فيروز وسليم مصطفى
0

فن التمثيل هو واحد من أكثر الفنون صعوبة ومرونة في الوقت ذاته، حيث يتطلب من المؤدين تفهم طبيعة ما يقدمونه من تفاصيل خاصة بالشخصية وما تنطوي عليه من أبعاد نفسية واجتماعية ونفسية وشكلية وما إلى ذلك، لذلك يتطلب ذلك الفن مجهودًا شاقًا حتى يستطيع الممثل أن يتحد مع شخصياته ليقدمها على الجمهور بكل صدق وهو يعي تمام الوعي في اللاوعي عنده أنه يقدم شخصية مخالفة له، ولكن عليه أن يعايشها حتى تحقق المصداقية التي تعتبر أهم عنصر من عناصر وصول مراد العملية الإبداعية وما يحمله الفن من قضايا ومشكلات في شخصياته المطروحة على الجمهور.

ويمكن بعد هذه النظرة السريعة حول فن التمثيل الإدلاء بأنه لا بد من يقوم بفعل التمثيل يكون عاقلًا بالغًا راشدًا واعيًا بأهمية ما يقدمه حتى يتثنى له أن يذهب بشخصياته لقضايا ومشكلات تحتمل التعقيد أو التداخل في الأداء وفي طريقة الطرح، إذًا ماذا عن الأطفال في فن التمثيل؟ هل يعتبر وجودهم دخيلًا أم أن حضورهم يمثل جزءًا هامًا ومحوريًا لا يمكن الاستغناء عنه؟

وقبل الإجابة على هذا السؤال سنذهب عزيزي القارئ في لمحة سريعة عن آراء علماء النفس في أهمية ممارسة الفنون بشكل عام على الأطفال:

الأطفال في المجال الفني وآراء علماء النفس

الطفلة دينا عبد الله من فيلم أم العروسة

يقول الدكتور “إبراهيم عواطف في كتابه التربية النفسية الحركية في دور الحضانة” أن علماء التحليل النفسي يروا أن السنوات الأولى من حياة الطفل هي الدعامة الأساسية التي تقوم عليها حياته النفسية والاجتماعية بجميع مظاهرها إذ يدرك فيها الطفل فرديته وقدرته اللغوية، لذا فيجب تنمية قدرة الأطفال في السنوات الأولى عن طريق إتاحة فرص لهم في العمل بشكل تعاوني حتى يتمكنوا من تحمل المسؤولية ويعتبر المجال الفني والإبداعي هو أكثر المجالات رحابة أمام الطفل فهو مجال واسع وخصب يمكنهم من إنجاز احتياجاتهم.

لذا فوجود الأطفال داخل المجالات الفنية هو أمر ليس بمضر على حالته النفسية إذا توفرت لهم البيئة السليمة لتسهم في تنمية قدراتهم وتطور شخصياتهم.

الممثل شخص عادي بينما الطفل يجب أن يكون معجزة

الممثلة طفلة فيروز

نبدأ بالطفلة “فيروز” وهي واحدة من أشهر الأطفال الذين ظهروا على شاشة السينما في فترة الخمسينيات من القرن الماضي، قدمت أول أفلامها وهي في سن السابعة وهو فيلم الأول ياسمين الذي تم إنتاجه عام 1950، ومن ثم توالت أعمالها مع الممثل الراحل “أنور وجدي” وقدمت معه أفلام عديدة من أشهرها “فيروز هانم، دهب، عصافير الجنة واسماعيل يس للبيع” وغيرها من الأفلام التي جعلتها تحصل على لقب الطفلة المعجزة في ذلك الوقت كونها جمعت بين مواهب عدة كانت لم تظهر من قبلها على الشاشة من طفلة صغيرة في السن إلى هذا الحد، حيث إنها كانت قادرة على الرقص والغناء والتقليد والتمثيل، كما إنها تميزت بخفة ظلها وكانت هذه العناصر كافية للغاية لجعلها أيقونية إعجازية في زمنها.

الأطفال ومفارقة بين الشكل والمحتوى

الطفل الممثل أحمد فرحات 

وفي نفس الفترة ظهر على الساحة طفلًا صغير الحجم يدعى “أحمد فرحات” وكان لم يتجاوز هو الآخر نفس العمر التي كانت عليه فيروز، قدم فرحات أول أعماله بترشيح من  المخرج صلاح أبو سيف للقيام بدور طفل يتيم في فيلم مجرم في إجازة، ولكن يعتبر أشهر أعماله إلى الآن هو فيلم “سر طاقية الإخفاء”، وفيلم “إشاعة حب” كان ما يميز فرحات حينها هي قدرته على التقليد أيضًا وجلب الضحكات بسبب خفة ظله وتكوينه الجسماني الضئيل الذي ساهم في تكوين مفارقة كبيرة حين كان يتحدث كالكبار وهو في مظهره وسنه الصغير للغاية.

