فن المقامات.. من فنون الأدب العربي المنسية

0

فن المقامات

عرف العرب منذ القدم فن الأدب على مختلف أنواعها من ألقاء الشعر وقص القصص، وكان لمجلسهم النصيب الأكبر منه، ففى كان يلقى البعض الشعر أو الحكايات، والبعض الآخر يسعد لسماع هذه الفنون من الأدب، وخاصة أنها تختصر شكل الحياة عندهم من عادات وتقاليد ومعتقدات فى فترة وجيزة من الزمان، هى فترة الإلقاء.

ويعد فن”المقامات”من أهم الفنون الأدبية التى لم تأخذ حقها مثل باقى الفنون .. فهى قصة قصيرة تكتب بلغة إيقاعية، مطعمة بالشعر، يحكيها راوٍ_دائما آفاق_ من صنع خيال الكاتب، أما عن الشخصيات الثانوية فهى محدودة، وتدور على حدث واحد، فى زمن محدود، ومنطقة واحدة، هدفها نقد العادات والتقاليد السيئة والشخصيات السلبية فى المجتمع.

المقامات مفردها مقامة  – المقامة فى المعجم الوسيط: الجماعة من الناس، المجلس، الخطبة أو العظة، وقصة مسجوعة تشتمل على عظة أو ملحة، كان الأدباء يظهرون فيها براعتهم.

 

ويمتاز فن المقامات بـ ..

الراوى: هو من يحكى المقامة، وهو شخصية ثابتة فى كل مقامة عند كل كاتب، ودائما يننتمى _الراوى_للطبقة الاجتماعية المتوسطة.

البطل: من تدور حوله المقامة، دائما يكون الكاتب.

النكتة: هى الهدف الذى تدور حوله المقامة، فهى تسعى لتوضيح موضوعات مختلفة بشكل فكاهى.

متى بدأ فن المقامات؟

لقد بدأ فن”المقامات”فى القرن الرابع عشر الهجرى على يد”بديع الزمان الهمذانى”، بهدف رصد الإنحطاط فى الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولكن بشكل ساخر حتى يقلل من هموم الناس.

اشهر أدباء فن المقامات

بديع الزمان الهمزاني

 

أبو الفضل أحمد بن يحيى بن سعيد الهمذانى، المولود فى”همذان”سنة 358ه، ولقد امتازت مقاماته بتقديم صورة شاملة لواقع البيئة التى كان يعيش فيها، فأحيانا ينقد سلبيات المجتمع، أو يمدح الملوك، أو يرصد الفقر الذى كان منتشر فى عهده.

أما أشهر مقاماته فهما”المقامة المضیریة، المقامة البشریة”، أما المقامة المضیریة فتظهر فیها براعته فى الوصف ودقة التصویر، بالإضافة إلى السخر وخفة الروح، أما البشریة فهي التي وفق فيها لاختراع شخصية ليس لها وجود وتبناها التاريخ من بعده وهى “بشر بن عوانة العبدى” الشاعر الجاهلي.

من يوتيوب إلى التليفزيون: مواهب عربية حققت نجاحاً باهراً

جزء من مقامة البشرية

حدثنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كَانَ بِشْرُ بْنُ عَوَانَةُ العَبْدِيُّ صُعْلُوكاً. فَأَغَارَ عَلَى رَكْبٍ فِيهِمُ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ، فَتَزَوَّجَ بِهَا، وَقالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَومِ، فَقالَتْ:

أَعْجَبَ بِشْراً حَوَرٌ في عَيْنِي … وَسَاعِدٌ أَبْيَضُ كالُّـلـجَـيْنِ

                              وَدُونَهُ مَسْرحَ طَرْفِ العَـيْنِ … خَمْصَانَةٌ تَرْفُلُ فَي حِجْلَـينِ

أَحْسَنُ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْليَنِ … لَوْ ضَمَّ بِشْرٌ بَيْنَهَا وَبَـيْنـي

