هوليوود.. أداة دعاية الحكومة الأمريكية الناعمة

هوليوود
1

لا زلت أذكر فيلم Bable الذي يلخص ببساطة قصة سائحين أمريكيين في الجزائر، تُصاب الزوجة خطأً بعيارٍ ناري ناتج عن طلقة طائشة لطفلٍ كان يعبث ببندقية، حدثٌ كان سيمر عاديًّا وستقتصر العقوبات على حيازة أسلحة غير مرخصة وما إلى ذلك لولا أمرٌ واحد…

لقد كانت المصابة أمريكية!

لتبدأ بعد الحادثة تحقيقات تزعزع راحة عائلات من حول العالم، ابتداءً من بائع البندقية الياباني وحتى العربي الذي اشتراها. وعلى الجانب الآخر من الأطلسي نجد مربيةً مكسيكية تنال نصيبها من سوء الحظ الناتج عن اصطحاب طفلي هذين الأمريكيين إلى حفلة زفاف ولدها في المكسيك والحادث الذي قطع السبل بها في منطقة معزولة، وغيرها من أحداث الفيلم الذي نال شهرةً كبيرة يومها، والفيلم ذاته تطرق ولو ضمنًا إلى النقطة (موضوعنا) بعين ناقدة.

رسالةٌ واحدة من الجانب الحكومي الأمريكي ربما كان يُراد أن تصل حرفيًّا مفادها: “نقلب العالم من أجل مواطنٍ أمريكي، عن حق أو من غير وجه حق”. لكن هذا في السينما التي تبدو فيها مخاطبة الأمريكي عبر فيلمٍ نال شهرة عالمية أمرًا جليًّا، لكن ما الذي يدور في الكواليس؟

ستتبادر إلى أذهاننا أسئلة من قبيل: هل صناعة السينما في أمريكا حرة، هل هي موجهة، هل تُمارَس رقابة عليها؟

حسنًا إليكم ما لدينا.

جولة في أروقة البنتاغون

قام كل من توم سيكر وماثيو ألفورد بالتجول في أروقة البنتاغون، مستفيدين من القانون الأمريكي الذي ينص على حرية الوصول إلى المعلومات، وقد طال بحثهما الآلاف من الوثائق العسكرية والاستخباراتية، وقد تبين لهما إثر الاطلاع على هذه الوثائق التدخل الهائل بل والسيطرة الكبيرة حتى للحكومة الأمريكية على هوليوود، تبدأ هذه السيطرة من التحكم بسيناريوهات يراها البنتاغون محرجة للسياسة الأمريكية، ويصل حد منع السيناريو من أن يصبح فيلمًا.

هذا التقرير يفسح المجال لأسئلةٍ جديدة، ليست عن الرقابة فقط، بل عن دور هوليوود في الترويج لبروباغندا وكالة الأمن القومي الأمريكية. وقد أصبح هناك إجماع حول مساهمة البنتاغون في صناعة 200 فيلم على الأقل سواء على مستوى السيناريو أو الإخراج، فإلى أي مدى استغفلتنا هوليوود، وكم كان ذلك متعمدًا.

لقد عملت الحكومة الأمريكية من وراء الستار في ما لا يقل عن 800 فيلم أمريكي و1000 مسلسل أمريكي. وفي البداية قلل الكثيرون من دور الـ CIA في السينما، ليتضح فيما بعد أنها حاضرة وبقوة، حتى في أفلام مثل Charlie Wilson’s War و Meet the Parents.

تدخل في مشاهد بعينها

قلنا أعلاه أن أمريكا تسعى للقول للناخب أننا ندمر العالم لأجلك، من أمثلة ذلك، في فيلم Transformers وفي المشهد الذي تعرضت فيه القوات الأمريكية إلى هجوم روبوتي، قام موظف مكتب البنتاغون فيل ستراب Phil Strub بإقحام جملة ‘Bring them home’ “أعدهم إلى الوطن” وذلك لإيصال رسالةٍ إلى الجندي الأمريكي أن الحكومة تهتم لأجله وعلى أرفع المستويات، علمًا أن العكس هو الحاصل. وفي البحث الذي أجراه الكاتبان، تبين لهما تدخل الوكالة وإعادتها كتابة أجزاء من سيناريوهات أفلام كبيرة مثل James Bond و Transformers وحتى في أفلام مارفل.

كذلك الأمر يسري على البرامج والمسلسلات التلفزيونية التي تتناول جانبًا عسكريًّا، أو مرتبطًا بالسياسة الأمريكية، وقد وصل ذلك حد التدخل في America’s Got Talent. ويتناول الكتاب المعنون بـ National Security Cinema عددًا من العروض السينمائية والتلفزيونية المدعومة أو المتأثرة بـ CIA ومنها James Bond و Thunderballو Patriot Games وغيرها من الأفلام الحديثة مثل Meet the Parents و Salt.

