الكلمة، وعلى مدار العصور هي المعبر الأول عن الإنسان. مهما اختلف شكل تقديم هذه الكلمة تظل هي الأساس، فسواء تم نقشها على جدار معبد في أرض كمت المقدسة، أو استخدمت في معلقة شعر عربي جاهلي بديع، أو حتى حورت لتكون لوحة فن تشكيلي من العصر الرومانتيكي أو فيلم سينمائي سيرالي صامت استخدم الصورة دلالة على الكلمة.

في النهاية هي الكلمة. وأما عن الألفية الثالثة التي لم يصبح بها العالم فقط قرية صغيرة بل هو أشبه بـ “استديو” سكني صغير، فما هي الأدوات/ الكلمات التي استخدمها شباب هذا الجيل للتعبير عن أنفسهم وعن المشاكل العالمية؟ أمن خلال الراب؟

الراب هو كلمة العصر والمعبر عن المشاكل، شئت أم أبيت

لا يمكن إنكار انتشار فن الراب في الخمس سنين الأخيرة، وبالرغم من تاريخه الطويل الذي يمتد لعشرين عامًا تقريبًا في الوطن العربي، إلا أنه وصل لشهرة لا مثيل لها في الآونة الأخيرة. ومن المثير أنه وبالرغم من أنه جزء من اعتماد فن الراب في الأساس على قوانين الشعر سواء في الأسلوب أو الموضوعات، إلا أنه حاليًا وبين الجيل الصغير يحظى هذا الفن بالشعبية والاهتمام الأكبر، بل يصل الأمر إلى أن نقول إن الشعر يعتبر فن مندثر حاليًا بين هذه الفئة.

ويعود هذا الأمر إلى التجديد في اللغة، فـ الراب الذي يقدمه شباب تتراوح أعمارهم بين الـ 18 والـ 25 عامًا يتناول المواضيع من زواياهم هم، يستخدمون لغتهم الخاصة، يختاروا مشاعر معينة تؤرقهم من دون مشاعر كثيرة أخرى، كل هذا في قالب هذا الفن الذي خرج في الأساس من لغة الشارع، أي أنه ببساطة الطريقة التي وجدوها الأمثل في توظيف الكلمة للتعبير عن أنفسهم.

هيا نذهب معًا اليوم في جولة سريعة مقتضبة في “كلمات الشباب” من بيئات وثقافات مختلفة، يواجه كل منهم مصاعب قد تتشابه مع الآخرين وقد تكون فريدة مميزة خاصة به للغاية. الأهم أنهم اختاروا أن يعبروا عن أنفسهم، وأنفسهم فقط ورفعوا شعار “وداعًا لـ النمطية”.

شبجديد: القضية الفلسطينية بعيدًا عن شعارات كبيرة

شبجديد من مغني الراب الذي عبروا عن مشاكل عالمية

شبجديد/ شاب جديد، هو شاب فلسطيني يعرف عنه في “سين الراب” أنه صاحب لسان لاذع، وكيف لا يكون له هذه الطباع؟ فاستنادًا للبيئة التي تربى بها، نشأته في أجواء الاحتلال، بالإضافة إلى انتمائه لمنطقة كفر عقب التي لا تستند لقوانين محددة ولا تنتمي جغرافيًا لمنطقة بعينها، كلها أمور جعلت شبجديد يصف نفسه أنه آلة طباعة تستقبل الواقع المحزن/ المضحك وتترجمه لكلمات بلغة الشارع.

عندما يُسأل عن شكل الحياة تحت الاحتلال يجيب بكل السخرية المحزنة أنه لا يعرف إلا شكل هذه الحياة لذا لا يستطيع مقارنتها بأخرى، وإذا صادفت أي فيديو كليب له، وبالرغم من توقعك أنه سيكون يرتدي الشال الفلسطيني الشهير، إلا أنك ستجده يرتدي أزياء رياضية للوهلة الأولى تعتقد أنه أحد الموديلز المشاركين في الكليب ليس أكثر.

يرجع شبجديد ذلك لرؤيته المختلفة للقضية الفلسطينية، فهو لا يرى أن عليه أن يرص العديد والعديد من البارات عن الهوية وأهمية المقاومة والحفاظ على الهوية واستعادة الأقصى على غرار أوبريت الحلم العربي. إنما عليه أن يستخدم فنه في التعبير عن حياة الشاب العربي العادي للغاية الذي عليه أن يتعامل مع جنود الاحتلال يوميًا. وفي أغنية “كحل وعتمة” التي يروي بها قصة شاب تتناص كثيرًا مع قصته اليومية.

فش اشي فالدنيا كلشي شوف كيف لون اسود كحل و عتمة
و انا نازل عقلنديا ودعتني وانا نازل عالمعبر ودعتني
اذا بحط ايدي فجيابي فالقطار رح يشك في طعنة نص ساعة الطعني
تفتيش عالواقف حسس عبطني سككين مش لاقي بس راح عبطني

يبدأ بتوضيح الحالة العامة التي يقوم البطل بها للاستعداد للذهاب لعمله، في سواد الليل، أو لعله ليس سواد الليل فقط الذي يشعر شبجديد أنه يحاصره. تودعه والدته قبل الذهاب للمعبر ليصل إلى بلدة قلنديا، يصل ويخشى أن يضع يداه في جيبه حتى لا يظن الجندي أنه يحمل سكينًا. مع ذلك يفتشه بدقة، وبالرغم من أنه لا يجد مع أي سلاح إلا أنه “عبطه” بمعنى إلصاق التهم به. من خلال أربع بارات فقط يوضح شبجديد المعاناة اليومية التي يمر بها الشاب العادي حتى يصل لمقر عمله، هذا وإن وصل في الأساس.