“اللماضة” سمة أساسية لأطفال السينما المصرية

الطفل الممثل سليمان الجندي

سليمان الجندي هو أحد أشهر أطفال السينما المصرية كان ظهوره الأول له وهو في السابعة من عمره في فيلم “الأسطى حسن” عام 1952، رسم الجندي بمجرد ظهوره على الشاشة شكلًا خاصًا ومميزًا للطفل حيث “اللماضة” وسرعة البديهة، القدرة على فعل أشياء لم يقدر عليها الكبار، خفة الظل وحسن التصرف في أصعب المواقف الشاقة، ثم توالى ظهوره على الشاشة لأعوام عديدة وظهر في فيلم حميدو، وجعلوني مجرما، النمرود و رصيف نمرة خمسة، شباب امرأة..

قولبة شكل الطفل على الشاشة

الطفل الممثل أحمد فرحات

يمكن القول إن فيروز وأحمد فرحات على وجه التحديد قد وضعوا حجر الأساس في فترة الخمسينيات لشروط ظهور الأطفال على شاشة السينما، فلا يمكن أن يظهر الطفل على الشاشة إلا إذا كانت تتوافر فيه مواهب مشتركة، ويكون قادرًا على مواكبة الحديث مع الكبار رغم صغر سنه، وعلى نفس النهج ظهرت الطفلة “إكرام عزو” بشخصية “زيزي” في فيلم عائلة زيزي عام 1963، ومن اللافت للنظر أن الفيلم يحمل اسم الطفلة كبطلة للفيلم وهذا مثل ما حدث مع فيروز في معظم أفلامها لذا ظهرت الطفلة بنفس الآلية التي أسستها فيروز من حيث الجدال في الحديث مع الكبار والتعليقات الساخرة من أفعالهم، حيث تشترك الطفلة في أفعال الكبار فتحقق الضحك لأنها صغيرة، وهذا هو المنوال الذي ظل قائمًا بل وجعل من الأطفال أبطالًا لعدة أعوام تالية على الساحة.

سوسن بداية تغير لم تكتمل 

الطفلة سوسن من فيلم ملاك وشيطان

وقبل عائلة زيزي سبقه فيلمًا آخر وهو “ملاك وشيطان” عام 1960 ظهرت فيه الطفلة “سوسن” بدور طفلة بريئة مخطوفة، وعلى الرغم من طبيعة الدور إلا أن مساحة دورها الكبيرة التي تعتبر بطولة مشتركة مع “رشدي أباظة” أتاحت لصناع الفيلم الفرصة في كتابة جمل حوارية لها توضح ذكاء ودهاء الأطفال، بل كانت حبكة العمل الرئيسية هي أن تغير هذه الطفلة البريئة قلب البطل الشرير في الفيلم، ولم يتم ذلك بالطبع إلا إذا تشاركت الطفلة في الحديث معه عن طريق الأخذ والرد ولكن في إطار هادئ بعيد إلى حد كبير عن الصورة التي قدمتها فيروز.

أم العروسة، الحفيد وعالم عيال عيال أفلام أبطالها الأطفال

أم العروسة، الحفيد وعالم عيال عيال

لم تغير سوسن من الأمر شيئًا حول تطور شكل الطفل على الشاشة وزاد حب وتعلق الجمهور بظهور الأطفال في الأعمال الفنية، حتى تم إنتاج أفلام أبطالها مجموعة من الأطفال معًا، من أهم هذه الأفلام “أم العروسة” الذي تم إنتاجه عام 1963، ظهر في هذا الفيلم مجموعة كبيرة من الأطفال من بينهم الطفل “سليمان الجندي”، والطفل “عاطف مكرم”، والطفلة “إيناس عبدالله” لم يتغير قالب ظهور الطفل على الشاشة من بين جميع ما تم رصده من الصفات المشتركة بين الأطفال السالف ذكرها، ولكن الإضافة الجديدة هي تشارك الأطفال معًا في حوارات متداخلة، فمن المتعارف عليه في مجال التمثيل السينمائي والتليفزيوني أن السيطرة على مواقع التصوير بشكل عام هو أمر شاق للغاية لما تتضمنه المواقع من أعداد غفيرة بين العمال والفنيين والممثلين وكل طاقم العمل وراء الكاميرا، إذًا فماذا يكون الوضع عند وجود مجموعة من الأطفال معًا في موقع واحد؟

فالسيطرة على طفل واحد داخل مكان تصوير به ممثلين كبار بالطبع أهون بكثير من وجود مجموعة مع بعضهم البعض، ولكن كان ذلك التواجد يحقق نجاحات كبيرة لذا فكانت مشقة العمل مع الطفل تهون بمجرد بلوغ النجاح وتحقيق الإيرادات.

