سميرة سعيد في لوك أغنية قط وفار وسوبرمان
0

الغنوة خير مؤنس لمَن يصادقها، وهي أينما وجد طرب ما لبثت أن تتوحد معه؛ شرط اتسامه بالقوة، تارة تتشكك في مشاعرها ولكنها سرعان ما تحسم الأمر، أنت تعيش مع حالتها ومن ثم تنقل لك الخصيصة المسحورة برباط العزة؛ ترفض الذل والخضوع حتى في قمة احتياجك للحبيب.. إنها الديفا سميرة سعيد.

شدت المطربة المغربية الكبيرة والحاصلة على الجنسية المصرية، للحب والسلام والوطن والرب، تنوعت أعمالها منذ وطأت قدماها عالم الفن منذ السبعينيات وحتى الألفينات، لا أحد ينكر قدرتها على تغيير جلدها في كل عمل فني تقدمه؛ سواء كان طرحه على طريقة الفيديو كليب أو مكتفية بصدور الأغنية برفقة “بوستر” ملصق دعائي خاص بها؛ يرسل بشائر العمل الجديد ويفك شيفرة المرأة التي تقدمها من خلاله.

هذا الصوت الحر الذي حمل كل أحاسيس العذاب والحنين في واحدة من أشهر وأنجح أغانِ الثمانينيات “قال جاني بعد يومين”؛ مغردًا بـ “أوصيك بالصبر يا قلبي، ده غرامه طلع أوهام”، لم يترك نبراته ترضى بسكون الحيز المظلم الضعيف المتمثل في شطره الأول، ولكنه حرص على غناء حكايات أخرى متطورة؛ فيما يتوافق مع معايشة العقد الثاني من الألفية الثالثة، تتوغل فيما تحمله معاني نصفه الثاني وما اعتمدته المرأة المتمردة؛ ووصفه البعض أحيانًا بـ “المغالاة” في حق الرجال.

ثقة الأنثى في “قط وفار”

أحدثهم جاء مساء الخميس الماضي معنونًا بـ “قط وفار“، الأغنية العربية الجديدة التي أذيعت لأول مرة أثناء بث أولى حفلات الديفا الرقمية من خلال حسابها الرسمي على تطبيق “تيك توك”، وكانت شوقت جمهورها ليلة الحفل بطرح البوستر التشويقي ذات اللون الأحمر، الذي حمل مدلولًا صريحًا على التمرد والاختلاف.

حفلة سميرة سعيد على تيك توك
لقطة من حفل النجمة سميرة سعيد على “تيك توك”

ظهرت “سميرة” في بوستر “قط وفار” بـ “لوك” مشاغبِ، يتسم بالحيوية والغضب، يخيم اللون الأحمر بدرجات مختلفة على الخلفية، والـ “تي شيرت”، ونظارة شمس، مقتطعًا بحيز أسود يملؤه الشعر الكيرلي الحر المتطاير، عصي الثبات والخنوع، متناغم مع إيقاع الموسيقى التي لحنها إيهاب عبد الواحد ووزعها النابلسي.

الملصق الدعائي لأغنية سميرة سعيد الجديدة قط وفار

ماذا تفعل المرأة التي يستغفلها شريكها وتصطدم بغزله أو علاقته الغرامية مع أخرى؟ من المعتاد أن تصمت وترضى أو تهرب وتبكي إلا أن الديفا وجدت في هذا الأسلوب سذاجة بحسب ما طربت بكلمات الشاعر عبد الحميد الحباك وقالت: “أكنش أنا ساذجة بصدق الحوارات”؛ ضاربة بالمثالية عرض الحائط، في سبيل “قالبنها كل الدنيا عليه” في نهاية علاقة تجزم أنه من البداية “ماكنش ما بيننا عمار”.

“سيادته” و”نايمة ننة” و”هبلة” و”عميا” و”أدوس عليه”.. هذه لم تعد المرة الأولى التي تلجأ فيها “سعيد” لغناء مرادفات دارجة في اللهجة العامية المصرية، ولكننا مثل المعتاد نتفاجأ بعبارات مختلفة وغير المستصاغة من قبل بين الأغاني العربية الصادرة حديثًا لمطربين عرب أو مصريين، واصفة نموذج حي للمرأة المتمردة والمشاكسة للرجل، قد يكون غائبًا عن المشهد الغنائي العربي ولكنه حاضرًا بقوة في المجتمعات.