أجمل أفلام إنجريد بريجمان الجميلة السويدية التي اقتحمت أسوار هوليود

الرقابة العسكرية والاستخباراتية على هوليوود

في الأفلام التي يريد صانعيها التطرق إلى أمور عسكرية، يطلبون إذنًا بالوصول إلى بعض المعلومات في البنتاغون، أول ما يجب عليهم فعله هو الحصول على الموافقة على السيناريو من مكتب اتصال خاص بالترفيه، والكلمة العليا في هذا ستكون لرجل اسمه فيل ستراب، وهو مدير مكتب الاتصال بين هوليوود ووزارة الدفاع الأمريكية.

وإن كان هناك مشهد أو نص لم توافق عليه وزارة الدفاع، يُصار إلى تغييره بما يتوافق ومتطلباتها، وإن رفض القائمون على الفيلم ذلك، يُطلب منهم ببساطة الاستغناء عن الفكرة كليًّا. أما لضمان تعاون تام، يصبح على المنتج أن يوقع عقدًا ضمن ما يُسمى “اتفاقيات مساعدة الإنتاج” وهي اتفاقيات تُلزم المنتجين باستخدام سيناريوهات مُوافق عليها عسكريًّا. وبالطبع الأمر يصبح مثار جدل إن ارتجل الممثل من خارج النص.

حصل ذلك أثناء تصوير Iron Man في قاعدة إدواردز الجوية، فقد أراد المخرج جون فافريو أن تقول شخصيةٌ عسكرية على وشك الانتحار العبارة التالية: “People would kill themselves for the opportunities I have” أي الناس يستميتون للحصول على الفرص التي أملكها، وقد اعترض ستراب واصطدم كلاميًّا مع المخرج، وبالطبع لم تظهر الجملة في العرض النهائي. وتبرير ذلك أن أية مشهد ولو ارتجالي لشخصية عسكرية تكره الحياة أو تقدم على الانتحار، أمرٌ لن يتهاون البنتاغون إزاءه حتى ولو كان على سبيل الدعابة.

ويبدو ذلك مبررًا، في ظل الحرب على الإرهاب، العقيمة، التي تخوضها أمريكا، وحالات الانتحار التي تحدث بين صفوف جنودها في الخارج في ساحات القتال.

من الجمل الأخرى التي اعترض عليها مكتب وزارة الدفاع كانت في فيلم جيمس بوند Tomorrow Never Dies، فحين كان جيمس بوند على وشك القفز من طائرة النقل العسكرية الأمريكية أدركوا أنه سيسقط فوق المياه الإقليمية الفيتنامية، وكان سيقول العبارة التالية: “You know what will happen. It will be war, and maybe this time we’ll win” تعلمون ما الذي سيحدث، ستكون حربًا، وربما فزنا هذه المرة.

بالطبع، أُزيل السطر بناءً على طلب وزارة الدفاع الأمريكية. وما لا يُخفى على أحد كم هي الإشارة إلى حرب فيتنام تعد أمرًا محرجًا للسياسة الأمريكية، وطال حذف الإشارات إليها أفلاما مثل Hulk عام 2003، فقد جعلوا مدير المختبر الذي أشرف على إنتاج هالك عسكريًا سابقًا، وأصبح الاسم الحركي لهالك Angry Man بدلًا من Ranch Hand، والذي كان اسمًا لعملية قامت بها القوات الأمريكية فوق الأراضي الفيتنامية، عملت فيها على تسميم المحاصيل الزراعية وتحويل الأرض إلى قاحلة بالمبيدات الحشرية.

كما منعوا الإشارة إلى جمل من قبيل :”all those boys, guinea pigs, dying from radiation, and germ warfare، كل هؤلاء الصبية، خنازير غينيا، المحتضرين من الإشعاع وجراثيم الحرب” والتي فيها إشارة سافرة إلى التجارب العسكرية الخفية التي جرت على البشر.

من الأفلام التي لم تنل الدعم العسكري كان فيلم Countermeasures  الذي رُفض لأن ستراب رأى فيه إشارة إلى فضيحة إيران- كونترا، إذ وعلى حد قوله، لا حاجة لتذكير العامة بها. بالإضافة إلى أفلام مثل Fields of Fire و  Top Gun 2 لأنها لم تنل الموافقة العسكرية عليها، لأنها تناولت مواضيع محط جدلٍ سياسي.

طالت هذه الرقابة الناعمة العروض التلفزيونية حتى، فكثيرة هي العروض الأمريكية التلفزيونية التي لم ترَ النور بسبب عدم حصولها على دعم من هذا المكتب.

عقلية مروجة للحرب

رغم امتلاك الـ CIA للقليل من الأصول السينمائية، لكن لها دور يمكنها أن تمارسه على بعض الأعمال التي قبلت دعمها (أو رفضتها). لكن مدير مكتب الاتصال التابع للوكالة تشيس براندون Chase Brandon يمكنه أن يقحم نفسه في المراحل المبكرة من كتابة السيناريو للعديد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية.

