في أقل من شهرين، ولمرتين على التوالي، كان حديث مواقع التواصل الاجتماعي يدور حول أزمة "الطلاق" في مصر وذلك مع انطلاق مسلسلين أشعلا هذا الموضوع من جديد، أحدهما "البحث عن علا" الذي صدر في شهر فبراير والآخر "فاتن أمل حربي" وهو أحد مسلسلات السباق الرمضاني لهذا العام.. وفي المرتين انقسمت الآراء بين موافق ومعارض لمحتوى كل من المسلسلين، وانطلقت النقاشات لتجعل منهما "تريند" لفترة طويلة. لكن صدورهم في تلك الفترة القصيرة جعل من المقارنة بينهما بالنسبة للمشاهدين أمراً حتمياً.

ظروف مختلفة لا تترك مجالًا للمقارنة بين فاتن أمل حربي وعلا

جاء مسلسل "البحث عن علا"، من كتابة مها الوزير وغادة عبدالعال، كجزء ثانٍ لمسلسل "عايزة أتجوز" وهو عن رحلة علا بعد طلاقها من "هشام" ومحاولتها لاستيعاب التغيير الذي حدث في حياتها، وجاء مسلسل "فاتن أمل حربي" للكاتب ابراهيم عيسى عن رحلة طلاق "فاتن" من زوجها "سيف"، ومحاولتها لأخذ حقوقها وحقوق أولادها منه. تبدو القصتان متشابهتين للوهلة الأولى.. لكن هل المقارنة بينهما أمر منطقي؟

مما لا شك فيه أن تجربة الطلاق متشابهة لدى العديد من النساء، والتفاصيل الصغيرة الشخصية قد تجدها واحدة في كل تجربة.. لكن الظروف التي تحيط بكل من "علا" و"فاتن" مختلفة اختلافًا جذريًا، بدءًا من الدائرة الصغيرة التي تحيط بكل منهما من الزوج والعائلة والأصدقاء وانتهاء بالدائرة الكبيرة التي يمثلها المجتمع.

فـ"علا عبد الصبور" مرت بتجربة طلاق يمكننا أن نعدَّها تجربة "متحضرة"، حيث انفصلت فيها عن "هشام" بهدوء وبدون الاضطرار للجوء إلى محاكم ومفاوضات لتحصل على حقها، بل كان كل شيء يتم بالاتفاق بينهما، ولأن "هشام" هو من أراد الانفصال في البداية، فقد حرص على أن يترك لـ"علا" كل ما قد يساعدها في الموافقة على الطلاق مثل الشقة والعربية، ولم يحاول ممارسة أي ألاعيب من المتعارف عليها ليحظى بأفضل "صفقة" دون خسائر.

كما أن المجتمع المحيط بعلا من أصدقائها ومعارفها قد ساعدوها بشكل كبير في تخطي تلك الأزمة، مثل إحدى صديقاتها التي عرضت عليها شراكة مشروع عن طريق منحها مبلغ كبير نسبيًا، كما أن انتماءها لطبقة عالية نوعًا ما ساعدها في تجنب الكثير من المضايقات والمشاكل التي كان من الممكن أن تتعرض لها لو كانت تنتمي إلى طبقة متوسطة.

على الجانب الآخر تمامًا، نرى فاتن وهي تصارع لتنجو فقط بحياتها وحياة أولادها؛ ففاتن زوجة مُعنّفة، متزوجة من رجل لا تفوته فرصة إلا ويؤذيها فيها سواء جسديًا أو نفسيًا.. وعندما تلجأ فاتن للطلاق، ينفجر في وجهها سيل من القضايا في المحاكم، فقط لتسطيع أخذ حقوقها من المسكن والملبس، ولتستطيع توفير أدنى درجات الحياة الكريمة لأولادها.

كما أن الطبقة التي تنتمي لها لا تستطيع توفير الرفاهية والحماية والدعم المادي والنفسي اللازم لتخوض كل تلك المعارك بمفردها، فالمجتمع من حولها ينظر إليها، كامرأة مطلقة، بدونية تحول بينها وبين الحياة التي تحاول الوصول إليها بعد الطلاق.

لذا فإن التجربتين مختلفان تمامًا، ولا يمكن عقد مقارنة عادلة بينهما دون ظلم أحد الطرفين. ولكن هذا يأخذنا إلى بُعد آخر في تلك المقارنة.. هل هذا التباين الشديد بين الحالتين يسمح لنا بالنظر إلى إحداهما على أنها محض خيال وللأخرى على أنها الحقيقة الكاملة؟ أم أن الأمر هنا يشبه العملة ذات الوجهين؟

بين اكتشاف النفس وبين أروقة المحاكم

إذا أراد عمل ما تبني جزء محدد من أي قضية، فلا يمكننا إلقاء اللوم عليه لعدم تبني القضية بأكملها.. وهذه هي نقطة الاختلاف الأكبر بين "فاتن أمل حربي" و"البحث عن علا". فكلٌّ من المسلسلين اختار أن يتبنى وجهًا واحدًا من أوجه حياة المرأة بعد الانفصال.. وجهان لذات العملة حتى وإن بدا عكس ذلك.