أقرأ أيضًا: أشهر أغاني غربية مقتبسة أو مسروقة من ألحان عربية والعكس

المرأة المهمشة في “سوبرمان

سبق وطرحت “سوبرمان” منذ عامين، بشكل مغاير عن نمط أعمالها السابقة، والذي صدم البعض آنذاك، بسبب جرأة الكلمات التي كتبها الشاعر شادي نور مثل “بقى ندل قوي وطماع وبخيل” و”كرشه قصاده شبرين”، والاستايل “المجنون” إن جاز التعبير، ذات التسريحة الغريبة للشعر الأصفر والوشم الذي يزين الجزء العلوي من جسدها، الذي اختارته الديفا للتعبير عن الحالة أو النموذج المتمرد في هذه الحالة.

وبطبيعة نمط اختياراتها المختلفة وغير المتوقعة، اتجهت لنوع مُهمش من المرأة، ربما نصادفها كثيرًا في أي من المشاهد السينمائية أو الدرامية لكنها تتوه دومًا بين قصائد الغزل الذي يحل في بداية العلاقة الغرامية وعتاب الفراق الذي يصادف النهايات وبات الأكثر انتشارًا بين الأغاني الدرامية.

بوستر أغنية سوبرمان للمطربة المغربية سميرة سعيد

درجات اللون البني السائد في البوستر، يعكس حالة الدفء المنقوصة للسيدة المحبة والمخلصة لحياتها وبيتها، التي تتمرد على واقعها وتشكو حالها وترفض انفصالها وتسخر من ذاتها “شوفتوا المأساة شوفتوا الإفية”، تمتلك قدرًا لا بأس به من القوة تجعلها لا ترضى بالواقع الذليل، مطالبة بـ أبسط حقوقها في العيش بقدر من المشاركة والاهتمام.

لا تخفي شكواها بل تبوح وتعترف وتسأل وتستشير وتوصف “ياما لاموني وقالولي وزنوا عليا كتير”، في وضع السكون ما قبل الصراخ في وجه حبيبها؛ منتقدة ما كان يظهره وكأنه “سوبرمان” الجنتل والوسيم “يقول شبيك لبيك”، لما وصل إليه بعد زيادة المسؤوليات في حياته.

ولكنها لا تتركنا إلا وصوتها يؤكد بحزم منتقل بين طبقاته، على نهج الأغنية التي وزعها هاني يعقوب، بأنه “طول ما الراجل عارف العصفورة مش هتطير”، ثم تعلو نبراته تدريجيًا بأنه “هيفضل يعاملها بلا مبالاة”، في صحوة محذرة، مندمجة مع ألحان بلال سرور.

الفنانة والمجتمع في “ماحصلش حاجة”

كثير ما تشاركنا سميرة سعيد الأغنية وكأنها مونولوج، يحكي التجربة من خلال رؤية ذاتية خاصة، تشاطر العامة بشخصية عنيدة ومشاعر قوية وقرارات صارمة لا رجعة فيها. هذا لم يعد وليد اللحظة، نحن اعتدنا الانتقال التدريجي التلقائي لمختلف نماذج المرأة المتمردة على مر الأزمنة بالتزامن مع نضوجها الفني، وبالتوازي مع حضور عدة عوامل مغايرة أخرى منها تطور وضع المرأة الطبيعي في المجتمع والمتأثر بحضارات وثورات وعوالم معاصرة.

الديفا تكره التكرار وتدرك جيدًا أن شرط استمرار النجاح أو البقاء هو التجديد، والتمسك بروح الشباب الذي يعشق المغامرة ويهوى المخاطرة، حتى وإن جاء ذلك على شكل القالب الموسيقي الكلاسيكي الذي قدمته من قبل خلال رحلة طرب تتخطى 50 عامًا.

لا يمكن أن تنسى قوتها وهي تتغنى “تخلص حكاية” في تسعينيات القرن الماضي بكلمات الشاعر عماد حسن، وتقول ” مش ممكن أرضى بالعذاب مش ممكن أرضى بالهوان”، هذا الصمود الذي انتقل معها بألوان غنائية جديدة تناسب الإيقاع السريع في المزيكا خلال الـ 5 أعوام الأخيرة.