دموعي من عيني تنزف، تسري على جبيني
لو بعرف انك حاملة كثير الله يسامحك لو خبرتيني
والشعب العربي المقرف، برضو على جبيني
والرؤساء العرب القادة الصح بس اغلبك فيزا اعطيني

وفي أغنية أخرى بعنوان “أمريكا” يناقش فيها وضع الشعب العربي مع القضايا العربية المختلفة، يصف الدموع تنزل من عيونه كالنزيف، ولكنه على جبهته أي في الاتجاه العكسي كنوع من السخرية من الدموع المنافقة. ويخاطب دولته أنه لو يعرف أنها تعاني كل هذه المعاناة لكان ساعدها بالتأكيد، وهو نوع آخر من السخرية حول ادعاء الجهل بالمشاكل العربية. وأخيرًا يغازل الحكام العرب وينافقهم بشكل ساخر طمعًا في الحصول على فيزا تمكنه من الفرار من واقع بلاده المخزي. باختلاف تعبيره عن واقعه الذي أثر عليه الاحتلال الذي يعد مشكلة عالمية بالتأكيد، ينجح شبجديد دائمًا في الحديث بلسان العامة.

مسلم: الغربة والاغتراب بنظرة ذاتية

مسلم هديب من مغني الراب الذي عبروا عن مشاكل عالمية

“مسلّم- Msallam” هو شاب أردني فلسطيني ولكن يدرس ويعيش حاليًا في موسكو-روسيا، وهو الأمر الذي لا يمكن بالتأكيد فصله عما يقدمه من فن. وكما هو الحال مع شبجديد، يتناول مسلم المعاناة من منظوره، وبسبب خلفيته ووضعه الحالي كمغترب عن بلده سواء بسبب الاحتلال أو سوء الأحوال الاقتصادية فنجد في أعماله بشكل عام مناقشة للعديد من المشاكل العالمية، وبالأخص أغنية “الخطوة الأخيرة” تعبير عن الغربة والاغتراب. ويعرف الاغتراب النفسي وفقًا لفرج عبد القادر طه على أنه:

“زملة الأعراض التي يبدو معها المريض وكأنه علاقة غريب عن المجتمع الذي يعيش فيه، حيث تزداد الهوة بينه وبين المجتمع الذي يعيش به”

وعن أغنية مسلم، ففي أغنية الراب عادة ما يوجد ما يسمى بـ “اللازمة/ الكورس”، وهي عبارة عن مجموعة من البارات تتكرر لتفصل المقاطع الأساسية في الأغنية عن بعضها. لتكون اللازمة التي يكررها ثلاثة مرات هي:

فش اشي يغير فش اشي يزيح الأوهام
فش اشي يعدل فشي اشي يحقق أحلام
فش اشي يرمم فش اشي يسكر الجروح
فش اشي يجيبك فش اشي يطفيلك النور
فش اشي يخلي واحد زيّي هونا مزتوت
فش اشي لكن انا هونا بحكي وك آخ
فش اشي تحبه تفنيله حالك لتموت
فش اشي يجاوب فش اشي يبني فش آه

في كلمات يغلب عليها طابع الجزع والتشاؤم، يوضح مسلم أنه لا يوجد شيء مريح، لا يستطيع أن يزيح الأفكار الخاطئة بأي شكل كما أن كل محاولاته لتسكين الجروح تبوء بالفشل. كما بلمسة من الحزن يوضح أنه لا سبب من وجوده في غربته “فش اشي يخلي واحد زيّي هونا مزتوت” ويوضح بعدها أنه سيقدم نصيحة كأخ، وهي لا تحب شيئًا حتى الموت وكأنك ستفقد نفسك به من شدة التماهي معه. وفي المقطع التالي نوعًا ما يناقض نفسه.

أنتِ أنا ياريت عنّا كوخ وما كون متحضر ولا في فلوس
ولا بعرف أهلي ولا بصلي ولا عندي دين وسرحان بالكون
ولا عندي لغتي ولا عندي حروف ولا في سكين ولا في فروض
ولا في تاريخ ولا في توراه ولا في قرآن ولا في زابور
بس أنا وأنتِ أنا وأنتِ تاخديني بحضنك وتنامي بحضني
أغفى عَصدرك أجوع أبوسك أنام عَالبدري والشمس تقوم
الصبح بدري الشجر حولي جدايلها تلعب بشعرك آخ
افطر من أرضي وما أزهقش اي روح أعيش عمري جنبك.
بعديها أموت.

بغض النظر عن تدفق الكلمات/ الفلو الواضح في مجموعة البارات السابقة إلا أنها كذلك توضح حالة من الاغتراب يعيش بها مسلّم في غربته فيتمنى أن يختفي كل شيء حوله من حضارة وبيوت وناس وأديان حتى اللغة يتمنى أن تختفي ليكون على انفراد مع حبيبته، الوحيدة التي لا يشعر معها بهذا الاغتراب.

إذا بحثت ونقبت بشكل أوسع في المواضيع التي يتناولها مغنو الراب الشباب ستجدهم بالفعل يتناولون مواضيع مميزة وفريدة من نوعها، التنميط المجتمعي، المشاكل النفسية، الخزي المجتمعي الذي يلاحق المريض النفسي، أساليب التربية الخاطئة، مشاكل المرأة الفعليه والعديد والعديد من التابوهات المحظور الحديث عنها يستطيع هولاء الشباب تقديم محتوى فني لائق للغاية وفي نفس الوقت يناقش مشاكل عالمية قد لا يجرؤ الكثير على مناقشتها.