الحفيد أيقونة طفولية حية حتى اليوم

 

أحد أطفال فيلم الحفيد

وعلى نفس النهج سار فيلم الحفيد الذي تم إنتاجه عام 1975 حيث كان أبطاله هم الأطفال (دينا عبد الله، ميرفت على وأحمد جمال) تم توظيف حوارات الأطفال وفقًا لما يتناسب مع طبيعة دراما الفيلم التي تتحدث عن الأطفال ومسؤولية التربية، وتنظيم الأسرة في شكل كوميدي لم يكن بدخيل على الإطلاق وكانت وما زالت أشهر الجمل في هذا الفيلم هي جملة الطفلة دينا عبد الله “حسين ما تطلق الست دي بقى وتريحنا” وجملة أحمد جمال “أبلة أحلام ولدت أبلة أحلام ولدت” وغيرها من الجمل التي ما زلنا نستخدمها حتى اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي.

“إمبراطورية م” مجرد لتغيير شكل الطفل على الشاشة

فيلم امبراطورية م

ظهر في فيلم “إمبراطورية م” عام 1972 الطفل أسامة أبو الفتوح، كأصغر أبناء “منى” التي قدمت دورها “فاتن حمامة”، مزج شكل الطفل في هذا الفيلم بين “الشقاوة” و”العقل” كأفعال مبررة لسنه وفي الوقت ذاته عقل رزين ومناقشات متأنية مع الأم والأخوة، أي جمع بين نموذج الطفل الشقي والطفل العاقل ولكن بطرق مبررة لم يكن الهدف من ورائها تحقيق الضحك، بل إن مزيج الشخصية ظهر فيما يتناسب مع دراما الفيلم وما يعانيه الأبناء من عدم تفهم الأم لاحتياجاتهم واختلاف الزمن فيما بينهما.

ولكن لم يستمر هذا النموذج طويلًا ومن جديد عدنا لنموذج الطفل المفطور على الشقاوة.

عالم عيال عيال الطفل المخادع المتحكم في العلاقات

فيلم عالم عيال عيال

قدم فيلم عالم عيال عيال عام 1976 قضية كوميدية تدور حول رجل وامرأة تربطهما علاقة عاطفية ولكن يقف عدد أطفال كل منهما سدًا منيعًا لإتمام زواجهما، يظهر في هذا الفيلم أكثر من 15 طفلًا وطفلة وما زالت الصورة الخاصة بالشقاوة وفرط الحركة والتشارك في أحداث الكبار كما هي ولكن يضاف إليها “المقالب” حيث يقوم الأطفال بعمل مقالب في بعضهم البعض لعدم إتمام هذه الزيجة ليكون هؤلاء الأطفال هم المتحكمون في مصير الأبطال “الكبار”.

ونظرًا لكثرة الأطفال في هذا الفيلم وانقسام الجبهات بين طرفي صراع حقق الفيلم الموازنة المطلوبة والكوميديا المطلوبة أيضًا.

فيلم العفاريت ومسلسل أولاد الشوارع طريق الدخول لعالم مختلف في حياة الأطفال

فيلم العفاريت

تطرق فيلم العفاريت عام 1990 لعالم مغاير لما اعتدنا الرؤية عن الأطفال وهو عالم “أولاد الشوارع” وطرق التعامل مع الطفل كوسيلة للكسب غير المشروع واستغلال براءته في تجارة دنيئة وطل في هذا الفيلم الطفلتان “هديل خير الله، وسماح عاطف” في دوري “بلية ولوزة” ومن بعده تطرق مسلسل أولاد الشوارع بطولة “حنان ترك” لهذه القضية أيضًا وسلط الضوء على معاناة هؤلاء الأطفال، لكنها كانت محاولات غير مجدية وعلى الجانب الآخر ظل الطفل ينمو في قالبه.

ريم أحمد ومنة عرفة وامتداد القالب 

ريم أحمد ومنة عرفة

كما هو الحال في تقديم “ماهر عصام” عام 1987 في فيلم النمر والأنثى دور الطفل النبيه صاحب الدم الخفيف ومن بعده ظهرت ريم أحمد في دور “هدى” في مسلسل يوميات ونيس الجزء الأول عام 1994، وتعتبر شخصية هدى هي واحدة من أشهر أدوار الأطفال على الشاشة نظرًا لاستمرارية تقديم المسلسل وظهرت شخصية هدى في المسلسل كطفلة حتى عام 1998، وكانت أهم أسباب نجاح ريم في دورها هو التكوين الجسماني الذي سبق وأسس له أحمد فرحات من حيث ضآلة الحجم والتشارك في أحاديث الكبار بخفة ظل ونباهة، وسارت على نفس النهج “منة عرفة” في راجل وست ستات الجزء الأول، عام 2007، في دور الطفلة “ياسمين”.

