فيلم Creed .. عودة جديدة لعالم روكي بالبوا الرائع

0

تُعتبر سلسة أفلام Rocky واحدة من أشهر السلاسل السينمائية التي تعلّق بها الجمهور على مدار سنوات طويلة، وصدور فيلم جديد لها بالطبع خبراً مفرحاً للكثيرين، ولكن يأتي مع هذه السعادة القلق من المستوى الذي سيقدمه الفيلم الجديد بالمقارنة مع باقي السلسلة، خصيصاً لو وضعنا في الاعتبار أن فيلم Creed هو الجزء الوحيد الذي لم يكتبه بطل السلسلة سلفستر ستالون، فأفلام روكي ليست مجرد أفلام سينمائية عادية بل أهم أعمال الممثل الأمريكي، والتي وضع فيها روحه وسخّر لها كل امكانياته.

في الجزء السابع من سلسلة روكي تغيّرت العديد من القواعد مثلما حدث مع تغيير المخرج والمؤلف، أهمها أن هذا هو الجزء الوحيد من السلسلة الذي لم يقاتل به روكي بالبوا بل تراجع لدور المدرب بما يتلائم مع عمر الشخصية وسن ستالون الذي يقارب السبعين عاماً، لكن هذا لم يفت في عضده بل استحق عن أدائه في فيلم Creed الترشيح الثاني في تاريخه لجائزة الأوسكار، وقد ترشح للجائزة الأولى ايضاً عن أدائه للجزء الأول من السلسلة Rocky عام 1976 وقد حاز هذا الجزء الأول على جائزة الأوسكار كأفضل فيلم متفوقاً على العديد من الأفلام القوية ذلك العام بالإضافة لجائزتي أوسكار آخرتين، ولكن هل يعني هذا أن فيلم Creed على ذات المستوى؟

للإجابة عن هذا السؤال ولمعرفة أهمية هذا الفيلم وفهمه بصورة أفضل يجب أن نعود بالذاكرة للأجزاء الستة السابقة.

روكي ليست فقط سلسلة سينمائية بل تاريخ..

فيلم Creed - تاريخ روكي

الكثير من محبي السلسلة – وأنا منهم – لا يروا في السلسلة مجرد مجموعة من الأفلام، بل هي تاريخ قد يكون بدأ من قبل أن نولَد، شاهدنا خلاله مراحل تطور شخصية روكي، نجاحاته وفشله، حبه وزواجه وترمله، أوقات ضعفه ولحظات قوته.

ظهرت شخصية روكي لأول مرة في فيلم Rocky عام 1976 حيث تعرفنا على الملاكم الشاب الذي يتمنى احتراف اللعبة ولكن ظروفه لا تسمح له بذلك، يعيش روكي حياة بسيطة ويقع في حب أخت صديقه التي ستصبح بعد ذلك رفيقة عمره “ادريان” وتأتي فرصته الذهبية على طبق من ذهب عندما يتحداه بطل العالم “ابولو كريد” – وتذكروا هذه الشخصية جيداً فهي محورية في باقي الأجزاء – ويقبل روكي التحدي ويبدأ في التدرب، ليأتي وقت النزال، ونشاهد مباراة حامية الوطيس بين البطل الذي كان يظن إنه سينازل في مباراة استعراضية مع لاعب متواضع المستوى، والملاكم الشاب الذي قرر اقتناص فرصته الوحيدة، وعلى الرغم من نهاية المباراة بهزيمة روكي إلا إنه حصل على احترام الجميع بالإضافة للشهرة والمال.

يبدأ بعدها الجزء الثاني Rocky II – 1979 حين قرر روكي اعتزال الملاكمة والتزوج من محبوبته وعيش حياة بسيطة، ولكن أبوللو الذي شعر بالإهانة رغم فوزه من المباراة السابقة تحداه وبالغ في إهانته حتى يقبل التحدي، ليقرر في النهاية الموافقة على نزال ثاني مع بطل العالم، ولكن هذه المرة كلا اللاعبين تحضّر للمباراة، لتأتي قوية قاسية، وتنتهي بفوز روكي ليصبح بطل العالم للمرة الأولى.

