محسن محي الدين ويوسف شاهين؛ نهاية الحلم وبداية الكابوس

2

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

“طب خد عينيا، وشوفه بيها، هتلاقيه جواك جميل. هتلاقيه أجمل وأجمل طول ما حبك له دليل”

جملة من أوبريت “إهتفوا باسم الإله” من فيلم “إسكندرية كمان وكمان (1990)” يمكنها تلخيص زاوية الرؤية التي ينظر منها المخرج لممثله المفضل.

البداية القوية للحلم

شابٌ في أواخر فترات المراهقة، يدخل إلى مكتب المخرج الكبير بثقة، لينظر في عينيه، فيسأله المخرج بعد أن أخفض نظاراته الطبية قليلًا لينظر له من فوقها، أن يأتي باثنان من أصحابه، ليمثلوا معه. يقول الممثل الذي كان مراهقًا في ذلك الوقت، أن المخرج الكبير أُعجب بحَب الشباب الذي كان يظهر على وجهه وقتها، وهي تفصيلة ذكية لما أراده المخرج الكبير.

عاد الممثل الشاب ومعه اثنان من أصدقائه سيصيرون فيما بعد نجومًا كِبار (أحمد سلامة وعبد الله محمود). يطلب منهم المخرج الكبير قراءة نص الفيلم واختيار الدور المناسب لكلٍ منهم، وهو شيء لا يفعله عادةً. يقرأون النص، ويختار كلٌ منهم دوره، يختار الممثل المراهق دور الشاب “بتاع البنات” بحسب تعبيره، فيرفض المخرج أن يعطيه هذا الدور ويقول له: “لا، إنت هتعمل دور يحيى” فيرد الشاب بكل تلقائية: “بس ده معقد” فيقول المخرج الكبير: “مش أنت اللي تقول أنا اللي أقول”.

يومها، راهن المخرج الكبير على مشهد واحد في الفيلم. قال المخرج للممثل الشاب أن هذا المشهد تحديدًا هو من سيحدد نجوميته أمام الجمهور، كان المشهد عبارة عن مونولوج لهاملت من مسرحية تحمل نفس الاسم لشيكسبير. طلب المخرج من الممثل الشاب أن يحفظ المشهد ويعود بعد أكثر من يوم، ليؤديه أمام المخرج كما حفظه.

ذهب الشاب الطموح، لرؤية عرض هاملت الذي قام ببطولته الممثل محمد صبحي على المسرح، وظل يبحث بعدها عن الأفلام المقتبسة عن القصة حتى يقوم بأداء الشخصية بطريقة صحيحة. عندما عاد الممثل الشاب مرة أخرى لمكتب المخرج، طلب منه المخرج أن يؤدي المشهد في دقيقة واحدة، فقال له الشاب أن المشهد مكتوبٌ في ثلاث ورقات، ومن المستحيل أداء مشهد بهذا الطول في دقيقة، فرد عليه المخرج الكبير بأنه عليه التصرف، لكنه سيؤدي المشهد في دقيقة على أي حال.

لم يستطع الممثل الشاب أداء المشهد في دقيقة، لكنه أستطاع أن يستحوذ على عقل وقلب المخرج الكبير. قبل بداية التصوير، أخبر المخرج الكبير الممثل الشاب بأن يراقبه لأنه سيؤدي شخصيته، وعليه أن يرصد إنفعالاته وتعبيراته بنفسه ودون مساعدة من أحد.

“ماسمعتش.. يا غايب، حدوتة حتتنا”

بعد عرض الفيلم، تحركت مشاعر شاهين تجاه محسن محي الدين، مشاعر من رأى الكنز الذي ظل يبحث عنه خلال الرحلة، رأى يوسف شاهين نفسه في محسن محي الدين، رأى الممثل الذي ظل يبحث عنه طوال حياته، أو لأكون دقيقًا، رأى الممثل الذي كان يتمنى أن يكونه، لذلك طلب من محسن أن يحتكره، وهنا، بدأ الشرخ.

كان محسن محي الدين مشهورًا بشكل ما في هذا الوقت، فظهر قبل فيلم “إسكندرية ليه” في عدة أفلام من ضمنها “أفواه وأرانب” أمام سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة. بعد الفيلم لم يطلبه أحد في أي دور لمدة ثلاث سنوات، حتى طلبه الأستاذ “فؤاد المهندس” ليظهر معه في مسرحية “سك على بناتك” في دور محسن ابن الجيران. بحسب محسن محي الدين، فإن هذا الدور هو ما أعطاه الشهرة الواسعة في الحقيقة.