ليلى وملك أحمد زاهر إعداد معاصر لشقاوة زمان

 

ملك وليلى أحمد زاهر

في عام 2008 ظهرت كل من “ليلى وملك أحمد زاهر” وهم أبناء الممثل “أحمد زاهر” في أدوار صغيرة كطالبات في المدرسة في فيلم “كابتن هيما” مع تامر حسني، ثم تكرر ظهورهما بعدها بعام واحد في فيلم “عمر وسلمى 2″، ومن بعده “عمر وسلمى 3” عام 2013 مع النجم نفسه، لم يتغير شيء من حيث مضمون شروط ظهور الطفل على الشاشة، كل ما هنالك هو أن قضايا العصر تطورت بحكم الزمن وبالتالي تطور مضمون الجمل الحوارية التي كانت تُكتب للأطفال، وظهرت الطفلتان وهما تتحدثان عن العلاقات الإنسانية والعاطفية بشكل لا يخرج من قالب “الطفل السابق لسنه” القادر على مشاركة الكبار في الحديث وحل أزمة الأبطال الكبار ولكن بلغة عصرهم الآني.

نموذج الطفل في 2021 وقضايا شائكة أبرزها التنمر واليُتم

الطفلة ريم عبد القادر

وبعد العديد من السنوات في قوالب لا حصر لها للأطفال ظهرت الطفلة “ريم عبد القادر” بدور “عطيات/ تيتو” بمسلسل “خلي بالك من زيزي” حملت شخصية هذه الطفلة جوانب عدة في شخصيتها بين البراءة والطفولة والشقاوة والمعاناة، كُتبت تفاصيل شخصيتها بعناية كاملة لتكون انعكاسًا لشخصية البطلة “زيزي” التي قدمتها أمينة خليل، كونهما كانتا تعانيان من مرض “فرط النشاط/ ADHD” أي ظهرت طفلة بملامح هادئة وبريئة لكنها اختلفت وتطورت كثيرًا عن جميع النماذج السالف ذكرها، وأصبح الطفل من خلالها يعكس جانبًا آخر من جوانب الطفولة مثل المرض وتعرضه للتنمر، وطرق مواجهة مثل هذه المشكلات من قَبل الأسرة، حملت شخصية الطفلة معاناة جادة، فلم تقتصر على الكبار فقط بل شاركت فيها الأطفال أيضًا.

وهنا إذا ساع القول يمكن أن نصف تجربة كتابة ورسم ملامح شخصية الطفلة تيتو هي أولى البدايات الجادة الحقيقية لكسر نمط الطفل الذي طالما ظهر وتكرر على الشاشة، فبظهورها بدأ الطفل يعبر عن آلامه وآماله ولم يقتصر حق التعبير على الكبار فقط.

اليُتم أكثر واقعية مما كان عليه قديمًا

الطفل سليم مصطفى

ظهر في هذا العام أيضًا الطفل “سليم مصطفى” في دور الطفل “يونس” في مسلسل ليه لاء الجزء الثاني، قدم سليم شخصية الطفل اليتيم في شكل لم يسبق تقديمه من قبل، حيث لم يسبق ويناقش عمل قضية “كفالة الأطفال من دور الأيتام” بهذا التفصيل والتأني، مما أعطى براحًا لبزوغ شخصية الطفل والولوج إلى مشاعره وأحاسيسه الخاصة، فلم يكن الطفل هو مجرد فاقد للأب وتأتي له من تنقذه من دار الأيتام لترعاه، بل هو حالة عامة وسط العديد من الحالات التي تسببت في التعرف على طرق تربية الأطفال في دور الأيتام والإجراءات والشروط اللازمة للحصول على موافقة لطلب الكفالة، أي شخصية مفتاحية هامة فتحت مجالًا واسعًا للتعرف على عالم جديد لم تتطرق إليه الدراما من قبل.

ومن جهة أخرى فهو يعاني ويفرح ويتعرض للتنمر وكأنه حامل على عاتقه قضايا عصره بكافة تفاصيلها، ليس فقط مجرد طفل موجود بالعمل للتخفيف من وطأة الأحداث ولا لإعطاء رسالة من العمل برعاية الأيتام ولا تم المجيء به لتحقيق الضحك على خفة ظله، بل تم رسم الشخصية لتنقل وتعبر عن حال يعيشه أطفال كثيرون، ليسلط عليهم الضوء كمشكلات الكبار التي تعودنا دائمًا أن يتسلط عليها الضوء وتكتب لها السيناريوهات التي تعبر عنها.

0

شاركنا رأيك حول "تحول نموذج الطفل على الشاشة من “المعجزة” إلى الحامل لقضايا عصره"