تبدأ أحداث Rocky III – 1982 بعد الجزء السابق بثلاث سنوات، حيث أصبح روكي نجماً لامعاً في مجال الملاكمة، وبطل العالم بعد اعتزال أبولو كريد، وعندما يقرر الاعتزال يتحداه اللاعب كلابر لانج الذي وضع نصب أعينه أن نجاحه وشهرته طريقها الوحيد هزيمته لروكي بالبوا، ويقبل الأخير التحدي، لتبدأ المباراة مباشرة بعد مشادة بين اللاعبين توفي على إثرها مدرب روكي وأبيه الروحي “ميكي” لُيهزم روكي على يد اللاعب العنيف لانج وتتحطم معنوياته.

في هذا الجزء تدخل علاقة روكي بأبولو في مرحلة الجديدة، فلم يعودا ندين، وقرر أبوللو مساعدة صديقه الجديد ويدربه قبل دخوله مباراة جديدة انتقامية مع لانج، وهذا ما يحدث بالفعل ليفوز روكي بعد مباراة قوية وحاسمة.

الجزء الرابع Rocky IV – 1985 يعتبر من أجمل أجزاء السلسلة، حيث نتعرف على حياة روكي الهادئة بعد سنوات من احترافه للعبة، حتى تبدأ الإثارة بقدوم اللاعب الروسي دراجو إلى الولايات المتحدة ورغبته في تحدي لملاكم أمريكي في إطار تحسين العلاقات خلال تلك الفترة العصبية سياسياً بين روسيا وأمريكا.

قبل أن يحسم روكي أمره حول قبوله للمباراه من عدمه، يقوم “أبولو” كريد بتحدي اللاعب الروسي، بناء على فيديوهات قديمة له تظهره لاعب متواضع المستوى، ويطلب من روكي رد الجميل له، ومساعدته كمدرب، لم يكن أبوللو مستعد بما فيه الكفاية للملاكم الأجنبي المحقون بالمقويات، لذلك جاءت المباراة من جانب واحد تقريباً، وانتهت نهاية مأساوية بوفاة أبوللو، وفقد روكي لأهم أصدقائه، ويقرر الانتقام له بمنازلة اللاعب الروسي على أرضه على الرغم من رفض زوجته أدريان لذلك.

وكما إني اعتبر الجزء الرابع من أقوى أجزاء السلسلة، فالجزء الخامس Rocky V – 1990 يُعتبر من وجهة نظري أضعفها، يبدأ بروكي المصاب بعد مباراته القوية مع دراجو، والذي يخبره طبيبه أن حياته تتوقف على عدم المنازلة مرة أخرى، ويقرر بالفعل الاعتزال لكن في الوقت غير المناسب حيث يفقد كل أمواله نتيجة لخطأ وكيله وأخو زوجته، وبالفعل يرجع روكي مرة أخرى لحيه الفقير وأدريان لعملها المتواضع ويحاولان بدء حياتهما مرة أخرى كما لو أن النجاح والشهرة والمال الذي حظيا بهم لم يكونوا، يدخل على الأحداث ملاكم شاب يقوم بتدريبه روكي لكن يتمرد عليه ليقع النزال هذه المرة بين روكي وتلميذه الصغير.

بعد ستة عشر عاماً من الجزء الخامس يعود إلينا روكي مرة أخرى كهل في فيلم Rocky Balboa – 2006، اعتزل الملاكمة منذ سنوات، فقد زوجته وأصدقائه وابنه الوحيد يهرب من شهرته وتأثيره على الآخرين، يمتلك مطعم صغير يقضي به جل وقته، ولكن يشعر بالفراغ، حتى يقرر العودة للنزال في مسابقات الهواة لتمضية وقت فراغه في شيء بالفعل يحبه، ولكن تؤول الأحداث إلى اشتراكه في مباراة استعراضية مع بطل شاب وقوي يسخر من غريمه العجوز ما يدفع الأخير للتحدي والتدرب بجدية لنشاهد مباراة قوية أخيرة من روكي بالبوا الحصان العجوز.

قواعد أفلام روكي..