طلب يوسف شاهين من محسن أن يظهر في الجزء الثاني من رباعية “شبة” السيرة الذاتية التي أخرجها، فظهر محسن في فيلم “حدوتة مصرية” بدور يحيى شكري مراد شابًا، لكنه كان دورًا صغيرًا وكان يوسف شاهين في ذلك الوقت – بحسب محسن محي الدين – يمنحه كل الحرية الذي يريدها، ولم يكن يوجهه أو يُقيده أو يؤثر عليه بأي شكلٍ كان.

إقترب يوسف شاهين بشدة من محسن محي الدين، لدرجة أنه كان يرى فيه أعظم موهبة في كل من تعامل معهم. محسن كان المعادل السينمائي ليوسف شاهين، لذلك رشحه يوسف شاهين للعب دور البطولة في فيلم “الوداع يا بونابارت” عام 1985. أدخل يوسف شاهين محسن محي الدين سجن الأداء لأول مرة، فبحسب كلام محسن، كان يوسف شاهين يتحكّم في أداء محسن ويقيده بشدة ليضعه في قالب من صنعه هو، وهُنا، ضرب يوسف شاهين فوق الشرخ البسيط، فأصبح أوسع قليلًا.

عام 1986، بدأ شاهين تصوير فيلم “اليوم السادس” من بطولة محسن محي الدين وداليدا، حيث يلعب محسن محي الدين دور “عُوكّة” القرداتي، وهو الدور الذي أراده شاهين أن يكون شبيهًا بدور “قناوي” في فيلم “باب الحديد”، وهو الدور الذي لعبه شاهين بنفسه، لكنه أراد أن يؤدي محسن دور عوكّة بنفس أداء قناوي، أراد لمحسن أن يكون يوسف شاهين الممثل، لكن محسن رفض هذا الأمر تمامًا، وهنا، بدأ الشرخ في التوسّع، حتى أصبح الشرخ بين يوسف شاهين ومحسن محي الدين غير قابل للإلتئام.

“تعتب عليا ليه؟ أنا بإيديا إيه؟”

ظل الجرح بداخل يوسف شاهين لمدة أربعة أعوام أرسل خلالها عشرات الرسائل إلى محسن محي الدين ليعود له مرة أخرى، لكن محسن في ذلك الوقت كان يحضّر لكتابة وإخراج فيلم “شباب على كف عفريت” الذي صدر في السادس والعشرين من فبراير عام 1990. في ذلك الوقت، أرسل يوسف شاهين إلى محسن محي الدين سيناريو فيلم “إسكندرية كمان وكمان” أكثر من مرة، وفي كل مرة، كان يخبره محسن برفضه، فيخبره شاهين بأنه في انتظاره.

كرر شاهين الأمر، حتى بعد بداية التصوير، فأرسل لمحسن محي الدين رسالة تقول أنه مستعد لمحو كل الأجزاء التي صورها من الفيلم، وإعادة تصويرها مرة أخرى إذا وافق على العودة، فرفضه محسن مرة أخرى. في نفس السنة (1990) صدر فيلم إسكندرية كمان وكمان في أغسطس، حيث لعب عمرو عبد الجليل دور محسن محي الدين كما يراه يوسف شاهين.

يقوم الفيلم بالأساس على ثلاث محاور، محور علاقة الممثل الشاب “عمرو” بالمخرج الكبير “يحيى شكري مراد”، ومحور اعتصام السينمائيين في النقابة، ومحور حساب الذات للمخرج الكبير نفسه. في المحور الأول من الفيلم، يعرض المخرج الكبير المشكلة كما كانت، يعرض العقدة التي لم يتخلص منها ابدًا وهي عقدة خلق ممثل بديل له، يقلده في كل شيء، خلق ممثل بلا شخصية، ليصبح كصورة ليوسف شاهين الممثل أمام الكاميرا.

في أحد مشاهد الفيلم، يقول يحيى شكري مراد أن ممثلة الموهوب أدّى دوره أفضل منه، لذلك شعر أنه يستطيع خلق حلمه من خلال هذا الممثل الشاب الموهوب. خلال أحداث الفيلم، يتحدث الممثل الموهوب مع مخرجه بعد فوزهما بجائزتي مهرجان برلين عن فيلم إسكندرية ليه، يقول الممثل الشاب أنه يريد أن يصبح مخرجًا كبيرًا، فيخبره المخرج الكبير بأنه سيصبح أفضل ممثل في مصر، بعدها، تبدأ رقصة، يتبادل فيها المخرج والممثل الموهوب الحركات، كمنافسة حرة بينهم.

