0

تظل أحداث الحادي عشر من سبتمبر محفورة في ذاكرة العالم كله رغم مرور عشرون عامًا عليها. ذلك لأن تأثير تلك التفجيرات المفاجئة أكبر بكثير من التغيرات المؤقتة التي حدثت وقتها، من خسائر اقتصادية مهولة في أسواق الأسهم، ومشاكل صحية نتجت عن التلوث الصادر، وتوتر العلاقات السياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية والمنطقة العربية.

ويكمن التأثير الأكبر الذي خلفته تلك الأحداث في نفوس الناس، وبالتحديد الأمريكيين وثقافتهم وطريقة تعاملهم مع الحياة ومعتقداتهم. وظهر ذلك بوضوح في حياتهم اليومية بداية من التفاتهم لعائلاتهم وسعيهم لقضاء أكبر وقت ممكن معهم، وإقبالهم على الكنائس أكثر من ذي قبل، وارتفاع الحس الوطني لديهم، كما زادت أيضًا معدلات الاضطرابات النفسية بين الأفراد خاصة القلق.

أعمال تم منعها

انعكس الأمر على الفن من الأفلام والعروض التليفزيونية وحتى الأغاني بشكل واسع وبطرق مختلفة. أولًا، تعرضت بعض الأعمال للمنع أو الإيقاف أو الإلغاء. حيث أصدرت شركة كلير تشانل التي تملك أكبر عدد محطات إذاعية في الولايات المتحدة مذكرة تشمل 165 أغنية لمختلف الفنانين والفرق يُمنع تشغيلها، أشهرهم “Highway to Hell” و”TNT” لفريق AC/DC.

AC/DC TNT

من منطلق أن تلك الأغاني ليست ملائمة للفترة الحالية وقد لا يرغب المواطنون الأمريكيون بسماعها، لما تتضمنه كلماتها ومعانيها من الحديث عن العنف والدمار والنهاية والموت والتفجير والطائرات. وأيضًا ضمت القائمة عددًا من الأغاني الهادئة والسعيدة مثل “What a Wonderful World” للويس أرمسترونج، لأنها ليست نوع الموسيقى المناسب للاستماع له بعد الكوارث.

ويأتي على رأس قائمة الأفلام التي تم إلغاؤها الجزء الثاني من فيلم “Forrest Gump” الذي كان مخططًا له، لكن طاقم العمل من إيريك روث وروبرت زيميكس وتوم هانكس رأى أن القصة لن تكون واقعية بالنسبة لما يجري بالفعل. كما قرر جيمس كاميرون إلغاء مشروعه للجزء الثاني من فيلم “True Lies” قائلًا إنه لا يمكن أن نضع الإرهاب في سياق التسلية مرة أخرى.

الأغرب كان فيلمًا لجاكي شان يدعى “Nosebleed” عن رجل يعمل بتنظيف نوافذ مركز التجارة العالمي الذي تم تفجيره، ويتمكن من إحباط مخطط إرهابي! كان المقرر البدء في تصويره أيام الحادث الذي حكم عليه باستحالة إنتاجه، خصوصًا بما حملته الأقاويل عن السيناريو ومحتواه وارتباطه بالأحداث، ورغم محاولات تغيير الحبكة وإبعادها عن البرجين.

جاكي شان

بالانتقال إلى التليفزيون، تم تأجيل بداية موسم 2001-2002 التليفزيوني بالكثير من المسلسلات وإيقاف بعض البرامج الترفيهية الحوارية، لسيطرة برامج الأخبار على شاشات المنازل واهتمام الناس، واحترامًا لحساسية للموقف والتفكير في كيفية احتوائه بطريقة مناسبة، ويعتبر هذا التأثير من أقوى ثلاث ظروف واجهت شبكات التليفزيون الأمريكي في تاريخهم.

كما تم حذف أجزاء من بعض العروض التي صدرت قبل الحادث، مثل مسلسل ذا سيمبسونز الذي حذف منه حلقة تدور أحداثها في أبراج التجارة، ومشهد تدمير هومر سيمبسون وابنه بارت لكنيسة باستخدام صاروخ في حلقة أخرى. وأيضًا مشاهد أخرى من برنامج الرسوم المتحركة “Family Guy”، تُظهر أسامة بن لادن الذي أعلن عن مسؤوليته عن التفجيرات وهو يقوم بخداع أمن المطار وتهريب الأسلحة.

family guy

أعمال تم تعديلها

ثانيًا، كان التعديل مصير العديد الأعمال الفنية التي تم إصدارها بالفعل أو في مرحلة الإنتاج، سواء من ناحية القصة وتضمنها أحداث مشابهة أو بسبب الظهور المرئي للبرجين، من أجل وضع الأفلام في السياق الصحيح واحترامًا لعائلات الضحايا. أولهم الجزء الأول من سلسلة سبايدر مان من بطولة توبي ماجواير، حيث تم سحب وتعديل وإعادة طرح إعلان الفيلم والبوستر بسبب ظهور البرجين فيهما.

كما تم تعديل الجزء الثاني لفيلم “Men in Black” بنقل مكان الأحداث إلى تمثال الحرية عوضًا عن البرجين. بالإضافة إلى العديد من الأفلام التي تم تعديلها بإزالة الظهور المجرد للبرجين ولو في الخلفية، على سبيل المثال:  “Zoolander”، “Stuart Little 2″، “Home Alone 2″، “King Kong”، “Léon: The Professional” وغيرهم.