فيلم Creed - عدوك الأول

على مدار ستة أفلام، بالطبع أصبحت لسلسلة قواعد رئيسية نجدها تتكرر في كل فيلم، فهل نجح فيلم Creed في استخدام ذات القواعد؟

  1. الشخصية النسائية، حيث في كل الأفلام نجد أدريان الزوجة القوية التي تؤازر زوجها حتى عندما ترفض قراراته، أدريان التي لعبت دورها تاليا شاير في الأجزاء الخمسة الأولى ببراعة جعلت من أخذ مكانها بعد ذلك صعب للغاية، فنجد في الجزء السادس الشخصية النسائية باهتة، وجودها لا يمكن ملاحظته وهي ماري صديقة روكي التي تعمل في مطعمه ويساعدها على رعاية ابنها وقامت بدورها “جيرالدين هيو”.
    بينما في فيلم Creed كانت الشخصية النسائية هي بيانكا صديقة أدونيس وجارته والتي لعبتها “تيسا تومبسون” ببراعة خصيصا مع اللمسات البارعة التي أضافها المؤلف والمخرج “ريان كوجلر” على بيانكا وجعلها فعلاً مختلفة، قد لا تستطيع منافسة أدريان الأيقونة النسائية للسلسلة ولكن حضورها كان واضحاً ومؤثراً.
  2. البداية العادية، فدوماً يبدأ الفيلم بالحياة اليومية لروكي، لا أحداث قوية، أو صراعات صعبة، يوم عادي في حياة الشخصية الرئيسية ثم تتوالي الأحداث.
    لكن فيلم Creed لا يتبع ذات القاعدة، فنجد الفيلم يأخذنا في ومضات سابقة يستعرض حياة الطفل أدونيس كريد والملجأ الذي عاش به، حتى نتعرف على بداياته ونتفهم خياراته الشخصية بعد ذلك.
  3. رفض النزال، في الأجزاء الستة من أفلام روكي كان في البداية يرفض النزال على الدوام، في بعض الأحيان لعدم ثقته بنفسه، والبعض الآخر لرغبته في الاعتزال، وفي الجزء الخامس للعلاقة التي ربطته باللاعب الذي دربه، لكن في كل مرة كان المؤلف يعطي بطله كل الدوافع للقبول ويجبره على الملاكمة في النهاية.
    في Creed ايضاً لم تتغير القواعد، فعلى الرغم من حب أدونيس للملاكمة، وسعيه لاحترافها، إلا إنه عندما طُلب منه منازلة بطل العالم رفض ذلك في البداية.
  4. التدريب، أهم أجزاء الفيلم هي مرحلة التدرب على القتال، يترافق معها موسيقى تصويرية محفزة، وخلالها شاهدنا مجموعة من المشاهد الأيقونية في السلسلة، خصيصاُ في الجزء الأول والثالث والرابع.
    وايضاً اتبع Creed ذات القاعدة، لنشاهد روكي هذا المرة مدرباً لأدونيس الشاب، يستعمل معه ذات الطرق القديمة التي دربه بها “ميكي” قبل نزاله لأبولو المرة الأولى والثانية.
  5. النزال، فيلم عن الملاكمة يجب أن ينتهي كل جزء منه بنزال بالطبع، المهم في هذا النزال ليس فوز البطل او هزيمته، بل التحدي والتصميم الذي يدفعه على إكمال اللعب حتى بعد إصابته، رغبته في الفوز مهما كانت التضحيات التي يقوم بها، فرأينا في الجزء الأول روكي ينهزم أمام أبوللو لكن هزيمة بطعم النجاح، فبقائه على الحلبة طيلة الخمسة عشر جوله انتصار كافي.

فيلم Creed .. هل هو مسك الختام؟

فيلم Creed - البطل

حتى يستطيع كاتب آخر إضافة جزء جديد لسلسلة مثل روكي يجب أن يكون قبلها محب لها، تشبّع بروحها ليستطيع تقديمها في فيلم جديد يحمل ذات الطابع، وقد قام بذلك وأكثر المخرج والمؤلف “ريان كوجلر” ذو التسعة وعشرون عاماً، الذي قال إنه أحب الأفلام منذ شاهدها لأول مرة مع والده خلال طفولته، وأراد دوماً التعبير عن محبته وإعجابه لها، ولا يوجد أفضل من صنع جزء مميز تتمة وختام لها.