في مشهد آخر، يستخدم يوسف شاهين التعبير بالرقص بشكل عظيم، فبعد عرض فيلم اليوم السادس، وخسارة الجائزة في مهرجان برلين، ترك الممثل يد مخرجه، ليخرج من القاعة، ويقف وحيدًا أمام النافورة الكبيرة. في الخلفية، تدور أغنية “فات الميعاد” لأم كلثوم، يبدأ الممثل الشاب في التعبير الجسدي (الرقص) على هذه النغمات الحزينة، ما يشبه رقصة الألم كما عبر عنها الناقد محمود عبد الشكور، كتعبير مجازي عن إحساس الممثل الشاب بالهزيمة، ووقوف المخرج الكبير وراءه شاردًا، وكأنه يقول أنه ضاع عندما ضاع منه كنزه الموهوب. استخدم مدير التصوير “رمسيس مرزوق” اللون الازرق والاسود تعبيرًا عن الحزن الموجود بداخل الشخصيتان.

نهاية الحلم المفتوحة

عام 1991، شارك محسن محي الدين في فيلم “اللعب مع الشياطين” كممثل فقط، ثم قرر الاعتزال فجأة. كان هذا القرار صادمًا للكثيرين وقتها. يقول محسن محي الدين أنه أعتزل لعدة أسباب. قال محسن ايضًا، أن موت الفنانة “هالة فؤاد” – التي كان يعتبرها أختًا له – المفاجئ كان صادمًا جدًا بالنسبة له، وهو ما شجعه على إعادة ترتيب أوراقه مرةً أخرى.

على الجانب الآخر، كان شاهين قد بدأ يضع الخطوط الأولى لإختيار ممثله الموهوب الجديد، لكنه للأسف لم ينجح في أن يجد بديلًا لمحسن محي الدين، رغم موهبة من أختارهم (خالد النبوي – هاني سلامة.. وغيرهم) إلا أنه لم يجد ما أراده، فظل يبحث عن محسن محي الدين طوال حياته، حتى تعلّق به تعلقًا جعله يقول أنه سيحزن إذا لم يمشِ محسن محي الدين في جنازته.

بالفعل، لم يمشِ محسن محي الدين في جنازة يوسف شاهين، لكن السبب – بحسب كلام محسن – فقط متعلق بالمتاجرة بمشاعر البشر في هذه الأوقات. حكى محسن عن جنازة صديق عمره الفنان “عبد الله محمود”، والتي كانت آخر جنازة للفنانين يحضرها، بسبب وقوف الصحفين والمراسلين، لأخذ الكلمة من أصدقاء المتوفي، بشكل أعتبره محسن عدم احترام للحظة الموت، ولا لحظة الحزن التي يمر بها أصدقاءه وأقاربه.

رفض محسن محي الدين، فكرة أن يكون هناك خلافًا بينه وبين يوسف شاهين، غير الخلاف الفني، وقال أنه كان أستاذه ويعتبر “واحد” ممن علموه السينما. ثمة شيء آخر، غير معلن في الحديث، عندما يتعلق الأمر بمحسن محي الدين، ويوسف شاهين، تشعر وكأن هناك أشياء دارت في الكواليس، لم ولن يعرفها أحد.

عاد محسن محي الدين، مرة أخرى للمهنة التي لم يستطع أن يبتعد عنها، للمهنة التي أحبته وأحبها، للمهنة التي تركت فيه أثرًا لن تمحِه الأيام، حتى لو أستطاع الزمن، تغيير ملامح هذا الحب قليلًا، لكنه لم يمحه بداخله، حتى لو عاد محسن محي الدين مرة أخرى بمسلسلان – من وجهة نظري أقل كثيرًا من إمكانياته الفنية – وهم “المرافعة” و”فرق توقيت”.

حكاية يوسف شاهين ومحسن محي الدين في حد ذاتها، تشبه قصص الأفلام ذات البدايات القوية، والسرد المتقن للأحداث المتطورة، والعقدة التي تسبق النهاية، لكن هذه المرة لا يأتي الحل، وتظل العقدة موجودة، إلى آخر الفيلم، كنهاية مفتوحة، لن يعلم أحد مداها، أو تفصح الأيام عن حلٍ لها.

2

شاركنا رأيك حول "محسن محي الدين ويوسف شاهين؛ نهاية الحلم وبداية الكابوس"

أضف تعليقًا