فيلم Bridge of Spies .. الوقوف على جسر من الجاسوسية والإنسانية

0

 يحفل التاريخ الإنساني بالكثير من الحكايات عن الجواسيس، فالجاسوسية هي نتاج للحروب التي تندلع بسبب عدم قدرة البشر على التعامل مع حالة الاختلاف الجوهري لكل أُمّة؛ مما يتسبب في اختلال ميزان الاستقرار والانسجام، فتتفاقم الأزمات وتنشأ الحروب.

اختار “سبيلبيرج” إحدى هذه الحكايات الجاسوسية في أجدد مشاريعه السينمائية، فيلم Bridge of Spies الذي جرت أحداثه أثناء الحرب الباردة بين الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، حيث ألقت السلطات الأمريكية القبض على “رودلف أيبل” – غير الحامل للجنسية الأمريكية – والمُقيم بأراضيها، بتهمة التجسس لصالح السوفييت، فيُوكل جهاز الاستخبارات الأمريكية مهمة الدفاع عن “أيبل” للمحامي الأمريكي “جيمس دونوفان” الذي يعاني من كثير من الصعوبات في سبيل هذه المهمة لضمان ظهور المحاكمة بشكل يوحي بالعدل أمام العالم.

جسّد “مارك رايلانس” دور”رودلف أيبل” ببراعة واقتدار من جانبه وذكاء كبير من جانب “سبيلبيرغ” يتمثّل في التوظيف المثالي لبراعة “رايلانس” التمثيلية في مثل هذا الدور الرئيسي. أما الكبير “توم هانكس” فقد لعب دور المحامي “جيمس دونوفان” باقتدار يناسب الشخصية ومساحتها في سيناريو الأحداث، فلم يفتعل أداء لـ “تلميع” دوره والظهور بشكل البطل الخارق.

فيلم Bridge of Spies - محكمة

كان هناك أيضا العديد من الشخصيات البارزة بالفيلم، حيث جسّد الممثل الألماني “سباستيان كوخ” دور “فوغل” المسؤول الكبير في الجانب الألماني الشرقي، والممثل الأمريكي “أوستن ستويل” دور الطيار “فرانسيس باورز”، ومواطنه الأمريكي “بيلي ماغنوسين” في دور “دوغ” عميل جهاز الاستخبارات الأمريكية.

ربما يجول بخاطرك صديقي القارئ تساؤل من نوعية: لماذا لا يظهر في فيلم Bridge of Spies لمخرج كبير مثل “سبيلبيرج” الكثير من الأسماء اللامعة؟

تكمن الإجابة في عدم احتياج حالة الفيلم للإبهار التي قد تنتج من تواجد الكثير من النجوم، فكل من “سبيلبيرج” والأخوين “كوين” و”مات تشارمان” نأوا بأنفسهم عن عنصر الإبهار، حفاظاً على مصداقية كون الفيلم مقتبس عن قصة حقيقية، فيكفي “هانكس” لجذب الجماهير فعشاقه ليسوا بالقلة المعدودة.

ولا يمكن أن يمرّ الفيلم هكذا دون أن يضع الأخوان “كوين” بصمتهما على سيناريو الفيلم وشخصياته، فمن جهة الشخصيات خلق الأخوين “كوين” بالتعاون مع “مات تشارمان” – في تجربته السينمائية الثانية – المساحة الكافية بكل شخصية لتحمل بطياتها شيء من الفكاهة و خفة الظل، حيث تطل “كوميديا الموقف” برأسها من شخصيتي “ايبل” و”دونوفان”.

فيلم Bridge of Spies - مشهد 2

من جهة السيناريو فقد عمل الأخوان و “تشارمان” على إبراز الفكاهة بصورة طبيعية، لكي لا تظهر وكأنها قد تم إقحامها في الموقف بهدف الإضحاك غير المبرر، وبذلك تجنّب الفيلم الوقوع في فخ الكوميديا والاسترسال بلا جدوى.

بذلك يكون قد نجح الثلاثي في ترسيخ الأساس لسيناريو يقف في المنتصف بين حالة الإثارة والتشويق التي تَغلُب على الأفلام التي تتناول مواضيع الجاسوسية فيخرج الفيلم وكأنه فيلم إثارة وحركة في المقام الأول، وكذلك الإكتفاء بجرعة محددة من الدراما كفيلة لإبعاد الفيلم عن دائرة الوعظ الأخلاقي، فتبرز مجريات الأحداث في إطار حقيقي تنبع إثارته وانسانيته من جوهر الأحداث بغير الحاجة إلى “إضافات ومُحسّنات سينمائية”، فتخرج الصورة العامة النهائية للفيلم في إطار يقارب الحقيقة التي بُنيت عليها أحداث الفيلم، فيبدو وكأن “سبيلبيرج” وطاقمه قد وقفوا في المنتصف بين إثارة الجاسوسية والدراما الإنسانية.

