي، مافيكش غلطة، أجنبية طيّب ولا إيه دي خلطة"، كاشفة بوضوح عقدة النقص التي تعترينا وجرح الدونية الذي لم يلتئم بعد، كأننا ناقصات، منسيّات مقارنة بالأجنبيات وكأن الجمال متصّل حصرًا بجينات أوروبية. ليس عمرو دياب هنا حالة منعزلة إذ أننا نسمع هذا الكلام في اليوم مئات المرات على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأفلام والمسرحيات ونراه حتى في القصص الموجهة للأطفال فسندريلا والأميرة النائمة ورابينزل، كلهنّ أميرات شقراوات.

في هذا الطرح اعتقاد ثابت بأن النظرات ليست ذاتها ما دامت العيون زرقاء وأن الشعر ليس فاتنًا وجميلًا ما دام أسود كسواد الليل. اللغة تظلّ مبتذلة ما دامت لغة الضاد والجسد متشظٍّ وبشع ما لم يتّصل بجنسية أجنبية أو خلطة حضرت فيها إحدى جنسيات دول الشمال. هذا ما يصطلح عليه بعقدة الخواجة وما يعرّف باعتباره شعورًا بالنقص تجاه الآخر الأوروبي أي المستعمر.

لكل عقدة نقطة بداية!

تشكلت هذه العقدة بعد أن نجحت القوات المستعمرة في بسط هيمنتها الثقافية والاجتماعية على مستعمراتها وإقحام مواطنيها في قوالب جاهزة تتبنّى ما يقوله لها هذا المُستعمِر الذي بات حينها ومن ذلك الوقت مركز المعرفة والقوة، في حين صار هؤلاء منبتين ومغتربين في أراضيهم وبين أهاليهم.

ارتكزت هذه المحاولات على أساسين اثنين هما التعليم والإعلام ونجحت في تحويلهما إلى أدوات للهيمنة وخلق ذوات مؤمنة بدونيتها ومحتقرة لهوياتها. في هذا السياق، تصير اللغة باعتبارها إحدى مكونات الهوية محط اختلاف، إذ غالبًا ما تدخل عليها لغة المستعمِر فتصارعها حتى تصير هي نفسها رمزًا للمقاومة عند البعض وأداة لا تسمن ولا تغني من جوع عند البعض الآخر، ويرمى كل ما من شأنه أن يحيي المخيال الجمعي الوطني السابق لحالة الكولونيالية في مهب الريح لتعوضه أفكار تكرّس سلطة الآخر وتفوقه علينا.

أعمال فنية أخرى كرّست عقدة الخواجة

الجميلات هن الأجنبيات أو بدرجة أقل اللواتي وهبتهن الوراثة جينات قريبة من الجينات المرتبطة في أذهاننا بالدول الكبرى، والنجاح والمعارف حكر على الغرب.

هكذا تقول الأعمال السينمائية والدرامية فتصير شهرزاد، البطلة الفارسية لكتاب ألف ليلة وليلة، بقدرة قادر شقراء وتقوم بدورها اللبنانية نيكول سابا، مؤكدة أن الجمال يحمل هذه الملامح. تكرَّرُ السيناريوهات بحذافيرها في فيلم "من أجل زيكو" وفي مسلسل "نجيب زاهي زركش"، كأن أقلامنا ليست قادرة اليوم على كتابة النصوص وقصّ الحكايات، وتفرّ اللغة العربية من قواميسنا في جل المسلسلات التونسية، فاسحة المجال للفرنسية التي تتجمّل بها النساء القادمات من المدن.

من جهة أخرى، تبرز هذه العقدة ليس فقط من خلال مرآة الفن بل من خلال ردات فعل المتابع الذي قد يمدح الأفلام الأمريكية على تفاهتها ثم يذم النسخ العربية المترجمة حرفيًا منها والذي يستحيل ناقدًا فنيًا كبيرًا حين يرتبط الأمر بمشاريع عربية محلية، فيهدم البدايات تمامًا مثلما فعل مع أولى مسلسلات الخيال العلمي المصرية عرضت الأعوام الماضية وهي النهاية وكوفيد-25، دون أن يقارنها بالبدايات في الغرب، مركز الفن وأصل المعرفة ومهد الحضارات، الذي آمن عن وعي أو عن غير وعي بتفوقه السرمدي علينا ويسخر من "ما وراء الطبيعة" بينما يشيد به المشاهد الأجنبي.

يقول فرانز فانون في كتاب معذبو الأرض، مشيرًا إلى النظرة الاستعمارية الفوقية للآخر ولأرضه وهويته والتي تبنتها الأغنية وحفظها المتابع العربي:

"إنَّ مدينة المستَعمِر (المستوطن) مدينة صلبة مبنيّة بالحجر والحديد، مدينة أنوارها ساطعة، وشوارعها معبّدة بالأسفلت، وصناديق القمامة فيها ما تنفك تبلع نفايات ما عرفها الآخرون ولا رأوها يومًا ولا حلموا بها يومًا. أما مدينة المستعمَر، فهو مكان سيّئ السمعة يسكنه أناس سيّئوا السمعة. فيه يولد الناس أيًا كان وكيف كان. وفيه يموت المرء أين كان، وبأي شيء كان. هو عالم بلا فواصل، الناس فيه يتكدّسون فيه بعضهم فوق بعض، والأكواخ تتكدّس فيها بعضها فوق بعض. إن مدينة المستعمَر، مدينة جائعة، جائعة الى الخبر، وإلى اللحم، وإلى الأحذية، وإلى الفحم، وإلى النور. مدينة المستعَمر مدينة جاثية، مدينة راكعة، مدينة متدحرجة في الوحل".

تزرع هذه الصور فينا مع مرور الزمن. تحملها كتاباتنا وتحفظها مدارسنا ويرددها أطفالنا وتزيد من انتشارها أغانينا ونحن مغيبو الوعي والإرادة.

اقرأ أيضًا: نبرة المنقذ الأبيض.. كيف حورت هوليوود تجارب الأمريكيين من أصل إفريقي؟