                              أَدَامَ هَجْرِي وَأَطَالَ بَـيْنِـي  … وَلَوْ يَقِيسُ زَيْنَهَـا بِـزَيْنِـي

لأَسْفَرَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ قَالَ بِشْرٌ: وَيْحَكِ مَنْ عَنَيْتِ؟ فَقَالَتْ: بِنْتَ عَمِّكَ فَاطِمَةَ، فَقالَ: أَهِيَ مِنَ الحُسْنِ بِحَيْثُ وَصَفْتِ؟ قالَتْ: وَأَزْيَدُ وَأَكْثَرُ، فَأَنْشَأ يَقُولُ:

وَيْحَكِ يَا ذَاتَ الثَّـنَـايَا الـبِـيضِ … مَا خِلْتُنِي مِنْكِ بِمُـسْـتَـعـيضِ

فَالآنَ إِذْ لَوَّحْتِ بِـالـتَّـعْـرِيضِ … خَلَوْتِ جَوّاً فَاصْفِري وَبِـيِضـي

                        لاَ ضُمَّ جَفْنَايَ عَلى تَـغْـمِـيضِ … مَا لَمْ أُشُلْ عِرْضِي مِنَ الحَضِيضِ

أبو القاسم الحريري

أبو محمد محمد بن القاسم بن علي الحريرى، المولود فى”البصرة”سنة 446ه، اختلاف”الحريرى” عن “الهمذانى” بأنه كان لا يكتفى بقول”حدثنا”، بل كان يميل إلى التغيير فى كل مقامة فأحيانا يبدأ بـ”حدث” أو”روى”، أو يبدأ بإسناد الكلام إلى الراوى”الحارث بن همام”، بالإضافة إلى الجمل القصيرة الموسيقية، والإفراط فى المجاز والسجع والأساليب اللغوية البديعة، فمقاماته تعد درة فريدة من نوعها.

جزء من المقامة الصنعانية

حدّثَ الحارثُ بنُ هَمّامٍ قالَ: لمّا اقتَعدْتُ غارِبَ الاغتِرابِ.

وأنْأتْني المَترَبَةُ عنِ الأتْرابِ. طوّحَتْ بي طَوائِحُ الزّمَنِ.

الى صنْعاء اليَمَنِ. فدَخَلْتُها خاويَ الوِفاضِ. ب
اديَ الإنْفاضِ.

لا أمْلِكُ بُلْغَةً. ولا أجِدُ في جِرابي مُضْغَةً. فطَفِقْتُ أجوبُ طُرُقاتِها مِثلَ الهائِمِ.
وأجولُ في حَوْماتِها جَوَلانَ الحائِمِ.

وأرُودُ في مَسارحِ لمَحاتي. ومَسايِحِ غدَواتي ورَوْحاتي. كريماً أُخْلِقُ لهُ ديباجَتي.

وأبوحُ إلَيْهِ بحاجتي. أو أديباً تُفَرّجُ رؤيَتُه غُمّتي. وتُرْوي رِوايتُه غُلّتي. حتى أدّتْني خاتِمَةُ المَطافِ.
وهدَتْني فاتِحةُ الألْطافِ. الى نادٍ رَحيبٍ. مُحتَوٍ على زِحامٍ ونَحيبٍ. فوَلَجْتُ غابةَ الجمْعِ. لأسْبُرَ مَجْلَبَةَ الدّمْعِ.

فرأيتُ في بُهْرَةِ الحَلْقَةِ. شخْصاً شخْتَ الخِلْقَةِ. عليْهِ أُهْبَةُ السّياحَةِ. وله رنّةُ النِّياحَةِ. وهوَ يطْبَعُ الأسْجاعَ بجواهِرِ لفظِهِ.

ويقْرَعُ الأسْماعَ بزَواجِرِ وعْظِهِ. وقدْ أحاطَتْ بهِ أخلاطُ الزُّمَرِ. إحاطَةَ الهالَةِ بالقَمَرِ. والأكْمامِ بالثّمرِ. فدَلَفْتُ إليهِ لأقْتَبِسَ من فوائِدِه. وألْتَقِطَ بعْضَ فرائِدِه.

فسمِعْتُهُ يقولُ حينَ خبّ في مجالِه. وهَدَرَتْ شَقاشِقُ ارتِجالِه. أيّها السّادِرُ في غُلَوائِهِ. السّادِلُ ثوْبَ خُيَلائِهِ. الجامِحُ في جَهالاتِهِ. الجانِحُ الى خُزَعْبِلاتِه.