كان تأثيره واضحًا في فيلم الإثارة The Recruit، حيث يُوضع فيه عميل جديد ضمن برنامجٍ تدريبي للـ CIA في المزرعة، وهي عربة يتم فيها إطلاع العميل الجديد على العالم من خلف الستار. كتب براندون المسودات الابتدائية للسيناريو  ومعالجة القصة، رغم أن ذكره في الفيلم جاء على أنه مستشار تقني للتغطية على تأثيره على المحتوى.

يتضمن The Recruit حوارات حول التهديدات الجديدة التي تواجهها أمريكا في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتضمن تدخل الـ CIA تبرير الميزانيات الكبيرة المصروفة للحماية من عمليات إرهابية مزعومة، بالإضافة إلى تفنيد الفكرة القائلة بانه كان بإمكان الـ CIA أن تمنع وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر، مع إعادة للعبارة الشهيرة “the CIA’s failures are known, but its successes are not” أي أن عثرات الـ CIA معروفة لكن نجاحاتها لا. وبالطبع كل ذلك لتكريس الوكالة كصوت للخير والعقلانية في عالمٍ فوضوي شرير.

خططت الـ CIA أيضًا للرقابة على سيناريوهات ومشاهد لم ترد للعامة أن يشاهدوها، ففي  Zero Dark Thirty عرض كاتب السيناريو مارك بول Mark Boal السيناريو على مكتب الـ CIA ، وقد أزال المكتب المشهد الذي يكون فيه احد عناصر الـ CIA الثملين يطلق النار على طائرة  AK-47 من أعلى أحد أسطح المباني في إسلام أباد، كما أزالت مشاهد الكلاب في التعذيب.

وفي الكوميديا الرومانسية  Meet the Parents حيث يعثر بأحد المشاهد بن ستيلر على مخبأ زوج أمه (روبرت دي نيرو) وفي النص الأساسي وعلى مقعد فيه يجد دليلًا مكتوبًا في التعذيب للـ CIA، فغير براندون المشهد إلى مجموعة من الصور لروبرت مع كبار الشخصيات.

فيلم تارنتينو الأخير ليس الأول ولا الأخير .. أفلام روت قصة هوليود مدينة الأفلام؟

ويعود تاريخ الـ CIA في الرقابة على السينما منذ تأسيسها، ففي الأربعينيات والخمسينيات منعت الـ CIA  الإشارة إليها أو ذكرها في العروض التلفزيونية أو السينمائية حتى عرض North by Northwest عام 19559. تضمن ذلك رفض الـ CIA طلبات دعم الإنتاج، ما يعني أن أفلامًا عدة لم ترَ النور.

منعت أيضًا الـ CIA الإشارة إلى وكالة الاستخبارات التي سبقتها OSS ضمن وثائقيات عدة، وذلك بوضعها يدها على شركات إنتاج متعددة، بالإضافة إلى سوق الاستديوهات الصغيرة التي كانت تحاول شق طريقها.

ولا يختلف الدور الذي تلعبه وكالة الأمن القومي عن الدور الذي تلعبه كلا من الـ CIA و DOD، وتظهر رسائل بريد إلكتروني داخلية في وكالة الأمن القومي أنه وأثناء تصوير Enemy of the State قام المنتجون بعدة جولات داخل مقرات وكالة الأمن القومي، والمشهد الملتقط لأحد مقراتها من الجو سمحت بإدراجه في الفيلم.

وفي مقابلة مع المنتج Jerry Bruckheimer قال أنه غير نص السيناريو المتعلق بأفعال خاطئة للوكالة ليصبح عبارة عن تصرفات لموظف فاسد في مكاتب الوكالة. بالطبع سيُشار إلى فاسد بشخصه لا إلى الوكالة عمومًا.

وفكرة إلقاء اللوم على شخص فاسد دون التطرق إلى الفساد المؤسساتي أو الممنهج، هي نهج خرج من أروقة الـ CIA وDOD.

في النهاية، هذه نظرة على جهاز دعائي عسكري يعمل عبر صناعة الترفيه في أمريكا، والظاهر من الأمر أن الرقابة ليست رسمية على الإطلاق، طالما التوقيع النهائي على السيناريو يأتي من المنتجين. لكنها بالطبع موجودة وضاغطة على ما يُعرض على الشاشات في هوليوود، والعالم.

وبالنسبة لمؤيدي استخدام الحروب الاستباقية الأمريكية خارج أمريكا، ينبغي النظر إلى هوليوود على أنها وسيلة للترويج لعقلية مؤيدة للحروب.

1

شاركنا رأيك حول "هوليوود.. أداة دعاية الحكومة الأمريكية الناعمة"