على الرغم من محاولة طاقم العمل تحرّي المنطق والحقيقة في سير أحداث الفيلم، الإ أن”التابوه” المُعتاد في هوليوود الذي يتعمد إظهار الجانب الأمريكي على أنه الأفضل أو ما يمكن أن يُطلق عليه “التلميع الأمريكي”، وهي النقطة الواضحة التي يمكن أخذها على سياق الفيلم، وظهرت محاولات “التلميع” بصورة واضحة جداً سواء على مستوى الشخصيات أو السيناريو أو حتى الصورة، وهذا التلميع جلب على الفيلم شيء من التناقض، حيث ناقض الكثير من الأحداث والمحاولات التي تصبّ في منطقية الفيلم وحياديته.

فيلم Bridge of Spies - مشهد 1

لكن اسمح لي صديقي القارئ أن انتقل من هذا المأخذ السلبي إلى أحد أكثر النقاط الإيجابية في فيلم Bridge of Spies وهي تخصّ الجانب التاريخي الذي يقع خلف الأحداث، حيث أن كثير من أفلام السير الذاتية قد تقع في فخ اعتمادها على الكثير والكثير من الأحداث التاريخية التي تحتاج إلى ُمتابع يعرف ويحفظ الكثير من التاريخ أو أن يضع أمامه العديد من المجلدات التاريخية لكي يتمكّن من فهم الخلفية المتعلقة بالأحداث،مما يجعل الكثير من الأفلام التاريخية شديدة الانتقائية لمشاهديها.

وفي هذا الجانب تفوّق “سبيلبيرج” على كثير من سابقيه؛ حيث اكتفى بشرح بعض التفاصيل الخاصة بالحرب الباردة  في مقدمة الفيلم دون الحاجة إلى الخوض في تعقيدات العلاقات السوفيتية الأمريكية، مما يجعل الفيلم بمختلف تفاصيله، يخرج بهيئة بسيطة خلت من التعقيدات فطاقم العمل يحاول تقديم فيلم حقيقي عن قصة حقيقية، على الرغم من التناقض الواضح الخاص بالجانب الأمريكي بالفيلم.

أما على الجانب الدرامي للفيلم، فتبرز شخصية المحامي “دونوفان” الذي يمثل  مبدأ “افعل ما تراه صحيحاً دون النظر إلى الإعتبارات التي يضعها الآخرون، فالأمر يحتاج نوعين من الجرأة، أولهما جرأتك اللازمة لإتخاذ القرار، وثانيهما جرأتك اللازمة لتحمل مسؤولية قرارتك.”

فيلم Bridge of Spies - توم هانكس

تبرز كذلك شخصية “أيبل” الذي يسعى لخدمة بلاده، وعلى هذا الصعيد الوطني يبرز أيضاً “دونوفان” الذي يتحمل الكثير والكثير لتحقيق مهمة شبه مستحيلة، ولكنه يعرف في قرارة نفسه أنها لصالح بلاده، وكذلك أيضاً الطيار “فرانسيس”، والمسؤول الألماني رفيع المستوى “فوغل”، وأيضاً هؤلاء الذين حاربوا مهمة “دونوفان” في الدفاع عن “أيبل”، كل فرد من هؤلاء يسعى لتحقيق هدف وطني في المقام الأول دون النظر إلى حجم المخاطر التي من المحتمل أن يتعرض لها.

يضع “سبيلبيرج” كل هذه الخيوط في إطار حقيقي ومنطقي، فالكادرات تبتعد كل البعد عن الإبهار، وكذلك عنصر الإضاءة يضعك في العصر الصحيح للأحداث.

ابتعدت الموسيقى التصويرية بشكل كبير عن الطابع الملحمي الإ في لقطات قليلة، وفي النهاية فيلم Bridge Of Spies جرعة متوازنة من الدراما التاريخية والإثارة، تحمل في طياتها سيناريو شديد الإتقان ينقلك إلى العيش في تجربة حقيقية تستحق المشاهدة.

تريلر فيلم Bridge of Spies

0