إلامَ تسْتَمرُّ على غَيّكَ. وتَستَمْرئُ مرْعَى بغْيِكَ? وحَتّامَ تتَناهَى في زهوِكَ. ولا تَنْتَهي عن لَهوِكَ?
تُبارِزُ بمَعصِيَتِكَ. مالِكَ ناصِيَتِكَ! وتجْتَرِئُ بقُبْحِ سيرَتِك. على عالِمِ سَريرَتِكَ! وتَتَوارَى عَن قَريبِكَ. وأنتَ بمَرْأى رَقيبِكَ! وتَستَخْفي مِن ممْلوكِكَ وما تَخْفى خافِيَةٌ على مَليكِكَ!

أتَظُنُّ أنْ ستَنْفَعُكَ حالُكَ. إذا آنَ ارتِحالُكَ? أو يُنْقِذُكَ مالُكَ. حينَ توبِقُكَ أعمالُكَ? أو يُغْني عنْكَ ندَمُكَ. إذا زلّتْ قدَمُكَ? أو يعْطِفُ عليْكَ معشَرُكَ. يومَ يضُمّكَ مَحْشَرُكَ? هلاّ انتَهَجْتَ مَحَجّةَ اهتِدائِكَ. وعجّلْتَ مُعالجَةَ دائِكَ. وفَلَلْتَ شَباةَ اعتِدائِكَ.

وقدَعْتَ نفْسَكَ فهِيَ أكبرُ أعدائِكَ? أما الحِمام ميعادُكَ. فما إعدادُكَ? وبالمَشيبِ إنذارُكَ. فما أعذارُكَ? وفي اللّحْدِ مَقيلُكَ. فما قِيلُكَ? وإلى اللّه مَصيرُكَ.

فمَن نصيرُكَ? طالما أيْقَظَكَ الدّهرُ فتَناعَسْتَ. وجذَبَكَ الوعْظُ فتَقاعَسْتَ! وتجلّتْ لكَ العِبَرُ فتَعامَيْتَ. وحَصْحَصَ لكَ الحقُّ فتمارَيْتَ. وأذْكَرَكَ الموتُ فتَناسَيتَ.

وأمكنَكَ أنْ تُؤاسِي فما آسيْتَ! تُؤثِرُ فِلساً توعِيهِ. على ذِكْرٍ تَعيهِ. وتَختارُ قَصْراً تُعْليهِ. على بِرٍ تُولِيهِ. وتَرْغَبُ عَنْ هادٍ تَسْتَهْدِيهِ. الى زادٍ تَستَهْديهِ.
وتُغلِّبُ حُبّ ثوبٍ تشْتَهيهِ. على ثوابٍ تشْتَريهِ. يَواقيتُ الصِّلاتِ.

أعْلَقُ بقَلبِكَ منْ مَواقيتِ الصّلاةِ. ومُغالاةُ الصَّدُقاتِ. آثَرُ عندَكَ من مُوالاةِ الصَّدَقاتِ. وصِحافُ الألْوانِ. أشْهى إلَيْكَ منْ صَحائِفِ الأدْيانِ. ودُعابَةُ الأقْرانِ.

آنَسُ لكَ منْ تِلاوَةِ القُرْآنِ! تأمُرُ بالعُرْفِ وتَنتَهِكُ حِماهُ. وتَحْمي عنِ النُّكْرِ ولا تَتحاماهُ! وتُزحزِحُ عنِ الظُلْمِ ثمْ تغْشاهُ. وتخْشَى الناسَ واللهُ أحقُّ أنْ تخْشاهُ! ثمّ أنْشَدَ:

تباً لطالِـبِ دُنْـيا ثَنى إلَيها انصِبابَهْ

ما يسْتَفيقُ غَراماً بها وفَرْطَ صَبابَهْ

ولوْ دَرى لَكفَـاهُ مما يَرومُ صُبابَهْ

0

شاركنا رأيك حول "فن المقامات.. من فنون الأدب العربي المنسية"