Men in black

بالنسبة للعروض التليفزيونية، في نهاية الحلقة الأولى من الموسم الثامن لمسلسل Friends، وضعوا جملة “إهداء لسكان مدينة نيويورك”، وبعد حلقتين كان يوجد مزحة بخصوص تفجير مطار، اضطروا لتغييرها في السيناريو وإعادة التصوير. وتم إزالة لقطة لبرجي التجارة من تتر البداية للمواسم الثلاث الأولى من مسلسل “The Sopranos”.

أعمال ظلت كما هي

ثالثًا، على الرغم من الاتجاه العام لتفادي عرض أي مشاهد متعلقة بالواقعة، هنالك بعض الأفلام التي تمثل قلة قررت الاحتفاظ بمحتواها كما هو وعدم تعديله أو الحذف منه. مثل فيلم “Donnie Darko” الذي قرر الإبقاء على جزئية الطائرة التي سقطت من السماء، رغم صدوره بعد شهر واحد من الحادث الإرهابي.
وقرر المخرج كاميرون كرو ألا يمحي اللقطات التي تحتوي على المبنيين في فيلمه “Vanilla Sky”، على عكس رغبة المنتجين في إزالتها. وفي فيلم “A.I.: Artificial Intelligence” الذي صدر قبلها بثلاثة شهور، قرر صانعوه عدم تعديل تصورهم لمركز التجارة مدمرًا للغاية وغارقًا في الماء في المستقبل البعيد.

donnie darko

وكان مقررًا لحفل جوائز العروض التليفزيونية “البرايم تايم إيمي” أن يقام بعد الأحداث بخمسة أيام فقط، لكن تم تأجيله مرتين وتغيير مكانه إلى مسرح أصغر ليقام في النهاية تحت سيادة الأجواء الحزينة. ونتيجة لما حدث له وغيره من الاحتفاليات، ثارت الشائعات حول تأجيل أو إلغاء حفل توزيع جوائز الأوسكار السنوي، لكن رئيس الأكاديمية وقتها نفى هذا الكلام قائلًا إن الإلغاء سوف يكون انتصارًا للإرهابيين، وبالفعل قام الحفل بنكهة كئيبة في موعده تحت حراسة أمنية مشددة.

أعمال ركزت على الأحداث

وأخيرًا، تأتي الأعمال التي تشير إلى الواقعة بشكل رئيسي وتعرض تأثيرها الاجتماعي، أو مجرد ذكرها بدون التطرق إليها، ويمكن أن نعتبرها أثرى من الفئات السابقة وفي الغالب أحدث. كما حرص الأمريكيون على إبراز عنصر الوطنية والفخر في أغلب أفلامهم للرفع من الروح المعنوية للشعب، بأبسط التفاصيل مثل إضافة لقطة لسبايدر مان واقفًا على ساري علم كبير للولايات المتحدة.

spiderman

وبين الوثائقيات والأفلام الروائية والمسلسلات، تشمل هذه الفئة عشرات الأعمال. من أشهرها فيلم “September 11” الذي صدر عام 2002 بتعاون دولي واسع مشترك بين دول: البوسنة وبوركينا فاسو ومصر وفرنسا والهند وإيران وإسرائيل واليابان والمكسيك وبريطانيا والولايات المتحدة، بمشاركة مخرجين مشهورين أمثال يوسف شاهين وأليخاندرو إيناريتو وشون بن.

أما عن الولايات المتحدة بمفردها فقد أصدرت العديد من الأفلام الوثائقية التي تتناول أحداث الحادي عشر من سبتمبر من زوايا مختلفة، أغلبها يركز على فترة ما بعد الحادثة والتغيرات التي طرأت على المناخ والشخصية الأمريكية. كما يتوافق أيضًا هذا التركيز مع رؤية صانعي الأفلام الروائية التي شارك بها فنانين كبار مثل “25th Hour” من بطولة إدوارد نورتون و”American Sniper” من إخراج كلينت إيستوود.

فيلم 25th hour

ولم يكن هذا الموضوع حكرًا على هوليوود فقط، حيث اهتم صناع الأفلام من جميع أنحاء العالم بإصدار أعمال تطرح هذا الحدث والفترة التالية له ووجهة نظرهم فيها. وقد يكون أقربهم لنا هو الفيلم المصري “معلش أحنا بنتبهدل” للفنان أحمد آدم، الذي تدور أحداثه بالتزامن مع هجوم 11 سبتمبر وينتقد الولايات المتحدة وممارساتها وعلاقتها بالإرهاب في إطار ساخر. أو مثل الفيلم الهندي “My Name Is Khan” من بطولة النجم شاروخان، حيث يصور حياة المسلميين في الولايات الأمريكية قبل وبعد الواقعة.

فيلم معلش احنا بنتبهدل

بالطبع لم نستطع الحصر الشامل لتأثير أحداث الحادي عشر من سبتمبر على السينما والتليفزيون لأن القائمة تطول للغاية ومستمرة في الزيادة، لدرجة جعلت بعض المؤمنين بنظريات المؤامرة يعتقدون بأن الحادثة مدبرة وقد تم التخطيط لها من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصًا مع اللقطات المتنوعة التي أُخذت من الموقع الحقيقي وقت الهجوم والتفاصيل التي تُكشف بالتدريج.

في النهاية، ما لا جدال فيه أن تلك الأحداث قد تركت تأثيرًا عميقًا لا يمكن إنكاره أو تجاهله في الفن وجميع جوانب الحياة بشكل عام، وهذا الأمر منطقي لأنه يمثل انعكاسًا للواقع والتغيرات التي حدثت به منذ وقتها في الولايات المتحدة وجميع دول العالم.

0

شاركنا رأيك حول "بين الإلغاء والتعديل والمواجهة.. كيف تأثرت السينما والتليفزيون بأحداث الحادي عشر من سبتمبر؟"