فصناع مسلسل "البحث عن علا" اختاروا أن يذهبوا في رحلة "داخلية" لاستكشاف علا لنفسها بعد أن خرجت من علاقة زواج دامت لفترة طويلة، اختاروا فيها نموذجًا للانفصال وإن كان تواجده قليلًا، لكنه موجود وحقيقي، ليس للقضايا والمحاكم مكان فيه، لكن أكثر ما كان يعنيهم هو الوجه الآخر الذي لا يعير له الناس انتباههم، اللحظة التي تدرك فيها المرأة أنها قد أضاعت نفسها داخل حياتها السابقة، وأن عليها أن تجدها من جديد.. وقد كان المسلسل واضحًا في رؤيته تلك منذ البداية، حتى أن عنوانه يخبرك بكل ما أنت على وشك مشاهدته، فـ علا ذهبت في رحلة طويلة للبحث عن نفسها، لـ "البحث عن علا".. لا "علا الزوجة" ولا "علا الأم"، إنما علا ذاتها التي تاهت بين الاثنتين الأخريتين. وعلى مدار العشر حلقات، ذهبت الرحلة بـ علا إلى أماكن مختلفة بداخلها، في استكشاف لكل ما كان مدفونًا، وكل ما تريد أن تزرعه ليكمل معها رحلتها التي لم تنتهِ بعد.. رحلة لها بمفردها وأخرى لها برفقة أولادها. لا تتخلى عن أمومتها لكنها تتطلع إلى عالم جديد يمكنها فيه أن تكون نفس الأم دون أن تنسى نفسها.

أما صناع "فاتن أمل حربي" فقد كانوا واضحين منذ البداية أيضاً، فالمسلسل يناقش الوجه الذي لا يخفى على أحد لكن ما يزال الناس يختارون تجاهل تفاصيله التي لا تروق لهم ولأفكارهم. فالمسلسل اختار أحد النماذج التي يوجد الآلاف منها واختار أن يتناوله بأسلوب مباشر وخطابي، قد يختلف معه البعض فنيًا، لكن يرى الكثيرون أنه الأسلوب الأنسب لمناقشة موضوع مهم مثله وقضية لا تنتهي.

ففاتن هنا ليست لديها رفاهية البحث عن نفسها أو عن رغباتها، الحياة لا تعطيها فرصة الالتفات والنظر إلى المرآة متأملة شكلها ولون شعرها، فحتى المرآة بالنسبة إليها هي مكان لتكتب عليه المصاريف التي عليها سدادها، لتبقى أمام عينيها الشيء الوحيد الذي تراه كل يوم عندما تستيقظ، وبدلًا من أن تذهب في رحلة داخل أي حديقة لتستمتع بوقتها مع أولادها، فإنها ترسم لهم الحديقة على الحائط بينما ينامون على الأرض، يحاولون في أحلامهم أن تصبح تلك الحديقة حقيقية.

رحلة فاتن هي رحلة "خارجية" تحاول فيها أن تنعم بيوم واحد من الراحة والهدوء، ولكن بدلًا من ذلك فإنها تعيش أيامًا طويلة داخل أروقة المحاكم وأقسام الشرطة التي باتت تحفظها عن ظهر قلب كأنها بيتها الجديد، ومن قضية إلى أخرى تخسر واحدة تلو الأخرى، بينما لا يكف "سيف" عن محاولاته ليقلب حياتها إلى جحيم مستمر لا ينتهي إلا بشرط الرضوخ إليه من جديد.

ورغم أن الحالة العامة لكلا العملين مختلفة، ورغم اختلاف الظروف والبيئة المحيطة، فإن المرأة واحدة في كل منهما. إذ إن "فاتن" و"علا" لا يختلفان كثيرًا عن بعضهما البعض. فكل منهما استيقظت يومًا لتجد نفسها أمام مأزق لا بد لها أن تنجو منه دون أن تخسر نفسها أو تخسر أولادها وحقوقها، قد يختلف ما كانت تسعى إليه كل منهما، وقد تختلف الرحلة لكن الوجهة واحدة.. مكان أكثر أمانًا واستقرارًا، تستطيع فيه العيش "حرة" دون الحاجة للانصياع إلى قيود ما ينتظره الآخرون منها، ودون الاضطرار إلى خوض معارك واهية فقط لتعيش.

اقرأ أيضاً: فاتن وأملها الحربي.. هل تنجح تونة العنيدة في التهام قرش الظلم الاجتماعي؟