ومع نضوج الديفا والانتقال من مراحل غناء الشابة المحبة الغيورة للمرأة العاشقة والمتمردة، بدأت الأغاني تكشف عن خفة الظل التي تتمتع بها سميرة سعيد، والتي تجعلك تستغرب حالة السعادة التي تشعر بها على الرغم من استماعك لأغانِ تحمل قدرًا لا بأس به من الوجع أو الحنين، وأبرز هذه الأمثلة “ماحصلش حاجة” التي طرحتها على طريقة الفيديو كليب في عام 2016.

“أنا آسية ولا ده كله من كتر الأسية؟” تتوالى تساؤلات الديفا في هذه الأغنية التي كتبها شادي نور ولحنها بلال سرور أيضًا، وكأنها تصف الفترة الانتقالية التي تحمل مزيدًا من مشاعر الضيق والتردد وتوبيخ النفس على ما قدمه للطرف الآخر وما آلت إليه الأوضاع، وعلى الرغم من طغيان المشاعر المتناقضة إلا أنها سرعان ما تعود لثقتها بنفسها عقب تذكر مواقفها الأخيرة، لتعود لقرارها بالانفصال وهي “مرتاحة وسعيدة.. تبدأ حياتها بشنطة شخصيات جديدة”.

ظهور سميرة سعيد خلال مشاهد الفيديو الكليب الذي أخرجته اللبنانية إنجي جمال، وهي تؤدي بعض الاستعراضات الراقصة بحسب ظهورها بصورة نجمة لها جمهورها ولا تخشى فضائح الشهرة في سبيل حريتها، كان له دورًا حيويًا في إبراز الفكرة وتعزيز مرحلة السعادة التي وجدها نموذج المرأة المتمردة على مشاعرها وأحكام مجتمعها في هذه المرة.

تحدي الفراق في “أيوة اتغيرت”
بوستر سميرة سعيد لأغنية عايزة أعيش

تعاونت مع كبار الشعراء والملحنين والموزعين، وبالنظر إلى كلمات الأغاني التي طرحت قبل الأعمال الفنية السابق ذِكرها، يصادفنا في معظمهن تمرد القول في صيغة الشكوى المغناة بأعمال الديفا؛ من خلال الاعتراض على الحال، دون إبداء ردة فعل عنيف أو حاسم تجاه الطرف الآخر، كما هو الوضع في أغنيتي “إنسانة مسؤولة” و”أيوة اتغيرت” التي كتبها الشاعر عصام حسني وطرحتا لأول مرة ضمن ألبوم “عايزة أعيش” في عام 2015، والذي يضم أغنية “ماحصلش حاجة” أيضًا.

“أيوة اتغيرت” تقدم نموذجًا آخر للمرأة المتمردة على مشاعرها، تلك التي تتسم بالشجاعة والقوة لكنها تبحث عما يدفعها لذلك؛ مرارة الألم التي ترغمها على ألا تعود وشرارة الانطلاق التي تحسم الأمر، وتجعلها تتعجب وتستنكر “من إمتى عملت حساب زعلي أو همك خوفي؟”. لا نعرف كيف انتهت الحكاية بعد، ولكننا ندرك أن هناك ضغط لم يعد تتحمله هذه المرأة بعد وهي تشدو على ألحان شريف إسماعيل: “أرجع مرجعش.. دي ترجع لي.. أنا بقى وظروفي”.

دعنا نقل إن الجرأة.. المرح.. الطموح.. الجمال.. الأناقة.. الثقة بالنفس.. القوة.. الابتكار.. كلها سمات ساهمت في توهج وتألق سميرة سعيد على مستوى الوطن العربي خلال السنوات الماضية، جعلتها نجمة معاصرة ومتجددة لا تنطفئ منذ زمن شرائط الكاسيت، تتجاوز بذكائها كافة العقبات الفنية التي واجهت الكثير من مطربي التسعينيات في عصر الفيديو والسوشيال ميديا، مؤكدة أنه حتى ولو شابت كل الوسائط؛ الديفا أنثى غير مستسلمة وفنانة عربية لا تكبر أبدًا!

0

شاركنا رأيك حول "بعد أغنية قط وفار: كيف قدمت سميرة سعيد المرأة المتمردة خلال 5 أعوام؟"