استغل كوجلر كمؤلف كل الخيوط في الأجزاء السابقة، وأضاف للماضي الأجزاء الباقية لحبك قصة فيلمه عن طريق مشاهد الومضات السابقة.

أولى مشاهد فيلم Creed سنتعرف على طفولة بطل الفيلم الجديد، الطفل “أدونيس كريد” الابن غير الشرعي “لأبوللو كريد” الذي توفي والده وهو لازال جنيناُ ثم فقد والدته، ليتربى يتيماً حتى بحثت عنه زوجة والده التي قررت أن تجعله هدفاً جديداً لحياتها وربته كأبنها.

لكن يكبر “دوني” ويكتشف أن حب الملاكمة يسري في الدماء التي ورثها عن والده، وعلى الرغم من نجاحه الوظيفي إلا إنه يقرر هجر كل شيء وبدء مسيرته المهنية كملاكم محترف، ليترك لوس انجلوس ويتوجه لفيلادفيا ويطلب من صديق والده القديم “روكي بالبوا” تدريبه، وهو ما يرفضه الأخير في البداية حتى يرضخ بعد الكثير من الإلحاح، ليبدأن رحلة رياضية جديدة.

القصة بسيطة للغاية، تشبه كثيراً الأفلام السابقة لكن تعتمد على جاذبية شخصية روكي وتاريخها القديم، بالإضافة بالطبع الكثير من المواقف المؤثرة التي جمعت بين روكي ودوني، والقصة العاطفية بين أدونيس وجارته بيانكا.

لكن ما أضفى على الفيلم تميزه هو الأداء التمثيلي الراقي، حيث شاهدنا “ستالون” ينافس نفسه في الجزء الأول من السلسلة، ولا أستطيع تحديد من الأفضل روكي الشاب في بداية عمره، أم روكي العجوز الذي تنازل عن دور البطولة وأصبح مدرباً، قدم “سلفتسر” واحد من أروع أدواره في الفترة الأخيرة في هذا الفيلم، وأثبت أن جاذبية شخصية روكي نابعة منه هو بالتأكيد، وكان الروح النابضة للأحداث.

لكن ذلك لا يمنع أن مايكل ب. جوردان كان أدائه طيباً في دور “أبولو” الشاب، ولم يبذل جهداً كبيراً في تقديم الشخصية بل كان في غاية التلقائية سواء في مشاهده منفرداً أو مع سلفستر ستالون، أو تيسا تومبسون، وقد أبرز الصراع الذي يعتمل في نفس “أدونيس” الذي يرغب في إثبات نفسه بعيداً عن عباءة والده، وفي ذات الوقت يعشق هذا الوالد الذي لم يقابله ابداً.

عيوب الفيلم..

5

قدم فيلم Creed قصة بسيطة لكن ذلك لا يعيبه، فلا أحد يدعي أن قصص الأجزاء السابقة كانت أسطورية عميقة، بل سر نجاح السلسلة إنها قدمت حكاية شاب عادي وصل للنجاح لإيمانه بشغفه وحبه لما يفعل، وأكمل أدونيس مسيرة روكي في فيلم Creed وكان الأداء التمثيلي ايضاً جيداً، وربما كان العيب الوحيد في الفيلم هو الموسيقى التصويرية الباهتة التي حظي بها على عكس الأجزاء السابقة التي كانت متميزة للغاية وترشح الجزء الثالث لجائزة الأوسكار لأفضل موسيقى وأغنية أصلية “Eye of the Tiger”، وأدى هذا الضعف إلى غياب الكثير من روح السلسلة الأصلية على الرغم من اجتهاد كوغلر الكبير.

يبقى الفيلم في النهاية جيداً ومسلياً يليق بمستوى باقي السلسلة، يستحق المشاهدة بالتأكيد، ويستحق سلفستر ستالون ترشحه للأوسكار وربما فوزه بها كذلك.
– وقد أُعلن عن جزء ثانٍ  Creed II  يُعرض في عام 2018

تريلر فيلم Creed

0

شاركنا رأيك حول "فيلم Creed .. عودة جديدة لعالم روكي بالبوا الرائع"